أوله الأربعاء ويوافقه من الشهور القبطيّة أول سنتها الذى هوتوت (^٢)
فيه صعد قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وانصرفوا.
وفى أمسه أضاف (^٣) المقر الزينى أبو بكر بن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط (^٤) عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها والدوادار الكبير عظم الله شأنه، وكان فى خدمته الأمير تمر (^٥) المحمودى الظاهرى حاجب الحجاب وعدة من الأمراء
_________________
(١) فى الأصل «تلطخوا».
(٢) يستفاد من التوفيقات الإلهامية، جدول سنة ٨٧٥، ص ٤٣٨، أن أول هذا الشهر العربى كان خامس أيام النسئ القبطى أى أن أول توت سنة ١١٨٧ هو يوم الأربعاء الثانى من ربيع الأول.
(٣) أى استضاف.
(٤) راجع الضوء ١١/ ١١٠.
(٥) راجع الضوء ٣/ ١٧١.
[ ٢٠٩ ]
الطبلخانات والعشرات، وصنع له أشياء تليق بمقامه: من كل شئ أطيبه وأفخره وأحسنه، وحضر فى خدمته القاضى كمال الدين ناظر الجيش وأخوه (^١) ولعبوا الكنجفاه فغلبوا أربعمائة دينار للمقر الأشرف المذكور وانصرفوا على خير وسلامة.
يوم الخميس ثانيه رسم السلطان بتوسيط إنسان يسمى ابن الزردكاش سرق سرجا فضة وغير ذلك للأتراك، وتكرّر منه ذلك بعد عرضه على السلطان وحلمه عليه عتقه وحلفه له أنه متى عاد وسطه، فعاد، فرسم بتوسيطه فوسّط فى باب النصر وشنق بإزائه شخص خياط كان يعاونه على الحرام والفساد ويفصّل ويغير ويخيط له جميع ما يسرقه ويبيعه له، فجوزيا بذلك.
ووسّط فى هذا اليوم اثنان من المفسدين بباب مصر القديمة وعلّقا لعل يرتدع المفسدون ويرجعون عن الأذى والسرقة وقتل النفس، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ووصل الخبر بوفاة الأمير فارس السيفى دولات باى الزردكاش من دمشق فى يوم الخميس ثانيه، وكان فى بداية أمره دوادارا فى خدمة أستاذه المذكور مقربا عنده، وحصّل فى أيامه - وهو دوادار - أموالا جمة وبنى دورا ومساكن عظيمة البناء، واشترى ضيعا ورزقا وصار يعدّ من المتموّلين، وتزوج يزوجة أستاذه أم ولده عمر المشهور الآن، وعندما تقدم عند مولانا السلطان - نصره الله وأدام ملكه - وصار من الأعيان وأنعم عليه بوظيفة الزرد كاشية ثم حصلت له الوفاة. ولو لم يكن من محاسنه إلاّ ما فعله فى عبيد صبى ابن الطيارى، ثم أخبرت أن وفاته فى ثانى عشر الشهر المذكور بالمصطبة التى هى خارج البلد، ووجد صحبته خمسة آلاف دينار ولبوس وغير ذلك. والله الولى والمالك.
_________________
(١) فى الأصل «وأخيه».
[ ٢١٠ ]
وفى يوم السبت سادسه توفى الخواجا شمس الدين محمد بن كرسون (^١) التاجر فى الكارم، وخلف ولدا وبنتا وأخا وزوجة ومالا كبيرا، واختلف الناس فى أمره، فمن قائل إن السلطان ختم على الموجود، ومن قائل إن السلطان لم يتعرض له، ولكن ناظر الخاص لا بد له من شئ فإنه يتعلل على ورثته بأن فى جهته مالا من جهة المكوس والله أعلم. ويحكى عن هذا التاجر المذكور أنه كان يخرج الزكاة فى موضعها، وكان يحسن للشيخ كمال الدين - بن إمام الكاملية الذى توفى فى سنة أربع وسبعين وثمانى مائة بطريق الحجاز - فى كل سنة بمائة وخمسين دينارا، ويرسل له فى الختم كل سنة ألفا وخمسمائة رغيف ووعده أن يبتاع له ملكا للسكن بخمسمائة دينار، ويوقفه على الشيخ وأولاده فلم يتفق ذلك، والله الولى والمالك.
