أهلّ يوم الخميس ويوافقه من أيام الشهور القبطية آخر توت (^٣)، لأن شهر ربيع الأول جاء ناقصا.
فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر وكنت صحبة قاضى الحنفية، فتكلم السلطان - نصره الله - مع القاضى كاتب السر - حفظه الله - بسبب محراب جامع طولون أنه بلغه أنه منحرف، فأجابه أن قاضى
_________________
(١) فى الأصل «على الذى التاسع والعشرون من تاريخه».
(٢) فى الأصل «مباشرون».
(٣) فى الأصل «بابه» والتصحيح بعد مراجعة التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٨ وهو يوافق ٢٧ سبتمبر ١٤٧٠ م.
[ ٢١٦ ]
القضاة الشافعى يرسل يحرّر ذلك ويصلحه ويجدده ويكتب عليه اسم السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره.
ووقع الكلام بين يدى السلطان أيضا فى ثبوت نسب امرأة تعزى لفارس (^١) البكتمرى فإنه مات وخلف تركة هائلة، والوصىّ عليها الأمير لاجين أمير مجلس وهو ينازعها فى النسب، والمرأة يساعدها عظيم الدنيا الدوادار الكبير عز نصره، وعين القاضى الحنفى قصتها على نائبه الشريف كمال الدين الوفائى، ثم إن القاضى خير الدين السنسى تكلم فى أمرها وثبت عندهما بالبينة الشرعية أن نسبها لاحق بنسبه، فرسم بعقد مجلس بين يدى السلطان نصره الله فى يوم السبت ثالثه، وتوجه قاضى الحنفية لبيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير وما مع ذلك - دامت سعادته - فانتظره زمنا طويلا حتى عيى من انتظاره هو وعدة من الرؤساء؛ فلما حضر لاقاه من المقعد وسلم عليه وأراد الانصراف أخذه بيده ورجع به حتى جلس هو وإياه وأخبره أن مكس قطيا بطل عن التجار والمسافرين وأنه السبب فى ذلك، فدعى له الحاضرون بل وكل من يسمع ذلك، وانصرفوا والله الولى والمالك.
وضرب المقر الأشرف الكريم العالى عظيم الدنيا الدوادار الكبير - عز نصره - نائبه فى الوزارة قاسم المشهور بشغيته ضربا فظيعا على مقاعده ورجليه، فوزن خمسة آلاف دينار، ثم أكمل العشرة إلى يوم تاريخه الذى هو العاشر من شهر تاريخه، وآخر الأمر شفع فيه رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى حفظه الله، وأرسله عظيم الدنيا - المقر الأشرف الكريم العالى السيفى أمير دوادار كبير وما مع ذلك دامت سعادته واستمر عنده ليغلق ما تأخر عليه (^٢) وقيل
_________________
(١) راجع الضوء اللامع ٦/ ٥٤١.
(٢) يشير السخاوى فى الضوء اللامع ١٠/ ٦٠٩ إلى أن يشبك الدوادار غضب على قاسم شغيته وأنه رام قتله حتى ضمنه ابن مزهر ورسم عليه ببيته ولكنه هرب، ثم ظفر به ابن مزهر وأودعه سجن الديلم.
[ ٢١٧ ]
إنه ثمانية آلاف دينار، فحصل له بذلك أمن على نفسه وماله.
وفيه غضب عظيم الدنيا على ناظر الأحباس ابن العيسى (^١) فعمل مصلحته فرضى عنه بعد أن كان رسم عليه وأقام فى الترسيم خمسة أيام وطلب الإمامان أولاد الإخميمى لبيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير بسبب حساب وقف جامع الحاكم، ووقفا بين يديه من تحت المقعد ورسم عليهما.
وفى سابع شهر تاريخه سافر المقر الكريم الأشرف العالى السيفى الأتابكى أزبك من ططخ بسبب تخضير البحيرة وفى خدمته مماليكه وخواصه لا غير، وحضر الأمير يشبك الإسحاقى المشهور بيشبك جن من البحيرة بعد إقامته بها ثمانية شهور.
وفى هذه الأيام حضر من المحلة سيدى الشيخ العارف المعتقد الملك المحقق بسيدى أبى العباس ولد سيدى الشيخ الإمام الربانى العارف بالله المشهور بالغمرى (^٢) نفع الله ببركته ونزل بجامع والده الذى أنشأه بالقرب من سوق أمير الجيوش، فاجتمعت به فرأيته رجلا عظيما عليه المهابة والجلالة، وله تؤدة وملكة وتأنى، وفرحت باجتماعى عليه، نفعنى الله والمسلمين، ببركة سيد المرسلين.
يوم الاثنين ثانى عشره خرج الأمير برقوق الناصرى كافل المملكة الشامية من الديار المصرية إلى محل كفالته فى موكب عظيم وبرك جميل إلى الغاية وترتيب جسيم وأبهة زائدة إلى الغاية، ومرّ الطلب من الرميلة فرآه السلطان والعسكر، وركب معه أعيان الدولة وأمراؤها وخاصكيوها ومماليكها الموجودون وذلك بعد أن صعد لخدمة السلطان نصره الله، وخلع عليه وقيد له فرسا خاصا
_________________
(١) لم نعثر على ترجمة له وربما كان فى كتابة اسمه شئ من الخطا.
