أهلّ بيوم الخميس (^٢) لأن شعبان جاء ناقصا.
فيه توجه قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وأقبل عليهم، وكذا تكلم مع قاضى الحنفية ولم يعاتبه بشئ أصلا مع أنهم كانوا فى أمسه توجهوا للمنصورية (^٣) بسبب الرؤية للهلال، ولم يحضر المحتسب معهم، لكن حضر أحد خجداشيته من مماليك المقر الجمالى ناظر الخواص الشريفة، وثبت على القاضى زين الدين الأبشيهى بشهادة أحد نواب الحكم الشافعى وكتبوا بذلك للسلطان (^٤)، والله المستعان.
يوم الجمعة ثانيه نودى بالقاهرة أن المماليك السلطانية يصعدون غد تاريخه ليقبضوا النفقة برسم التوجه لقتال شاه سوار، وأن يقبضوا الكسوة، ورسم للقاضى علم الدين أبى الفضل بن جلود بالنفقة وصرّها قبل أن يعلم أحد بذلك.
وفيه جهّز للمقر الأشرف الكريم العالى - المولوى السيفى
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ٤/ ٧١٥.
(٢) يطابق هذا ما جاء فى التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٨، ويوافقه ٢٧ أمشير ١١٨٦، ٢١ فبراير سنة ١٤٧١.
(٣) يقصد بها جامع ابن طولون.
(٤) انظر السخاوى: الضوء اللامع ج ١١ ص ٧٥ - ٧٦.
[ ٢٥٤ ]
عظيم الدنيا يشبك من مهدى الدوادار كبير وصاحب الحل والعقد ومشير الدنيا ومدبرها - من فائض الدولة الشريفة بمائة ألف دينار، وصعد بها دواداره قانصوه الشكل الحسن، فخلع عليه السلطان كاملية سمور بمقلب سمور وفوقانيا بطراز زركش، وأنعم عليه بخمسمائة دينار وبتركاش فضة وقوس حلقة خاص، وعاد إلى دار أستاذه فى مهابة عظيمة وحشمة زائدة.
ولما كان يوم السبت ثالثه صعد المماليك السلطانية لقبض كسوتهم، فحين حضر واحد منهم وقبض الكسوة أعطى نفقة السفر فسقط فى يده، ولم يسع من حضر إلا السمع والطاعة، وأصبحوا كذلك فى قبض الكسوة والنفقة.
واتفق فى هذه النفقة أمور غريبة منها أن تغرى بردى المحيى بن الشحنة طلع فقبض كسوته أسوة بالمماليك السلطانية فلم يعطوه نفقة شاه سوار لأنه ما كتب، وخرج من الحلقة، ثم عاد وسأل فى السفر إلى شاه سوار وقبض النفقة فردّ فألح، فطلب له السلطان قوسا فلم يقدر على جبذه واستعيدت منه الكسوة، ومسح اسمه من الديوان، فانظر لهذا الصنيع القبيح.
ومنها أن شخصا من المماليك السلطانية قبض نفقة شاه سوار وكسوته فسقطت منه ورجع إلى السلطان وأخبره بذلك ليعطيه عوضها فزجره وهدده ولم يصدقه على ذلك فعاد مكسورا، فقدّر الله أن وجد الصرة شخص من الجند، وبلغته قصة المملوك الذى سقطت منه فسأل عن بيته وأعلمه بأنه وجد النفقة، فلم يرض بأخذها منه وقال له: «أصعد أنا وأنت لخدمة السلطان لتعلمه بما وقع!»، فأصبحوا وأعلموا السلطان بالقضية فأنعم على المملوك الذى وجد الصرة بها، وأبطل الذى ضاعت منه من السفر إلى قتال شاه سوار.
