أهل بيوم الأربعاء. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر فهنوه ودعوا له وانصرفوا.
وفى الاثنين سادسه خرجت التجريدة المجهزة من القاهرة المحروسة لقتال شاه سوار، وعليها الأمير أزدمر الإبراهيمى الظاهرى أحد المقدمين الألوف بمصر، ومعه من الأمراء الطبلخانات قجماس الطويل لا غير؛ ومن الأمراء العشرات عشرة أنفار أو أحد عشر، ومن المماليك السلطانية خمسمائة مملوك، وهذا اليوم سبابع عشرى (^٣) شهر بابه القبطى، وسار الأمير أزدمر المذكور بمن معه دفعة واحدة إلى خانقاه سرياقوس، ولم ينزل بالريدانية كعادة من تقدمه، وسافر من الخانقاه فى ليلة الجمعة عاشره الموافق لأول هاتور القبطى.
ووصلت الأخبار من الثغر السكندرى أن معظم أهلها ذهبوا بموت الطاعون، وأنه (^٤) مقيم بها إلى تاريخه.
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ٧٠٦.
(٢) البرك هو ما اصطحبه معه من ثياب وقماش وخام، انظر Supplementaire Aux Dictionnaires Arabes .
(٣) فى الأصل «عشرين» هذا ويلاحظ أن الوارد فى التوفيقات الإلهامية هو أن أول ربيع الأخر يوافق الثانى عشرين من بابه.
(٤) أى الطاعون.
[ ٣١ ]
وأما الغلاء فاستمر بالديار المصرية فى سائر الأقوات، لأن القمح وصل إلى تسعمائة درهم الإردب، والشعير إلى ثلثمائة الإردب فأكثر، ثم غلا الشعير والفول بعد ذلك إلى أن زاد الإردب على أربعمائة درهم وخمسين درهما، بل عدم وجود الشعير بالكلية، والخبز بخمسة دراهم الرطل لكنه موجود بحوانيت السوقة والباعة، وأما الجبن الأبيض فوصل إلى عشرة دراهم الرطل، وقس على هذا سائر المأكولات، مع أن البلاد الشامية والحلبية طرّشهم الغلاء، ووصل السعر فى الغلاء بها إلى أزيد من سعر مصر، وأما بلاد الروم فأكثر غلاء. وطال هذا الغلاء ونمو السعر بمصر وضواحيها وقراها، فلله الحمد على كل حال.
وفى يوم الاثنين ثالث عشره قدم المقر الأشرف الأتابك أزبك من ططخ الظاهرى من البحيرة بعد أن وطنها ووطن أهلها وعمل مصالحهم، فخلع عليه السلطان فوقانيا بوجهين، وتوجه لداره فى جحفل عظيم زائد، وأخبر أن الطاعون مستمر باسكندرية، وأنه انتشر ببلاد البحيرة ووصل إلى مدينة دمنهور، وأخبر بموت جماعات من عرب غزالة كانوا رءوس الشر والفتنة نحوا من ثمانين نفرا، فلله الحمد على ذلك، إنه الولى والمالك.
وأشيع فى هذا اليوم أن مات ببيت الصاحب مجد الدين اسماعيل بن (^١) البقرى عدة من مماليكة بالقاهرة، وسألت عن ذلك من أخيه القاضى شرف الدين (^٢) عبد الباسط فأجاب «بنعم»: «مات عند أخى من المماليك ثلاثة نفر فى الجمعة الماضية بالطاعون».
وفى يوم الثلاثاء رابع عشره سافر القاضى علاء الدين ابن الصابونى إلى
_________________
(١) السخاوى: الضوء ١١/ ٢٣٨.
(٢) السخاوى: الضوء ٤/ ٩٧.
[ ٣٢ ]
دمشق بعد عزله ومصادرته وضربه وحبسه بطبقة الخازندار بقلعة الجبل، والتزم بمائة (^١) ألف دينار فوزن بعض ذلك، وسافر معه السيفى جانبك الخاصكى مرسما عليه حتى يغلق (^٢) ما التزم به.
