أهل بيوم الأحد الموافق له من شهور القبط العشرين من طوبة والناس فى أمر مدلج من غلو الأسعار وبوادر الطعن ببيوت بعض الناس بالقاهرة غير أنه قليل، ونسأل الله السلامة والعفو والعافية فى النفس والأهل والمال والولد.
وفى هذا اليوم وصل المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى أزبك من ططخ من البحيرة بعد أن أصلح أحوالها ووطن أهلها وأردع المفسدين وأجلاهم
_________________
(١) فى الاصل «واجتمعوا عليه خجداشيته فأشاعوا السخيفين العقول».
(٢) كلمة فارسية الأصل «خواجه تاش». والخجداش أو الخشداش مملوك يكون مرافقا لآخر مثله، ويكونان ومن معهما فى خدمة أمير كبير.
[ ٥٠ ]
عن القرى والمدن فحسنت الحال وصعد القلعة بعد عصر يومه المذكور فقبّل الأرض وبات بالقصر الأبلق على العادة لأجل الخدمة والموكب، وأصبح يوم الاثنين فحضر الموكب وعيّنه السلطان مقدم العساكر المنصورة المجردين لقتال شاه سوار، فتوقف واعتذر بقلة الموجود وعدّد ما ذهب له من الخيول والقماش والمتاع فى وقعة شاه سوار المقدم ذكرها فلم يقبل منه، ووعد بكل جميل فى الحال والمال، ولا زال به السلطان حتى أذعن للسفر، والله المستعان.
ومع هذا الأمر الذى السلطان - نصره الله - فيه من الاهتمام بأمر الإسلام والمسلمين وقيامه بنصرتهم لدفع هذا العدو المخذول إن شاء الله عن البلاد والعباد والمسافرين والقاطنين، فالناس يلهجون بوقوع فتنة من غير تصريح بركوب أحد بعينه، كما هى عادة فشار العوام.
*** وفيه قدم قاصد الأمير حسن بك بن على بك بن قرايلك صاحب ديار بكر وما معها، فصعد بين يدى المواقف الشريفة شرفها الله وعظمها، وقبل الأرض وقدم هدية مرسله، فكانت من الجمال البخاتى (^١) خمسة ومن المماليك اثنين، ومن السلاح زردية (^٢) وعدة مفاتيح لعدة قلاع استولى عليها من ممالك أذربيجان (^٣) وتبريز من ممالك جهان شاه بن قرا يوسف، وكتاب مرسله
_________________
(١) الجمال البخاتى نوع من الجمال عربى الأم فالج الأب وهى ذات سنامين ولها رقاب طويلة، انظر Dozy:op.cit.I،١٥٦ وعرفها تاج العروس ١/ ٥٢٥ بأنها الإبل الخراسانية الناتجة من بين عربية وفالج دخيل.
(٢) السلاح زردية وتعرف فى هذا العصر بالزردخاناه وهى مكان السلاح؛ والأصل فيها فارسى. والزردخاناه فيها «جميع أنواع السلاح» التى عددها القلقشندى فى صبح الأعشى ٤/ ١١ - ١٢، وما يكون خاصا منها بالثغور. والذى يقصده المؤلف هنا هو أنه أرسل جماعة من صناع الأسلحة.
(٣) راجع الفصل المطول الذى كنبه لى سترانج: بلدان الخلافة الشرقية، ص ١٩٣ وما بعدها عن أذربيجان وتبريز، انظر أيضا مراصد الاطلاع ١/ ٤٧، ٢٥٢.
[ ٥١ ]
مضمونه التواضع والدعاء لمولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى، ومحصل الكتاب أنه من جملة المماليك السلطانية، وأن كل ما يملكه من البلاد والقلاع إنما هو زيادة فى ممالك السلطان نصره الله وأنه نائبه فيهم، ويسأل الصدقات الشريفة فى إرسال خلعة له يتشرف بها من السلطان؛ فأجيب سؤاله وأكرم قاصده وأجرى عليه من الرواتب ما يليق به.
*** وفى يوم الخميس خامسه ضبط من ورد أسمه ديوان المواريث إلى خمسة وأربعين نفرا، وهذا يسميه (^١) المباشرون «التعريف» فى اصطلاحهم.
*** وفى يوم الاثنين تاسعه أضاف (^٢) السلطان قاصد حسن بك بن قرايلك المذكور بالحوش السلطانى من قلعة الجبل ضيافة هائلة ملوكية، وبعد إنهاء السماط والمشروب خلع السلطان عليه كاملية بمقلب سمور وفوقانيا بطراز زركش عريض، وخلع على ولده كاملية عظيمة، وأنعم عليه بألف وخمسمائة دينار وأشياء غير ذلك، وأمره بالسفر فى يوم الخميس مكرما مبجلا بعد أن جمع له أشياء نفيسة وجهزها صحبته: من خلع وهدايا هائلة لمرسله حسن بك.
وأرسل إليه عظيم الدنيا ومشيرها ومدبرها ووزيرها ودوادارها الكبير وصاحب حلها وعقدها الأمير يشبك من مهدى - أعز الله أنصاره - هدية عظيمة، وأضافة ضيافة هائلة، وأنعم عليه بخمسمائة دينار وعدة خيول وقماش وسلاح.
وحصل لقاصد (^٣) حسن من السلطان لما وادعه (^٤) جبر كبير، فإنه
_________________
(١) فى الأصل «يسموه».