ومنها أن شخصا من المماليك الظاهرية خشقدم وقف للسلطان يسأله فى إبطاله من سفر شاه سوار، واعتذر بأن عينيه فى غاية الألم وحصل عليهما حرقة
[ ٢٥٥ ]
زرقاء فطلبه السلطان لبين يديه وأمره بفتح عينيه، فعلم السلطان أنها حيلة ورمى النفقة ومشى خطوات، فأمر السلطان بضربه فضرب ضربا مبرحا أشفى منه على التلف، ورسم لنقيب الجيش بنفيه إلى طرسوس، فأخرجوه إلى الجامع، ثم إن الأمراء تدخلوا على السلطان بسببه فطلبه وأهانه وأعاد له النفقة ورسم بالسفر، وما حصل على طايل ولا نايل.
انتهت الأمور الغريبة.
وأما إشاعة عزل قاضى الحنفية فبطلت، والسبب فى إبطالها رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى حفظه الله على المسلمين، فإنهم - أعنى بيت الشحنة - تراموا عليه فضمن لهم ذلك، وقال: «الضامن مبلى» وكان كذلك، وبطل ما قالوه.
وانتهت الكسوة ونفقة المماليك المتوجهين لقتال شاه سوار يوم الاثنين خامس شهر رمضان.
وتقدم فى يوم الجمعة ثانيه أن البرهان البقاعى (^١) عمل ميعادا بالجامع الظاهرى بيبرس البندقدارى خارج القاهرة بالحسينية على عادته بعد العصر، فحضر جماعة إليه قصدا من معتقدى سيدى الشيخ عمر بن الفارض نفع الله به وأساؤا عليه على ما بلغنى، فشكاهم لقصروه الحاجب فطلبهم ورسم عليهم، ثم إن البقاعى طلب جماعة من جهته وأوقفهم فى عدة مواضع ومفارق ومخارص من الطرقات،
_________________
(١) نسبة إلى البقاع العزيزى من عمل الشام كما ذكر السخاوى فى الضوء اللامع ج ١١ ص ١٩١، وضبطها بضم الباء، وإن وردت بكسرها فى كل من مراصد الاطلاع ١/ ٢١١، Dussaud:Topographie Historique de La Syrie.PP .٨٩٣،٤٠٤. وياقوت: معجم البلدان، انظر عن البقاعى السخاوى: شرحه ج ١ ص ١٠١ - ١١١، والسيوطى: نظم العقيان، ص ٢٤، وابن العماد الحنبلى: شذرات الذهب ٧/ ٣٣٩ - ٣٤٠.
[ ٢٥٦ ]
وبأيديهم العصى والخشب، وقرر معهم إذا مروا عليهم فيضربونهم وينكلون بهم؛ فبلغ ذلك رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف عظم الله شأنه [فأرسل] إليهم بدواداره بركات فأطلقوهم، وتكاثرت الأدعية له - حفظه الله تعالى على المسلمين.
ثم فى يوم السبت ثالثه أصبح البقاعى على ما أمسى وشكى خصومه لبيت الأمير تمر حاجب الحجاب وأعلمه بما أراد، فاجتمع الجم الغفير والخلائق أفواجا، وحضر من العلماء والفضلاء جماعات منهم الشيخ بدر الدين بن القطان (^١) والشيخ تاج الدين بن شرف والشيخ الخطيب الوزيرى (^٢) وبرزوا للبقاعى وطلبوه، فحضر بين يدى الأمير المذكور وأراد الطلوع من المقعد فما مكنه خصومه ووقف من تحت المقعد، وجلس المشايخ المذكورون وادعى على جماعة فيهم شخص شريف حضروا إليه إلى مسجده ليقتلوه بطبر، فقال له الشيخ بدر الدّين ابن القطان: «لا تقل مسجدى فإن المساجد لله»، وترضوا عن الشيخ عمر بن الفارض ولعنوا وكفروا من يكفره وحصل له بهدلة ما توصف، وانفصلوا على غير طائل، ولم يحصل للبقاعى مقصوده ولا غرضه فإنه مخمول سيما أنه يتعرض لجناب سيدى الأستاذ العارف بالله عمر بن الفارض ﵁.