وفى يوم الأربعاء خامس عشره ركب السلطان بغير قماش الخدمة، وفى خدمته غالب أمرائه وخاصكيته، وتوجه لجهة طرى والعدوية سائقا سوقا عنيفا، بحيث أن ساق منها إلى قارب القمازة من بلاد قبلى وهو يسوق الفرس الذى تحته، بحيث أنه لم يلحقه من أمرائه وخاصكيته إلا من كان راكبا للخيول الجياد، ولم ينزل عن فرسه فى ذهابه وإيابه إلى أن عاد وطلع القلعة قريب العصر، ولم يجتمع به غالب أمرائه لشدة سوقه فى الذهاب والإياب، ولما وصل إلى القلعة أمر فنودى بشوارع القاهرة: «من له جامكية فى بيت السلطان يصعد من الغد ليقبضها»، ورسم أيضا لقضاة القضاة أن يطلعوا من الغد لعقد مجلس بسبب كثرة جوامك المماليك السلطانية وغيرهم.
فلما أصبح يوم الخميس سادس عشره طلع (^٣) قضاة القضاة ونوابهم وعدة من مشايخ العلماء. وكنت حاضرا المجلس مع قاضى الحنفية، وكل ذلك بالحوش السلطانى بقلعة الجبل. وجلس السلطان مع القضاة على العادة تحت الدكة، والأمراء والمباشرون واقفون فى مواضعهم، فتكلم مولانا السلطان - نصره الله - مع القضاة والقاضى كاتب السر كلاما طويلا، وهو المتكلم والمشار إليه حفظه الله، وأخذ السلطان نصره الله يقول كلاما معناه أن الجامكية على المماليك السلطانية كانت فى أيام الملك المؤيد شيخ أحد عشر ألف دينار كل شهر، ثم صارت فى دولة الملك الأشرف برسباى ثمانية عشرة ألف، ثم زادت فى أيام الملك الظاهر جقمق حتى صارت إلى ثمانية وعشرين ألف دينار فى كل شهر،
_________________
(١) راجع ما سبق ص ٢٢، ٢٣، ٢٧.
(٢) يغلق هنا بمعنى يسدد.
(٣) فى الأصل «طلعوا».
[ ٣٣ ]
وسبب هذه الزيادة أن السلطان الملك الظاهر المذكور فوّض أمر ديوان الأستادارية للأمير زين الدين يحيى الأشقر (^١) يتصرف فيه كيف شاء لأجل السداد، فصار يبيع الجامكية ويهبها، ويتقرب بتنزيل جوامك المماليك الأمراء حتى يصير له عندهم منزلة، ويزيد فى جوامك المماليك السلطانية ويرتب لأولادهم جامكية وإن لم يكن لهم ذلك - يعنى أولادا، فبمقتضى ذلك زادت الجامكية الثلث عما كانت، ومع ذلك فالديوان معه فى سداد ونفوذ كلمة وحرمة وجاه عريض، وكل ذلك من أستاذه، واليوم صارت الجامكية فى كل شهر ستة وأربعين ألف دينار وخمسة دنانير، فصار ديوان السلطان لايفى بالجامكية ولا بثلثيها.
قلت: وسبب عدم السداد أن زين الدين الأستادار لما عزل عن الوظيفة أخرجوا من بلاد الديوان المفرد عدة للخاصكية والمماليك السلطانية، وصار كلما يموت سلطان (^٢) أو يغيرونه يخرجون من بلاد الديوان عدة للخاصكية والجلبان، فحصل هذا الأمر. انتهى.
ثم إن السلطان أخذ فى غضون ذلك يدعو على نفسه ويتبرم من السلطنة ويصرح بالخلع وأشياء كثيرة من هذا النمط، وصار يقول: «عجزت عن دفع هذا المال وحمله لأربابه فى كل شهر»، فتكلم بعض القضاة بأن الظلم لا يجوز فى ملة من الملل، لأنه قصد بذلك السلطان لأنه بلغه عنه أنه يريد [أن] (^٣) يأخذ فائض أموال الأوقاف وأموال التجار، ثم إن القاضى المذكور أخذ يقول إن السلطان له النظر العام ينظر فيمن يستحق يبقيه فى الديوان، ومن لم يستحق يمحوه من الديوان.