(٢) أى «استضاف».
(٣) فى الأصل «القاصد».
(٤) أى «ودعه».
[ ٥٢ ]
لما وادعه خاطبه بكلام فيه تعظيم لحسن المذكور وتحسن ملاطفة، وأفهمه أنه يحبه وأنه عضده. وحكى لى ذلك كله من لفظه، وسافر القاصد المذكور من القاهرة فى يوم الخميس ثانى عشره.
وفيه نودى بالقاهرة وشوارعها بالنفقة للمماليك السلطانية المجردين لقتال شاه سوار صحبة مقدم العساكر الأتابك أزبك - عز نصره - فى يوم السبت رابع عشره.
*** وفى ليلة السبت المذكور الذى هو رابع عشره خسف جميع جرم القمر، وكان ابتداء الخسوف بعد الغروب بعشرين درجة وربع درجة، ثم أخذ فى الانحلال إلى ستين درجة ودقائق.
وفى يوم هذا السبت المذكور فرقت النفقة على المماليك السلطانية المجردين لقتال شاه سوار بحضرته (^١) وكذلك فى يوم الثلاثاء سابع عشره، وعين السلطان أيضا من المماليك السلطانية عدة يتوجهون فى البحر الملح فى عدة من المراكب موسوقة بالغلال وعليهم بعض الأمراء ليتوجهوا بذلك إلى ساحل بلاد التركية، تقومة للعساكر المجردين لقتال شاه سوار فى البر لعظم الغلاء فى البلاد الشامية.
وفى هذه الأيام وصلت الأخبار من البلاد الشامية بعظم الغلاء، وذكروا أن الغرارة القمح وصلت بدمشق إلى عشرين دينارا، والشعير بأكثر من عشرة دنانير الغرارة، ووصل عدة من يموت بالقاهرة المحروسة من التعريف من المواريث الحشرية فى يوم الأربعاء ثامن عشره إلى واحد (^٢) وستين نفرا،
_________________
(١) أى بحضرة السلطان قايتباى.
(٢) فى الأصل «إحدى».
[ ٥٣ ]
ثم وصل فى يوم الجمعة العشرين منه إلى مائة نفر، وفى ضبط أهل الديوان نظر فإن المائة التى ذكروها عن القاهرة كلها جاء عدة من يموت وصلى عليه بباب (^١) النصر أكثر من خمسين نفرا، فما بالك ببقية المصلاة التى بالقاهرة فإن عدتها (^٢) سبع عشرة مصلاة، وبهذا المقتضى لا نعتمد على ضبطهم.
وفى الثلاثاء رابع عشره أنفق السلطان للمماليك المجردين لقتال شاه سوار جامكية أربعة (^٣) شهور لكل نفر وكسوة سنة.
*** وفى هذا اليوم والذى قبله أمر السلطان - نصره الله - القاضى شرف الدين بالتوجه إلى البلاد الشامية لينفق فى العساكر ويخدم (^٤) المشاة والقواسة ليضافوا للعسكر المصرى المتوجه لقتال شاه سوار؛ هذا والأخبار ترد فى كل قليل بأن شاه سوار - عليه اللعنة - فى أقبح حال من اختلاف عساكره ومن عظم ما عنده من الغلاء والقحط والموت فى مواشية، فزاده الله من البلا، وأوقع به البلاء قريبا عاجلا.
*** وفى يوم الثلاثاء فرّق السلطان الجمال على المماليك السلطانية المجردين لشاه سوار لكل مملوك جمل، وحصل فى تفرقة الجمال فى هذا اليوم أمر مهول وحادث غريب هو أن الجمال لما دخلت من الميدان الذى من جهة باب القرافة وازدحم بعضها على بعض مات منها أكثر من مائتين وأربعين جملا فى ساعة،
_________________
(١) باب النصر هو أحد أبواب القاهرة المعزية، انظر المقريزى: الخطط ١/ ٣٨٠.
(٢) فى الأصل «عدتهم سبعة عشر».
(٣) فى الأصل «أربع».
(٤) يخدم هنا بمعنى «يستخدم».
[ ٥٤ ]
وما كفى (^١) منها إلا حملها ورميها فى الصحارى.
وفى الخميس سادس عشريه الموافق له من الشهور القبطية خامس (^٢) عشر أمشير نقلت الشمس إلى برج الحوت، وضبط اسم من يموت بالتعريف بالمواريت الحشرية من الأموات فبلغت مائة نفر وسبعة أنفار، وقد قدمنا أنه لا عبرة بضبط التعريف.
وفى هذا اليوم أخذ الطاعون فى الزيادة حسبما نذكره بعد ذلك بما ضبط من الأموات بمصلى باب النصر، فإنها أكثر واردا من جميع المصلات.
وفى يوم السبت ثامن عشريه سافر المقر الأشرفى الأنصارى لما ندبه له السلطان من النفقة على العساكر الشامية، واستخدم المشاة والقواسة والتراكمين وغيرهم صحبة العسكر المنصور المصرى، وتوجه معه جماعة من الأعيان، وصحبته مال كبير يقال إنه مائة ألف دينار من الخزانة الشريفة خارجا عما يأخذه من البلاد الشامية والقلاع والتعلقات (^٣) السلطانية، منحه (^٤) الله السلامة، فى السفر والإقامة.