يوم الاربعاء سابعه صعد قضاة القضاة لقراءة البخارى على العادة فى كل سنة بالقصر السلطانى من قلعة الجبل، ولم يحضر إليهم السلطان، وهذا جريا على العادة فإنه من حين قرئ البخارى وإلى تاريخه ما حضر مجلسهم.
وفيه توفى الشيخ شهاب (^٣)، الدين أحمد بن محمد بن على شاعر الوقت
_________________
(١) السخاوى: شرحه، ٩/ ٦٠٠.
(٢) السخاوى: شرحه، ٥/ ٤٠٣.
(٣) السخاوى: شرحه، ٢/ ٤١٦، السيوطى: نظم العقيان، ص ٦٣ - ٦٤، الحنبلى: شذرات الذهب ٣/ ٣١٩ هذا وسبكرر المؤلف ترجمته مرة أخرى بما يقرب من هذه فيمن مات فى هذه السنة، ورقة ١١٥ ا - ب.
[ ٢٥٧ ]
أبو الطيب الأنصارى الشافعى المقرئ المعروف والمشهور بالحجازى. مولده كما أخبرنا به فى شعبان سنة تسعين بالقاهرة، ونشأ بها فحفظ القرآن وكتبا، وسمع الحديث على الزين (^١) العراقى والهيثمى (^٢) وابن أبى المجد (^٣) والتنوخى والمنجا إسمعيل الحنفى وآخرين، واشتغل فى الفقه وأصوله وأنقن العربية، وأخذ عن الولى (^٤) العراقى والشمس (^٥) البرماوى وجماعة بعدهما وقبلهما، وجوّد القرآن فمهر وصار أحد أعيان قراء الجوق، وكذا جود الخط الحسن وكتب به الكثير، وتعانى الأدب حتى صار له سجية وطار صيته به بحيث وصفه شيخى شيخ مشايخ الإسلام ابن حجر حافظ العصر ﵀: «بالعلامة فخر المدرسين، عمدة البلغاء» وناهيك بهذا الوصف من مثله. وقرأ مقامات الحريرى وأقرأها وعلق عليها شرحا، وطارح الأدباء ومدح الأكابر، وجمع المجاميع الحسنة وألف وصنّف وزادت تذكرته على خمسين مجلدة فيها فوائد كثيرة، وسار نظمه ونثره فطبق الآفاق وحج إلى بيت الله الحرام، ودخل إلى دمياط واسكندرية وغيرهما للنزهة وحدث، وسمع منه الفضلاء، وأقبل بآخره على كتابة الحديث والأساتيد والمتون والسؤال ممن يعتقد بقدمه ومعرفته بهذا الفن فيما أشكل عليه، ونعم الرجل تواضعا وتوددا لأصحابه وحرصا على زيارتهم واستجلاب مودتهم ورغبتهم فى صحبته فى الفائدة؛ وذلك مع صحة المصاحبة وصفاء الخاطر وخفة الروح وحلاوة المذاكرة والمحاسن الجمة. تعلل ومات مبطونا شهيدا فى
_________________
(١) راجع عنه إنباء الغمرلان حجر العسقلانى، وفيات سنة ٨٠٥ هـ، وابن العماد الحنبلى: شذرات الذهب ٧/ ٥٥ - ٥٦.
(٢) شذرات الذهب، ٧/ ٧٠.
(٣) ابن حجر: إنباء الغمر وفيات سنة ٨٠٤، الشذرات ٧/ ٤٢ - ٤٣.
(٤) انظر السخاوى: الضوء اللامع ج ١ ص ٣٣٦ - ٣٤٤.
(٥) نسبة إلى برمامن نواحى الغريبة بمصر، واسمه محمد بن عبد الدائم بن موسى، مات بالقدس سنة ٨٣١ هـ.
[ ٢٥٨ ]
يوم الاربعاء سابع رمضان سنة خمس وسبعين وثمانى مائة بعد أن رثى نفسه بقصيدة أنشدها لبعض خواصه ﵀ والمسلمين.