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ٩٨٣.
(٢) فى الأصل «سلطانا أو يغيروه يخرجوا».
(٣) أضيف ما بين الحاصرتين لتستقيم العبارة.
[ ٣٤ ]
وتكلم شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائى (^١) بكلام ساعد فيه القاضى المذكور وعضّده، وانقض المجلس المذكور وقام السلطان وجلس على الدكة بالحوش المذكور، وجلس عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ومشيرها ومدبرها ووزيرها ودوادارها الكبير - أعز الله به الإسلام والمسلمين - ورئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى (^٢) كاتب السر - حفظه الله - وبقية المباشرين وكاتب المماليك ومقدم المماليك ونائبه، وحضر أيضا معهم القاضى الرئيس علم الدين ابن الجيعان (^٣) وولده العالم العلامة الأمة الفرضى الشرفى (^٤) يحيى وأخوه الزينى عبد الغنى (^٥)، وكاتب العليق وكاتب الحوائج خاناه، وسبب هذه الجمعية لضبط ما يقطع من الجامكية واللحم والعليق والكسوة والأضحية، وصار ناظر الخاص والأستادار يكتبان أيضا، وكان مجلسا حفلا مهولا إلى الغاية. ثم استدعى عبد الكريم بن جلود [كاتب المماليك (^٦)] أرباب الجوامك: كل نفر على حدة، وأمر لهم بالنفقة.
هذا وبجانب السلطان - نصره الله - على الدكة ثلاثة قسى، كل واحد منها أقوى من الآخر بالتدريج كما تقدم، ليمتحن بذلك أولاد الناس المنزلين ببيت السلطان فى ديوان المماليك، وأنفق (^٧) فى هذا اليوم فى طبقة الرفوف بتمامها، وقطع جماعة كثيرة من أولاد الناس وغيرهم، والذى ظهر من الأمر فى هذا اليوم أن
_________________
(١) ولد الشيخ يحيى فى سنة ٧٩٧ هـ كما ذكر السخاوى فى الضوء اللامع ١٠/ ١٠٠٨ وليس سنة ٧٩٥ هـ كما هو وارد فى السيوطى: نظم العقيان، ص ١٧٨، راجع أيضا السيوطى: حسن المحاضرة ١/ ٢٢٧.
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ١١/ ٢٣٣، والسيوطى: نظم العقيان، ص ٩٧ - ٩٨.
(٣) السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ١١٧.
(٤) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ٩٦٩.
(٥) السخاوى: الضوء اللامع ٤/ ٦٤٧.
(٦) الإضافة من الضوء اللامع ٤/ ٨٦٠.
(٧) فى الأصل «نفق».
[ ٣٥ ]
السلطان - نصره الله - أبقى لكل واحد من المماليك السلطانية ألفى (^١) درهم فى كل شهر، وقطع من له زيادة على ذلك، ولو تأخر له زيادة على الألفين وهى مشترى تقطع ويرجع على من باعها، وكذا إن كانت مقايضة يرجع له إقطاعه ويقطع جامكيته. ورسم بالصرف لكل من ذكر، وأن يكون القطع من الشهر الآتى، وأن يكون لكل نفر من المماليك السلطانية ألفا (^٢) درهم جامكية، وزبديّة لحم فى كل يوم، وثلاثة علائق، وللخاصكية وأصحاب الوظائف زيادة على ذلك من الجامكية والعليق، ولم يظلم السلطان - نصره الله - أحدا بما قطعه لأن العادة القديمة لآخر دولة الملك الأشرف برسباى كانت على هذا النمط الذى فعله السلطان الملك الأشرف قايتباى عز نصره، وفى الواقع لم نعلم أحدا من المماليك السلطانية فى القديم له جامكية أكثر من ألفى درهم وزيدية لحم وثلاث علائق، بل كان (^٣) غالب المماليك السلطانية يأخذون عوضا عن الصرة اللحم صرة من الفلوس: مائتى درهم وثلاثين درهما، ثم نزلت إلى مائة وثمانين درهما، وأما اليوم فقد صار بيت السلطان همجا، ودخل فيه خلائق كثيرون من المتعممين وأولاد الناس والتجار والعامة حتى النصارى، وخرج الأمر عن الغيرة والجد، وعجز الوزير والأستادار وناظر الخاص لكثرة ذلك، وصار (^٤) الملوك يسعفونهم بالأموال من خزائنهم فى كل شهر ومع ذلك لا يزدادون إلا عجزا، فسبّب ذلك تحمل الدواوين الكلف الزائدة لمن لم ينتفع بهم ولا يدفعون عدوا ولا ينجدون مظلوما ولا يسدون ثغرا.