ووصل الخبر من دمشق بوفاة إبراهيم (^٢) بن الجندى المطرب الذى كان ريس دكة، وكان له فى الفن إدراك، وكان سافر صحبة فارس الزردكاش فمات بالشام، وعينت وظيفة الزردكاشية لجانم (^٣) مملوك الأمير جانبك (^٤) الجداوى الدوادار الكبير.
*** ولم يزد البحر شيئا فى سابع توت القبطى الموافق لسابع ربيع الأول فإنهم كسروا سد الأمبوبة ونقص منه، والأمر لله تعالى يتصرف فى عباده بما يريد.
وفيه - أو الذى بعده - وصل الأمير خير بك الذى انتهى أمره إلى أن صار دوادارا كبيرا فى دولة الظاهر تمربغا من ثغر سكندرية ونزل فى بيت
_________________
(١) كرسون هو محمد بن عبد الغنى بن محمد، راجع عنه الضوء اللامع ٨/ ١٠٨.
(٢) الوارد فى الضوء، ج ١ ص ١٨٤ «ابراهيم بن الجندى أحد مؤذنى الركاب وهو بالمفتى أشهر» ولعلها المغنى، ويتفق السخاوى والصيرفى فى مكان وفاته وسنتها.
(٣) الضوء اللامع ٣/ ٢٥٩ وإن لم يذكر تعيينه لوظيفة الزرد كاشية.
(٤) ترجم له السخاوى، شرحه ٣/ ١٣٥ تحت اسم «جانبك الظاهرى جقمق الجركسى»
[ ٢١١ ]
صهره المقر الكمالى ناظر الجيش ببولاق، فإنه زوج أخته، وقيل: إنه وزن عشرين ألف دينار حتى خلص من السجن، وصار المحتسب فى خدمته يجهّز له يركه ويرقه (^١) ليتوجه إلى مكة المشرفة، وهو الذى شفع فيه هو وناظر الجيش أخو زوجته.
وفيه وصل الأمير الكبير أزبك من ططخ - عظم الله شأنه - من البحيرة وصحبته الأمراء المقدمون وغيرهم والخاصكية والمماليك السلطانية، فخلع عليه بعد ما تمثّل بين يدى السلطان - نصره الله - وعلى من ذكر بحسب مقامهم ونزلوا إلى دورهم، وهرع الأكابر والأصاغر للسلام عليهم.
وحدث (^٢) قبل هذا بأيام وصول أخبار قبيحة عن شاه سوار - خذله الله - أنه نهب وقتل وقاتل ووصل إلى قريب حلب ورجع على عادته، فحصل من ذلك نكد فى المملكة.
وكان السلطان - نصره الله - عزم فى يوم الجمعة الذى هو العاشر أن يتوجه إلى خليج الزعفران ويقيم به ثلاثة أيام للتفرج والتنزه، وجهز له المقر الأشرف الكريم العالى أمير دوادار كبير - دامت سعادته - يشبك من مهدى من الأغنام المعاليف عشرين معلوفا، سعر سبعة دنانير الواحد، ومن البدارى خمسون بدريا، ومن الحلوى ثمانية قناطير، ومن السكر ستة قناطير، ومن الأرز والدجاج المعلوف ما قيمته مائة دينار وغير ذلك؛ وجهز المباشرون تقادمهم من سكر وحلوى وفاكهة وأوز ودجاج وغنم معاليف، وجهز أيضا المقر الزينى أبو بكر بن المقر المرحوم الزبنى عبد الباسط عشرين معلوفا وفاكهة وحلوى وسكرا.
_________________
(١) البرق، بالباء «فارسى معرب بمعنى «الحمل»، انظر الجواليقى: المعرب من الكلام الأعجمى، ص ٤٥.