وكان بينى وبينه صحبة زائدة وبات عندى ليالى وأقام عندى أياما، ورأيته أستاذا فى سائر الفنون كثير الأدب عديم الشر سمح (^١) النفس، يحب الفضل وأهله وبكرمهم ولا يتكلم فى أحد بغيبة ولا نميمة ولا تنقيص، ولا يلتفت إلى تحصيل مال ولا جاه، وغالب إقامته بمجلس المدرسة القراسنقرية (^٢) نهارا، [وأما] فى الليل فغالب مبيته عند القاضى موفق (^٣) الدين - ناظر جيش الشام - ببركة (^٤) الرطلى، ﵀ وعفا عنه وعن المسلمين. ومن نظمه:
يا من غدا من الذنوب فى خجل … وخائفا من الخطايا والزلل
ارحم جميع الخلق وارج رحمة … فإنما الجزا من جنس العمل (^٥)
ووصل أمير من أمراء شاه سوار هاربا منه بزعمه، وكان وصوله فى عاشر الشهر، وصعد للسلطان فقبل الأرض وأفطر عنده فى ليلة الاثنين فى الرابع عشر منه وأخبر عن شاه سوار أنه فى ذل وصغار وخزى وافتقار وأن غالب من معه فر منه، ومن بقى منهم [بقى] فى أضيق العيش وشدة الخوف وعدم الأمن على أنفسهم، خذلهم الله. هذا ما ذكره والعلم عند الله تعالى.
وفرقت الكسوة فى هذه السنة على الفقهاء والمتعممين والأرامل والأيتام،
_________________
(١) فى الأصل «سح».
(٢) نسبة إلى شمس الدين قراسنقر المنصورى، انظر ابن حجر: الدرر الكامنة ٣/ ٦٢٥.
(٣) هو عبد الله بن ابراهيم موفق الدين بن القاضى سعد الدين القبطى المتوفى سنة ٨٧٧ بمنزله بدرب الطباخ ببركة الرطلى انظر فى ذلك السخاوى: الضوء اللامع ٥/ ٧.
(٤) فيما يتعلق ببركة الرطلى انظر المقريزى: الخطط ٢/ ١٦٢.
(٥) جاء هذا البيت فى الأصل على الصورة التالية: ارحم جميع الخلق وارحمنى بهم … والجزا من جنس العمل وقد صحح على ما ورد فى السخاوى: الضوء اللامع، ج ٢ ص ١٤٩.
[ ٢٥٩ ]
ومن باسمه فى الديوان شئ وصل إليه. فاللهم أدم أيام مولانا السلطان آمين - أبد الآبدين.
وفى الثالث عشر منه - وقت التسبيح -[جاء (^١)] المقر الأشرف الكريم العالى المولوى الأتابكى أزبك من ططخ من البحيرة وهو فى موكب جسيم وهو تك عظيم من طبول وزمور ونفط، وصعد للقلعة فى صبح تاريخه.
واتفق قبيل هذا بيويميات [أن] الشريف القاضى المالكى - أحد النواب بسويقة (^٢) السباعين وصهر القاضى المتوفى أبى الفتح المنوفى ناظر المرستان والأوقاف - طلب لبيت المقر الأشرف العالى المولوى السيفى عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ومشيرها ومدبر مملكتها ووزيرها وأستادارها يشبك من مهدى دوادار كبير وما مع ذلك حفظه الله بسبب وقف يتعلق بوقف فارس (^٣) البكتمرى أثبتت المرأة نسبها به بمساعدة الدوادار الكبير والسلطان لها بالحق الظاهر، فوجدوا فى الوقف بعد أن عينه على أولاده فصلا أن الوقف صار ووجب لبنت للواقف مخصوصة غير هذه التى أثبتت نسبها، فلما حضر القاضى الشريف وشهوده بين يدى عظيم الدنيا المذكور وسألهم عن كيفية إشهادهم بهذا الفصل تلعثموا (^٤) فوبخهم وهددهم ونسبهم إلى الزور، ورجعوا عن حكمهم وشهادتهم، ورسم بنفيهم ولولا أبو الفتح صهر القاضى ترامى على عظيم الدولة وعلى الشيخ برهان الدين الكركى أمام المقام الشريف حتى توجهوا إلى الأمير المذكور
_________________
(١) أضيف ما بين الحاصرتين ليستقيم المعنى.