وكان ابتداء ذلك من دولة الملك الظاهر جقمق - سقى الله عهده - فإنه كان ﵀ إن وقف له تركمانى (^٥) أو كردى أو بدوى أو صغير أو يتيم
_________________
(١) فى الأصل «الفين».
(٢) فى الأصل «الفى».
(٣) فى الأصل «كانوا».
(٤) فى الأصل «وصاروا الملوك يسعفوهم».
(٥) فى الأصل «تركمانيا أو كرديا أو بدويا أو صغيرا أو يتيما أو بنتا».
[ ٣٦ ]
أو بنت صغيرة يكتب باسمه جامكية ولحما عليقا وكسوة وأضحية، فأتلف (^١) نظام من تقدمه وصير الدواوين عبرة، مع أن السلطان الملك الأشرف إينال - سقى الله ثراه - أراد أن يفعل هذا الصنيع الذى فعله الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - فما مكنه من ذلك دواداره المقر الأشرف العالى السيفى بردبك (^٢)، وخوفه عاقبة ذلك ودعاء الناس عليه وعلى ذريته، وهول عليه أن ربما يحصل بوقوع ذلك إثارة فتنة عظيمة، وكان الملك الأشرف إينال ينقاد إلى الخير بشعرة ولا ينقاد إلى الشر بالسلاسل الحديد كما سمعت ذلك من لفظ قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة (^٣) الحنفى، وأراد الملك الظاهر خشقدم أن يفعل ذلك فما جسر أيضا، فلما ضعف أمر هذين (^٤) السلطانين: الأشرف إينال والظاهر خشقدم عن ذلك صار الوزير والأستادار يظلمان (^٥) العباد لعلمهما أن الدواوين لا تسد ولا تقوم بالكلف إلا بالظلم، وصار كل من ظفر بشى أخذه وسد به، فخربت البلاد وظهر الفساد، وسكت العباد قبلى وبحرى من جور الوزراء والأستادارية وإفشاء ظلمهم وأخذهم مالا يستحقونه (^٦) من الرعية، ومع ذلك فالعجز الفاحش ظاهر عليهم.
وأما أمر الكشاف والولاة ومشايخ العربان مع أهل القرى فقس عليهم، فضلا من الحرامية والمفسدين.
***
_________________
(١) يقصد بذلك الأشرف قايتباى.
(٢) كانت توليته دوادارية إينال الثانية فى جمادى الأولى سنة ٨٥٨ هـ، انظر أبا المحاسن: النجوم الزاهرة، ص ٤٤٩.
(٣) السيوطى: نظم العقيان، ص ١٧١؛ والسخاوى: الضوء اللامع ٩/ ٧٥٥.
(٤) فى الأصل «هازين».
(٥) فى الأصل «يكلمون العباد لعلمهم».
(٦) فى الأصل «يستحقوه».