(٢) بفتح الغين نسبة إلى ميت غمر.
[ ٢١٨ ]
بسرج ذهب وكنبوش زركش، ولم يتأخر إلا النادر عن الركوب لعذر:
إما سفر أو عرض، وذكر المقدمون من الأمراء وغيرهم أنهم ما رأوا ترتيبا ولا بركا ولا طلبا ولا قماشا ولا خيولا ولا سروجا من ذهب ولا كنابيش مزركشة جديدة مع أحد سبقه من النواب قبله. وبلغنى أنه وصل إليه من الأمراء والأعيان وغيرهم ثمانية عشر سرجا من ذهب وكنبوش مزركش خارجا عما يملكه وعمله وصنعه، وتوجه إليه رئيس الدنيا المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف - حفظه الله على المسلمين - إلى الريدانية فحلفه على العادة أنه لا يخرج عن طاعة الإمام الأعظم، فخلع عليه كاملية مخمل عظيمة بسمور بمقلب سمور، وقيّد له فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش فلبسها قليلا ثم نزعها، وأركب الفرس لأحد مماليكه الذين فى خدمته.
ووصل فى هذه الأيام قاصد من حلب، وأخبر أن حسن الطويل قاصد البلاد الحلبية، فحصل بذلك إزعاج عظيم فى العسكر، فتحول السلطان للتجريدة، وبدون هذا الأمر كانت التجريدة، فما بالك بهذا، فالله يلطف بالمسلمين.
يوم الجمعة سادس عشره أبيع صندوق خشب بباب جامع الأزهر فاشتراه إنسان بدينارين ثم رده فى الحال، وكان أبيع قبل ذلك بمدة أشهر بأزيد من ذلك ورده، فأخذ بعض الحاضرين يعبث فى أدراجه ورواشنه (^١) فوجد فيه خبية فجذبها فإذا فيها كيس فيه ستمائة دينار وستون دينارا ذهبا، وأصل هذا الصندوق لورثته، مخلف لهم معهم أطفال يتكلم عليهم أمين الحكم فتقاسمها الورثة.
_________________
(١) الرواشن جمع روشن، وهو فارسى معرب وهو الرسم الذى يختم به، انظر الجواليقى المعرب، ص ١٠٦.
[ ٢١٩ ]
وفى يوم السبت سابع عشره عقد مجلس بين يدى السلطان - نصره الله - بالحوش السلطانى بحضور قضاة القضاة ولم يحضر رئيس الدنيا المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله لضعفه، عافاه الله وشفاه.
وسبب هذا العقد (^١) لإعذار الأمير لاجين أمير مجلس فى المرأة التى ادعت أنها بنت فارس البكتمرى، وثبت نسبها منه والأمير لاجين وصى، فأعذر (^٢) لها.
وتكلم السلطان - نصره الله - مع قضاة القضاة وأعلمهم أنه أبطل مكس قطيا ومكس الخشابين من بولاق والأطرون بناحية دمنهور، ونودى بالحوش بذلك بين يديه، وكثر الدعاء له ولمن كان السبب فى ذلك. والله المنعم والمالك.
وصنع قاضى القضاة المحيى ابن الشحنة خطبة عظيمة فى مدح السلطان وعدله وفضله ووصفه بجميع أنواع الصفات بين العسكر والأمراء ومن حضر، فلم يكترث لذلك غاية الاكتراث، وقرأها (^٣) من لفظه، ولما فرغ من قراءتها طلبها منه القاضى نور الدين الإنبابى - نائب رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف - ليقرأها ويكتبها، وذكر من المبالغة والإطراء أنه يرسل بها إلى الأقطار والأمصار.
ونودى بإبطال مكس قطيا والخشابين وأطرون دمنهور بالقاهرة ومصر فتضاعفت الأدعية لمولانا السلطان - نصره الله - ولمن كان السبب، حفظه الله.
_________________
(١) أى عقد المجلس.
(٢) يعنى: اعتذر لها.
(٣) المقصود بذلك القاضى ابن الشحنة.
[ ٢٢٠ ]
يوم الاثنين تاسع عشره خلع السلطان على المقر الأشرف العالى الشرفى الأنصارى وكيل السلطان وأمره بالتوجه إلى البلاد الشامية ليجمع العربان والتركمان والعشرات الطاعة لمحاربة شاه سوار، خذله الله.
وفيه خلع على جانم السيفى تمر باى أحد الأمراء العشرات والروس النوب واستمر فى وظيفة الزرد كاشية عوضا عن فارس السيفى دولات باى بحكم وفاته بدمشق.
وفيه أيضا خلع على دولات باى الخزندار الأجرود أحد الأمراء العشرات وأمر بالسفر فى خدمة المقر الشرفى الأنصارى لجمع العليق والمغل والإقامة والمال وجميع مقاصده.
وفيه خلع على يشبك الجمالى محتسب القاهرة واستقر أمير المحمل على عادته فى التى تقدمها، وقيل: إن أقبردى أمير الأول على عادته.