(٢) عرفها المقريزى فى الخطط ٢/ ١٦١ باسم بركة السباعين، وذكر فى شأنها أنها عرفت بذلك لأنه اتخذ عليها دار للسباع وكانت حكرا ثم بنيت عليها الدور منذ سنة ٧٠٠ هـ.
(٣) انظر السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ٥٤١.
(٤) فى الأصل «فتلعثموا».
[ ٢٦٠ ]
وسألوه وتراموا عليه حتى أطلقهم بعد ألف جهد، وبعد أن أشهد على القاضى وشهوده بقسامة: أن لا يشهد الشهود ولا يقضى القاضى.
*** وأصبحت مصر وأهلها فى ألم شديد من عدة وجوه وهو أن الأساكفة رمى عليهم من ديوان الدولة جلود، وأخذوا منهم عدة زرابيل نحو كل زربول بستة أنصاف تحت ستة آلاف زربول. وأما الخياطون والجوخيون وأرباب الصنائع فهم مجتمعون فى عمل احتياج عظيم الدنيا الدوادار الكبير لأجل سفره، ومصروفه فى كل يوم على ما بلغنى يصل إلى ألف دينار ولا يقطع لأحد منهم درهما واحدا ولا يماطله.
وأما التجار الذين بالحوانيت فإنهم من أول شهر رمضان إلى نصف الشهر المذكور بطالون بسبب مبيع تركة الكفيلى بردبك الفارسى المشهور بالبجمقدار نائب الشام هو ودواداره أبى بكر، وإلى الآن ما انتهى المبيع.
واتفق (^١) أن الأمير شرف الدين موسى بن غريب المتكلم فى الوزارة عوضا عن قاسم رمى الجلود التى أخذها منه من المدابغ على الأساكفة الذين بين القصرين وعلى أهل الصليبة (^٢): الدرهم بمثله مرتين على ما بلغنى، وغرموا لأعوانه وقربائه ما لا يطيقونه، فأما أساكفة بين الصورين فوزنوا وصبروا واحتسبوا، وأما أساكفة الصليبة فإنهم أخذوا الجلود ووعدوهم ببعض الثمن، وأصبحوا فوقفوا للسلطان فردهم خدام الحوش السلطانى فرجعوا
_________________
(١) وردت هذه العبارة فى الأصل على الصورة التالية «واتفق أن الأمير شرف الدين موسى ابن غريب المتكلم على ورمى الأمير شرف الدين بن غريب المتكلم فى الوزارة عوضا عن قاسم الجلود» وقد صححت إلى ما بالمتن ليستقيم المعنى.
(٢) من أحياء القاهرة.
[ ٢٦١ ]
وصعدوا إلى أعلى الجبل المقابل لحوش السلطان الذى يجلس فيه للخدمة والأحكام واستغاثوا. فسأل السلطان عن أمرهم فأخبروه بحالهم وأن ابن غريب رمى عليهم بزيادة عن السعر وآذاهم وغرمهم وأضر ذلك بحالهم، فغضب السلطان - نصره الله - على ابن غريب، فبادر عظيم الدولة ومدبرها ومشيرها ومالك حلها وعقدها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وملك الأمراء بالوجهين القبلى والبحرى وما مع ذلك - أدام الله وجوده وبلغه مأموله ومقصوده - وتكلم بكلام أرضى به الله ورسوله والسلطان ومن حضر ومن سمع وقال: «لا يرمى عليهم شئ وجميع ما أخذوه يعيدوه». فردهم السلطان لبيت الأمير المذكور حفظه الله على المسلمين. فلما مثلوا بين يديه أمر برد ما أخذوه إلى مباشرى الدولة ودعوا له وانصرفوا.