(٢) فى الأصل «وصل».
[ ٢١٢ ]
فاقتضى الحال أن السلطان ركب يوم الجمعة بكرة النهار فسيّر ورجع إلى القلعة وبطّل الفرحة، والأمر لله تعالى يفعل ما يشاء ويختار.
يوم الأحد ثانى عشره الموافق لثانى عشر توت القبطى عمل المولد السلطانى بالحوش على العادة فحضره القضاة الأربعة والمقدمون الألوف بتمامهم وكمالهم لم يتأخر منهم سوى يشبك جن فى البحيرة، وحضر نائب الشام برقوق وجلس رأس الميسرة ومدّ السماط على العادة فكان أمرا عظيما، وتوجه القضاة بعد المغرب واستمر (^١) الأمراء المقدمون إلى أن انتهى الوعاظ على العادة.
يوم الاثنين ثالث عشره ركب المقر الأشرف الكريم العالى الزينى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين، وعوفى من توعكه وصعد للسلطان نصره الله، فقبّل يده، فخلع عليه كاملية سمور بمقلب سمور عظيمة، وأراد المقر الأشرف الكريم العالى عظيم الدنيا الدوادار الكبير - عز نصره - الركوب معه فما مكنه من ذلك، وركب معه قضاة القضاة الثلاثة - خلا المالكى - وناظر الجيش وناظر الخاص، ثم توجهوا له بعد ذلك، وزين له البلد وفرحوا بعافيته وسلامته، وكذا الدعاء له من كل أحد، وأثنوا عليه بالجميل واستمروا فى خدمته إلى منزله، وسيما كاتبه ومؤلفه، فإنه غريق فضله ونعمته، وأنشد لسان حالى فى ذلك:
كلّ من فى حماك يهواك لكن … أنا وحدى بكل من فى حماكا
وتوجه السلطان إلى المطرية وأعمالها وخليج الزعفران، فأقام به من يوم الثلاثاء رابع عشره إلى يوم الجمعة باكر النهار سابع عشره، فصعد القلعة وصلى الجمعة بها بعد أن ذبحت له الذبائح من الأبقار المسمنة والأغنام المعاليف، والحلوى
_________________
(١) فى الأصل «استمروا» «انتهوا».
[ ٢١٣ ]
والسكر والفواكه حتى من جملة ما صرفه عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله ألف دينار، وقس على هذا المباشرين بأجمعهم غير أن شخصا مسجونا بسجن الجرائم مشهورا بالأذى والنحس كان قبض عليه من مدة فهرب من السجن ثم حصّل فرسم السلطان بكحل عينيه فكحل.
وفى هذه الأيام غضب عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ودوادارها الكبير وما مع ذلك - عظم الله شأنه - على الزينى قاسم المتكلم عنه فى الوزارة وعلى مباشرى الدولة، وطلب منهم مائة ألف دينار، فآل الأمر إلى عشرة آلاف دينار من قاسم المذكور ومن مباشرى الدولة كذلك، ثم إن قاسما امتنع من وزن العشرة وقال ما يقدر إلا على خمسة فرسم عليه. وسبب هذه الحكاية أن خشقدم [الظاهرى جقمق] لالا الملك المنصور عثمان - هو الآن شاد السواقى - تخاصم هو وصهره قاسم الوزير الذى يحمل الغلال وشكاه للأمير الدوادار الكبير، وذكر له عنه أنه يصرف الأردب إثنين وعشرين ربعا ويقبضه خمسا وعشرين ربعا، فسأله عن ذلك فقال: «الفرط نحسبوه للديوان»، فغضب من ذلك وضربه مقارع وعصيّا وأودعه الخشب، وسألوه فى أمره بألف دينار فامتنع، وكذا بركات ابن كاتب الطواحين الذى هو مستوفى الدولة ضرب بالمقارع والعصىّ لأنه ما كتب للدوادار حساب الدولة فاتفق ذلك، والله الولى والمالك.