وفى هذا اليوم توفى الشيخ سالم خليفة (^١) سيدى أبو السعود أحمد البدوى نفع الله به بعد مرض طويل، وتولى بعده ولده الشيخ الذى كان قبله.
وفيه رضى عظيم الدنيا الدوادار الكبير - حفظه الله - على ابن العبسى ناظر الأحباس وأطلقه.
وحضر المقر الأشرف العالى السيفى تمراز (^٢) الشمسى الأشرفى أحد مقدمى الألوف - ونعم الرجل صنعا وتواضعا وحبا لطائفة الفقهاء - من الغربية فإنه كاشف التراب بها، وقد انتهت عمارة الجسور وصعد للسلطان
_________________
(١) يستفاد من ترجمته فى الضوء ٣/ ٩١٠ أنه كان خليفة «مقام» سيدى أبى السعود وقد جعل سنة وفاته قريبة من سنة ٨٨٠ هـ، وليس كما بالمتن.
(٢) الضوء اللامع ٣/ ١٥٢.
[ ٢٢١ ]
فخلع عليه وأكرمه، وكيف لا وهو متصف بهذا الوصف الحسن قريبه (^١) أيضا. وكان له موكب عظيم وحضر إليه الأعيان والأمراء فسلموا على العادة.
وأما قضية الصندوق التى تقدمت وأن الورثة تقاسموا المال انتقض عليهم وأخذ منهم ورسم على أمين الحكم وطلب منه حساب الأيتام، ولولا العناية ما حصل له خير ولا شر قليل.
ووصل الخبر بوفاة يونس (^٢) دوادار المقر الأشرف الكريم العالى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين بالرملة فى يوم الرابع والعشرين من شهر تاريخه، وهو إنشاء الله فدا أستاذه، أبقاه الله وأيده، وكان يونس عاقلا ذكيا رئيسا محتشما لعل ما فى بيته أحشم منه، ﵀.
يوم الأحد سادس عشره قبض على صوفى من خانقاه (^٣) سعيد السعداء يعرف بابن الخليلى بسبب أنه فتح حاصل قمح فى المدرسة واختلس منه، فقام الصوفية عليه ورفعوا أمرهم لعظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ومدبر أمورها وشهيرها وأستادارها ودوادارها الكبير رعاه الله وحماه، وذكروا أنهم وجدوا هذا فتح الحاصل المرصد لخبز الفقهاء وأراد يأخذ منه «فقبضنا عليه، وفى العام الماضى عجز [الحاصل] سبعين إردبا، وهذا الخرج الذى فيه القمح معه»، فأمر يضربه فضرب بالمفارع وأشهر على حمار فى الأسواق: «هذا
_________________
(١) المقصود بكلمة «قريبه» هنا خاله الأشرف قايتباى.
(٢) ليس فى تراجم من يسمون بيونس التى أوردها السخاوى فى الجزء العاشر من الضوء من عمل الدوادارية سوى يونس بن عمر بن جربغا ولكنه كان داودار فيروز النوروزى، انظر شرحه ٦/ ٦٠٠، ١٠/ ١٣١٢.
(٣) أورد الخطط ٢/ ٤١٤ - ٤١٥ أنها تنسب لسعيد السعداء الأستاذ قنبر أحد الأستاذين المحنكين من خدام القصر الفاطمى، وترجع أهمية هذه الخانقاه إلى أنها أول خانقاه فى مصر الإسلامية.
[ ٢٢٢ ]
جزاؤه وقل جزا على من يسرق من المدارس» واستمر فى السجن وركب أبوه ودار على الأعيان، وتظلم وبكى واستغاث وذكر أن أهل المدرسة الذين فعلوا هذه الفعلة بولده بينهم وبينه عداوة فاتهمهم، فإن له إخوانا وهم أصحاب لسان طويل على البواب وغيره ولهم مباشرة بالمدرسة بالخانقاه المذكورة، وآخر الأمر سألوا فضل الأمير العظيم الدوادار الكبير فى إطلاقه فأطلق بعد أن توصل والده بالسلطان وله به معرفة من قبل تاريخه.
وفى يوم الاربعاء المبارك ثامن عشريه ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه إلى ناحية طرى وأقام إلى المغرب وعاد إلى القلعة.
يوم الخميس تاسع عشريه ركب رئيس الدولة وواحدها فى العلم والأصل والدين والفقه والتواضع المقر الزينى ابن مزهر كاتب السر حفظه الله وصعد إلى القلعة واجتمع بالسلطان وعوفى إن شاء الله تعالى عافية تامة.
وتقدم قبل هذا اليوم عقد مجلس بالقلعة بحضور السلطان بسبب قاضى القضاة حسام الدين المالكى المتوفى لما عليه من الديون للناس وللسلطان، وكان الشيخ جلال الدين البكرى (^١) أثبت على السلطان شيئا فبلغ السلطان ذلك فأنكره وخاطب الشيخ جلال الذين بكلام مزعج وقال له: «يا شيخ تلق الله بماذا؟» وأمثال ذلك، وانفضّ المجلس على عير شئ.