وغير ذلك أن غالب بل جميع أرباب الدولة من الأمراء والمباشرين والأعيان وغيرهم بيقدّموا (^١) لعظيم الدنيا الدوادار الكبير المماليك والملبوس والخيول والجمال وغير ذلك من آلات السفر. وكان بلغ السلطان - نصره الله - حضور الشرفى الأنصارى من نصف شهر تاريخه فرسم بعوده، ثم إن أكابر الدولة سألوا السلطان فى حضوره ليتمثل بين يديه ويعلمه بما يوجه إليه وبالغوا فى ذلك. فرسم بإحضاره على جرائد الخيل وأن يكون ثقله خارج قطيا، ففعل ذلك وحضر إلى التربة فى يوم الاربعاء حادى عشريه، وأصبح من الغد فصعد إلى بين يدى السلطان فقبل يده فخلع عليه كاملية مخمل مفرية سمور بمقلب سمور بعد أن اجتمع بالسلطان وشكره ونزل إلى داره فى ضخامة لكنه فى غاية الكظم والتشويش، وسبب ذلك ما بلغه من
_________________
(١) هكذا فى الأصل والضبط منه أيضا، ويلاحظ أن هذا إصرار من المؤلف على استعمال هذا التعبير المصرى الدارج.
[ ٢٦٢ ]
سفر عظيم الدنيا الدوادار الكبير، وأنه يتوجه فى خدمته لتكفية الرجال والسلاح والعليق والمال، فسعى غاية السعى فى إبطاله من السفر ولم يصل لذلك مع أنه - أعنى صاحب الترجمة - إذا تخدم للأمير المذكور وأظهر له نصحا وخدمة وصفاء ربما يرضى عنه ويسلم منه، فإنه كان بينه وبينه شئ وأزاله من بينهما رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله على المسلمين، والأمر لله الخالق والمبيد، الذى يفعل ما يريد، ولا يسأل عما فعل.
وفيه - أى يوم الخميس ثانى عشريه - طلب عظيم الدنيا الأمير الدوادار الكبير جميع من فى حبسه من الفلاحين والمصادرين وأطلق منهم مائة وسبعين نفرا، وبلغنى عن الأمير المذكور حفظه الله على المسلمين أنه يصالح عن المديونين فى حبسه بمال من عند نفسه، والله أعلم.
ووقع فى هذه الأيام أمور شاعت وذاعت، غير أنى لم أتحققها وإنما أنبئتها بطريق النقل، منها أن جماعة من الأعاجم قبض عليهم وزعموا أنهم جواسيس شاه سوار وابن قرمان وغيرهما، وأمر بإخراجهم من بلادهم. ومنها أن الناصر بن قمتى رأس نوبة الأمير الدوادار الكبير - دامت سعادته - سأل أستاذه المذكور فى سفره إلى الحجاز وببذل ألف دينار، وقيل إنه منعه من ذلك، ورسم لدواداره جانم وخازنداره تغرى بردى أن يكونا متكلمين فى الوزر والأستادارية؛ ولم يصح شئ من سفر ابن قمتى.
وفى يوم الاربعاء ثامن عشريه ختم البخارى بقلعة الجبل بحضور السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى - خلد الله ملكه ومدت قواعد دولته - وكان مجلسا حافلا بالقضاة الأربعة - خلا الحنبلى لضعفه وعجزه عن الحضور - والعلماء والفضلاء والطلبة والأمراء والرءوس النوب والخاصكية وأصحاب الوظائف. وقرأ القارئ الذى هو الشيخ الإمام العالم العلامة برهان الدين
[ ٢٦٣ ]
الكركى إمام المقام الشريف نصره الله، فخلع على قضاة القضاة طرحات وكذا على القارئ، وخلع على المشايخ خندات سمور وهم: الشيخ سراج الدين (^١) العبادى الشافعى والشيخ قاسم الحنفى والشيخ تقى الدين الحصنى (^٢) والشيخ بدر الدين بن القطان وغيرهم كذلك، وبقيتهم خندات مسنجبة وصرر أكثر من ألف دينار: أعلاهم ثلاثة آلاف وأدناهم ألف درهم، ولم يخلع السلطان على السرى عبد البر بن الشحنة شيئا - وله عادة بخنده سمور - فحصل العجب من ذلك وشاشت (^٣) الناس وتقولوا وخلطوا ونسبوا ذلك للسلطان.