وفى يوم السبت ثامن عشره خلع على يشبك من حيدر والى القاهرة كاملية سمور بمقلب سمّور سببها أن السلطان كان غضب عليه بسبب البدوى الذى هرب من المقشرة ورسم بكحله وقتله.
يوم الاثنين العشرين منه خلع على قاصد ابن قرمان سلاّريا مفريّا بسمور وفوقانيا بطراز زركش، وجهز معه هدية لمرسله.
[ ٢١٤ ]
ووصل الخبر من القدس الشريف بوفاة الأمير تانى بك المحمدى وزوجته عتيقة قاضى القضاة ولى الدين الصفطى: جدة سيدى عبد البر ابن قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة لأمه فى سابع عشر شهر تاريخه، لكن زوجته توفيت قبله بثمانية أيام، وكان المذكور - أعنى تانى بك - من مماليك الأشرف برسباى واستقر خاصكيا فى دولة الظاهر جقمق ثم صار معلم المماليك فى الرمح أعنى فى المماليك والجوارى والحرير وغير ذلك فى دولة الظاهر خشقدم، وكان له به صحبة فرقاّه إلى أن عمله رأس نوبة ثانيا، ثم استقر به أمير مائة مقدّم ألف، وراج أمره عنده وصار من المقرّبين عنده، واستمر على تقدمته إلى أن تغيّرت دولة تمربغا وتوجه أمير الحاج ورجع إلى العقبة فرسم بنفيه إلى القدس. وكان عفا الله عنه يظلم نفسه كثيرا لانهما كه فى الملذات، ولم تعرف له فروسية ولا معروف، وخلف موجودا تافها بالنسبة إلى غيره من الأمراء الألوف.
وتوجّه السلطان - نصره الله - يوم الاربعاء ثانى عشرى شهر تاريخه باكر النهار إلى طرى، فأقام بها يومين وصعد القلعة يوم الجمعة لأجل خدمة الصلاة، وكان صحبته المقر الأشرف العالى الأتابكى أزبك من ططخ أمير كبير، وجهز لخدمته المباشرون أشياء من كل صنف على العادة.
يوم السبت خامس عشريه نودى على البحر بزيادة إصبعين من النّقص فصار البحر الآن فى عشرين إصبعا من سبعة عشر ذراعا، واستمر يزيد بعد ذلك الإصبع والإصبعين فى كل يوم.
واتفقت حادثة غريبة هى أن رجلا من الحجارين بالجبل أخذ زوجته وتوجه بها إلى الجبل فذبحها فى عدة مواضع من رقبتها وضربها بالسيف فى عدة مواضع، فحملت إلى المدينة وهرب الزوج ولم يعلم له خبر وماتت وذهب دمها هدرا.
وعند الله يجتمع الخصوم.
[ ٢١٥ ]
وسجن السلطان شخصا من مماليكه بعد ضربه بالبرج، وسبب ذلك أنه أساء على الوالى ولكمه، وغضب السلطان - فى يوم تاريخه - الذى (^١) هو التاسع والعشرون من تاريخه، وطلبه من بيت ابن غريب الأستادار فجهزوا به مكتّفا ماشيا، ومباشرو (^٢) الدولة كبارهم مجنزرين فى الحديد، والحال أنهم فى أمر مهول وخطب جسيم، وقرروا عليه ثمانية عشر ألف دينار، فقال: «ما معى إلا روحى». فلما طلبه على هذه الهيئة توجه لبيت سيدنا وسندنا ومولانا زهرة الوجود وعمدة المسلمين ورئيس الدنيا المقر الأشرف الأعظم ابن مزهر كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين، فركب ابن مزهر وتوجه إلى عظيم الدنيا الدوادار الكبير دامت سعادته، وأطلقه من الحديد، وانفصل الأمر على محاسبته قاسما المذكور فحاسبه موسى بن غريب فأثبت من جهته خمسين ألف دينار، وصار ابن غريب المذكور يباشر الأستادارية والوزارة عوضا عن قاسم.