[ ٣٧ ]
وأما المكوس فزادها (^١) الوزراء أمثال ما كانت حتى كانوا يفعلون (^٢) ذلك فى المواريث الحشرية، فإن الوزير محمد البباوى اللحام فى وزارته صار يطلب الناس الذين صالحوا الوزير الذى قبله وأخذوا وصولا، ومع ذلك يأخذ منهم المال الجزيل بغير طريق شرعى من عشرين سنة وأكثر، ويتكلم بكلام لا يجوز شرعا ولا عرفا ولا عادة ولا مادة ولا طبعا ولا مروءة، وهذا مشهور من الخلائق. ولو كان الأمر على النظام الأول كان كل من الوزراء والأستادارية لا يتعدى طوره وينظر فى مصالح تعلقاته وعمارة بلاده، والسلطان - نصره الله - ما يظن أن من ولاه من الوزراء والأستادارية والكشاف ومشايخ العربان يصلون إلى هذا الحد الفظيع بل يعمرون البلاد ويرفقون بفلاحى (^٣) القرى ويدفعون عنهم المعتدين الخارجين عن الطاعة، كما كان ذلك فى أيام الملوك السالفة. ﵏ قديما وحديثا.
ولما فرغ السلطان - نصره الله - من قطع غالب أولاد الناس، وسلك معهم طريقة الملك المؤيد شيخ والأشرف برسباى ومن كان قبلهم من الملوك شق ذلك على كل من له مرتب وقطع، وكان زائدا عن العادة، لأنهم كان فيهم من وصلت جامكيته إلى ثلاثة آلاف وأربعة آلاف وأكثر إلى عشرة آلاف درهم، ومن له ثلاث زبادى لحم إلى عشرين زبدية فى كل يوم، ومن له فى العليق ثلاث علائق إلى عشر علائق، ولم يلتفت السلطان إلى ذلك، وفعل ما رامه وقصده بجنان ثابت وعزم صادق وحزم حاذق وإقدام وقوة وعدم مراعاة إلا فى النادر، ولم يقبل شفاعة شافع إلا ما رأى فيه خطأ ومصلحة، وذلك بإشارة عظيم الدنيا ومدبر المملكة
_________________
(١) فى الأصل «فزادوها».
(٢) فى الأصل «حتى يفعلوا» وقد صحح المتن لاستقامة المعنى والعبارة.
(٣) فى الأصل «بفلاحين».
[ ٣٨ ]
ومشيرها ووزيرها وصاحب حلها وعقدها الأمير المعظم والكهف المفخم يشبك من مهدى دامت سعادته ونعمته.
ولما وفروا ما زاد على العادة نظر الأمير (^١) المذكور فى مصالح المسلمين فأمر بإبطال مكس قطيا (^٢)، ومتحصلها فى الشهر ما يزيد على ألف دينار، وكذلك مكس الخشابين، وكان المعاملون يصنعون (^٣) فيه أشياء لا تعمل إلا فى قبرص من شدة الظلم، بحيث أنهم يستأصلون جميع الأخشاب ولا يكفيهم ذلك بعد الضرب والسب والبهدلة.
وكذلك أبطل الأمير المذكور - حفظه الله على المسلمين - مكس الغزل الذى كانوا يبيعونه (^٤) النساء وصار ذلك مسطرا له فى التواريخ؛ وهذا هو الفضل العام إلى يوم العرض والقيام، فحزاه الله أحسن جزاء، وحفظه ما ائتلف الفرقدان واختلف الجديدان.
وتوجه السلطان بعد فراغ النفقة بحضرته على أنه يحضر الجامكية فى كل شهر من الشهور، والملك والأمر بيد الله تعالى يفعل ما يريد.
وقال الجمالى يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه: «قلت العجب أن أرباب التقويم وعلماء النجوم أجمعوا على أنه يكون قطع عظيم فى يوم سابع عشر هذا الشهر، ولعل ذلك بلغ السلطان فتوجه إلى جهة العمارة من الوجه القبلى، ومعه شرذمة قليلة من عسكره، وسافروا خلفه حتى لحقوه، وانقطع عنه باقى عسكره من الأمراء والخاصكية، ولم يجتمعوا به إلا بعد عوده إلى القلعة، وما ذاك إلا استخفافا بمن يستخف به، ثم أصبح يوم الخميس ففعل ما فعل من
_________________
(١) يقصد بذلك الأمير يشبك من مهدى الدوادار الكبير.