ومن العجيب أن شخصا ينظم الجزل والمواليا والبليق بأرض (^٤) الطبالة يعرف بابن الزيتونى (^٥) - ويتكسب من الشهادة بحانوت ليس فيه رفيق له - استجد له فى هذه السنة خندة مسنجبة، وسألت عن ذلك فقيل لى: إنه من جهة بنى الجيعان وأنه فى خدمة سيدى عبد القادر يضحكه ويخامل له وسألوا ناظر الخاص له فى ذلك فأجابه.
_________________
(١) هو الشيخ عمر بن حسين بن حسن الأزهرى الشافعى المولود بمنية عباد من أعمال الغربية ثم تحول منها إلى طنتدا (طنطا الحالية) ولذلك يعرف أحيانا باسم «الطنتدائى»، مات سنة ٨٨٥، راجع عنه السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ٢٧٨.
(٢) انظر الضوء اللامع ج ١١ ص ١٩٨ تحت كلمة «الحصنى» حيت يرجع النسب إلى سكن الأسرة إلى قرية من قرى حوران بالشام.
(٣) يقصد بذلك «تشوش»، وهو لفظ يكثر وروده فى كتابات ذلك العصر بمعنى اضطرب.
(٤) أفاض المقريزى فى الخطط ٢/ ١٢٤ فى ذكر أرض الطبالة وذكر أنها على جانب الخليج الغربى بجوار المقس، وقيل لها أرض الطبالة لأن الأمير أبا الحارث أرسلان البساسيرى لما غاضب الخليفة القائم بأمر الله العباسى أمده المستنصر بالله الفاطمى حتى استولى على بغداد وأخذ قصر الخلافة وسير عمامة القائم وثيابه إلى القاهرة سنة ٤٠٥ ففرحت القاهرة ووقفت «نسب» طبالة المستنصر وأنشدت: يا بنى العباس ردوا … ملك الأمر مسعد ملككم ملك معار … والعوارى تسترد فأعجب ذلك المنتصر وسألها ما تتمنى فسألت أن تقطع الأرض المجاورة للمقس وسميت منذ ذلك الحين بأرض الطبالة.
(٥) راجع السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ١٠٦٦.
[ ٢٦٤ ]
وقيل إن ابن الزيتونى هجا داودا المالكى الذى استقر مستوفيا على بنى الجيعان بمدرسة سعيد السعداء وغيرها، ومدح العلمى ابن الجيعان وأولاده.
ولما تكلم داود فى المدرسة المذكورة ترك له بنو الجيعان المباشرة. فانظر إلى هذا العجب العجاب: هذا العالم ولد العالم ابن العالم ابن العالم إلى ما لا مزيد عليه ما تصل له عادته، وهذا السفيه الوضيع يخلع عليه! وأذكر فى هذا اليوم قول من قال وأجاد فى المقال: «وحظى مين يقودوا ويتمسخر!!».
ثم إن الخندة المتعلقة بالزينى عبد البر بن الشحنة وصلت إليه بعد ذلك بسفارة عظيم الدولة ورئيسها المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر حفظه الله على المسلمين فلبسها وتوجه إليه وقبل يده، واعتذروا عن إرسالها بواسطة أشياء، منهم من يقول: السلطان لما عرضت عليه لم يرسم له بها، ومنهم من قال غير ذلك، والأمر لله المالك.
[وفى] ليلة الثلاثين من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته توجه قضاة القضاة إلى المنصورية قلاون لرؤية هلال شوال ما خلا قاضى القضاة الحنفى والحنبلى، فالحنفى معتكف بجامع الحاكم، والحنبلى لضعفه وانقطاعه، ولم ير الهلال وهو المقصود الأعظم لئلا تكون خطبتان فى يوم فيكون ذلك يزعمهم على السلطان غير مشكور، فلا قوة إلا بالله.