(٢) بفتح القاف وسكون الطاء وهى تقع فى الطريق بين القنطرة والعريش وكانت محطة تمكيس المتنقلين بين مصر والشام، راجع محمد رمزى: القاموس الجغرافى ١/ ٣٥٠.
(٣) فى الأصل «يصنعوا».
(٤) تحمل هذه العبارة المعنى المفهوم من المتن كما تحتمل أن تسكون بالصورة التالية «كانت تبيعه النساء».
[ ٣٩ ]
عقد المجلس وقطع ما زاد عن العادة من راتب المماليك السلطانية وغيرهم، ونزل أكثر العسكر ساخطا (^١) عليه، فكأنه أعان المقطع المذكور فى يوم سابع عشره على نفسه بما فعل من نزوله وقطع جوامك المماليك، ومع هذا كله فلم يتحرك فى الكون ساكن، ولم يقع فى هذه الأيام ما شوش عليه ولا كدره بوجه من الوجوه، فبالله ما أقبح وجه هؤلاء: أرباب التقويم وأكذبهم، والعجب فى ذلك أن الشخص يقول: أكذب مرة واحدة فى عمرى فيعد كذابا فى الدهر، ولا يقبل قوله فيما ينقله، وهؤلاء يكذبون فى الشهر المرة والمرتين، وهم على ذلك دوام الدهر، والناس يترددون إليهم ويسألونهم (^٢)، مع عرفانهم بعدم معرفتهم، وهذا أغرب من الأول». انتهى كلام الجمال المذكور.
*** وفى يوم الاثنين العشرين منه فرقت الجامكية على الصفة التى تقدمت (^٣) بحضور السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى نصره الله، نقد الناس وسيرهم وشرع يعطى كل أحد حقه وينزله منزلته، فإنه صار إذا رآى شخصا له معرفة بنوع من أنواع الفروسية وغيرها فيصفه بالوصف الحسن بحضرة العسكر وينصفه غاية الإنصاف، وإن كان الشخض بضد ذلك قطع جامكيته وترك كل شئ بحسب الحال، ويرسم له أن يكون طرخانا (^٤)، ويصير يأخذ ذلك على وجه البر والصدقة، فلم يعجب هذا الفعل أحدا (^٥) ممن قطع له
_________________
(١) فى الأصل «ساخط».
(٢) فى الأصل «ويسألوهم».
(٣) راجع ما سبق ص ٣٥ - ٣٦.
(٤) الطرخان هو الذى أعفى من وظيفته غير مغضوب عليه ولكنه مازال يأخذ جامكيته، انظر ابن إياس: بدائع الزهور، ص ٩ حاشية رقم ٦.
(٥) فى الأصل «أحد».
[ ٤٠ ]
بل نزلوا ساخطين (^١) واستمروا على هذا الأسلوب ما خلا أيام (^٢) السبت والأحد والثلاثاء والأربعاء والجمعة، إلى أن انتهت على خير وسلامة.
*** وفى هذه الأيام خلع على الأمير يشبك البجاسى (^٣) المعزول قبل تاريخه عن نيابة حلب وصار أحد الأمراء البطالين، واستقر فى نيابة حماة عوضا عن الناصرى محمد بن المبارك بحكم عزله.
وفى يوم الخميس ثالث عشره خلع على الأمير سودون الأفرم (^٤) الظاهرى أحد مقدمى الألوف، واستقر فى كشف التراب بالشرقية من الوجه البحرى من أسفل مصر.
وخلع على فقيه الترك ومحب الفقهاء ومكرمهم ومعظمهم ومبجلهم الأمير تمراز الشمسى (^٥) الأشرفى - أحد الأمراء الألوف أيضا - بكشف تراب الغربية بالوجه البحرى، وعين السلطان صحبته أميرين من أمراء العشرات ومائتى (^٦) مملوك إعانة له على إرداع المفسدين وقمعهم ودفعهم عن البلاد والعباد.
وخلع على الأمير بردبك المشطوب (^٧) - أحد الأمراء العشرات ورءوس النوب - واستقر فى كشف تراب البهنساوية (^٨).
وفى يوم الاثنين رابع عشريه خلع على الأمير يشبك الجمالى يوسف
_________________
(١) فى الأصل «ساخطون».
(٢) فى الأصل «يومى».
(٣) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ١٠٨٣.
(٤) السخاوى شرحه ٣/ ١٠٧٦.
(٥) راجع الضوء اللامع ٣/ ١٥٢.
(٦) فى الأصل «مائتين».
(٧) لم ترد كلمة «المشطوب» فى ترجمته بالسخاوى: الضوء اللامع ٣/ ٢٣، وإنما سماه «بردبك التاجى الأشرفى برسباى الأبرص».
(٨) قرية من صعيد مصر، راجع عنها ياقوت: معجم البلدان ١/ ٧٧١، والمقريزى: الخطط ١/ ١٠٣، ومادة «بهنسا» فى دائرة المعارف الإسلامية.
[ ٤١ ]
ابن كاتب حكم (^١) - أحد الأمراء العشرات وأمير الركب الأول فى هذه السنة - واستقر فى حسبة القاهرة عوضا عن الأمير قانصوه الأحمدى المشهور بالخسيف بحكم انتقاله إلى وظيفة شاد الشراب خاناه.
وشغرت الحسبة مدة طويلة، وباشر يشبك المذكور الوظيفة المذكورة، لم يكشف البلد بنفسه ولا مرة واحدة، ولا يعرف أحوال الرعايا والمسلمين إلا من أعوانه الذين فى خدمته، فصاروا أرباب أموال وأقمشة ودورو خيول وبغال وحمير، وهو ماسك البقرة وغيره يحلبها فإنه لا يتعاطى شيئا، لكن ما أحسن ما قال الشاعر:
ورابط الكلب العقور ببابه … فأصل ما بالناس من رابط الكلب
على أن قانصوه الأحمدى [الأشرفى إينال] المشهور بالخسيف الإينالى الذى هو الآن شاد الشراب خاناه لما استقر فى الحسبة قبله كشف البلد بنفسه مرة، وهذا (^٢) فى غاية الشماخة والترفع أن يقف على سوقى أو وزان أو بياع ويعتبر أوزانهم وسنجهم وحوانيتهم، وأمثال ذلك من الطبخ وغيره، بل تحضر أعوانه له بمن لا يعطونهم (^٣) المعلوم المعهود عندهم فيضربه ثلاث علفات: واحدة على مقاعده وأخرى على رجليه وأخرى على أكتافه، ويشهرونه (^٤) بلا طرطور (^٥) بل يكشفون رأسه، وهو الذى أحدث كشف الرأس، مع أن جماعة كثيرين ممن فعل بهم ذلك عميوا وطرشوا، فإن الواحد يكون ضعيف البصر أو به نزلة فيكشفون رأسه ويدورون به القاهرة فلا يرجع إلا بضرأ وأمثال ذلك.
وأما أحكامه فبالبخت والنصيب؛ وأما أخلاقه ففى غاية الشراسة، حتى
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ١١/ ٢٦٨.
(٢) يقصد بذلك الأمير يشبك الجمالى ابن كاتب جكم.
(٣) فى الأصل «يعطوهم».
(٤) فى الأصل «فيشهروه».
(٥) الطرطور كما عرفه دوزى قلنسوة عالية كانت من زى يدو مصر فى القرن الخامس الهجرى، ثم ابتذلت ووضعت على رأس المجرمين أو العدو المغلوب.
[ ٤٢ ]
إنه يغضب على من قرّبه وجعله أميرا ويستمر على ذلك الأشهر بل الأعوام، هذا مع دينه المتين ومحافظته على الصلاة والصيام، ولكن عنده تعصب على الأمر الظاهر الجلى القطعى، وعرف غالب الفضلاء من أرباب المذاهب وغيرهم ذلك منه، والله تعالى يعامله بعدله سريعا.