أهلّ بيوم الاربعاء الثامن والعشرين من طوبة من شهور القبط (^٤).
فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر بعد الظهر وكنت مع الحنفية، فهنّوه بالدهيشة ودعوا وانصرفوا، وكان القصر بطّالا من الخدمة ولم يقرأ البخارى.
ثانيه خرج الأمير أزبك الأتابكى من القاهرة إلى البحيرة بسبب مساحتها وقبض مالها.
وفيه غضب عظيم الدنيا الدوادار الكبير على الوزير قاسم المتكلم عنه فى
_________________
(١) فى الأصل «سمعوا».
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ٧٠٦.
(٣) إلى هنا تنتهى أحداث شهر رجب التى فات المؤلف تسطيرها فى موضعها.
(٤) يتفق هذا وما جاء فى التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٨ وهو يطابق ٢٣ يناير ١٤٧١.
[ ٢٤٣ ]
الوزارة ورسم عليه ترسيما شنيعا. وتوجه رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله إلى بيت الأمير الدوادار المذكور بسببه فلم يجده، وانتظره إلى نصف الليل ثم اجتمع به وما وافق على إطلاقه.
وقيل إنّ ابن منقورة (^١) وأخاه اللذين استلمهما المقر الأشرف الصاحبى الأمينى - وكانا فى خدمته - وكان كما قيل يصادرهما ويضربهما ويفعل بهما الأهوال - وابن البحلاق (^٢) الذى كان مقدم الدولة رافعوه لعظيم الدنيا المذكور، ويرومان وظيفة الوزر لنفسيهما، فتذكرت قول من قال:
لقد هزلت حتى بدى من هزالها … كلاها وحتىّ استامها كلّ مفلس
وقد كثر ركوب السلطان أياما ولم أذكر ذلك ولا كتبته لكثرته.
وفيه خرج شاهين الجمالى (^٣) يوسف بن كاتب جكم شادّ بندر جدّة إليها وصحبته عدة من المماليك الإينالية وغيرهم فرارا من تعيينهم لشاه سوار.
ووصل قبل تاريخه بأيام بنت خوند شقرا جهة المرحوم الكفيلى بردبك نائب الشام وصالحت السلطان على مال قيل إنّ جملته عشرون ألف دينار.
يوم الجمعة ثالثه أطلق النداء بالقاهرة حسب المرسوم الشريف أن المماليك السلطانية يصعدون غد تاريخه للعرض بسبب السفر لقتال شاه سوار، والله يفعل ما يريد ويختار.
يوم السبت رابعه كان العرض، فعرض السلطان خمسة أطباق، واستمرت
_________________
(١) إبنا منقورة هما عبد اللطيف ويعقوب القبطيان كما يستفاد من الضوء اللامع ٤/ ٩٤٣، ١٠/ ١١٢٤، هذا وقد ذكر السخاوى فى موضع آخر، شرحه ٤/ ٩٨ أن عبد الباسط ابن يعقوب بن منقورة كان فى كرب بسبب بقاء أمه على نصرانيتها.
(٢) القاف فقط هى المنقوطة فى الأصل.
(٣) يعنى بذلك الجمالى يوسف بن كاتب جكم، انظر الضوء اللامع ٣/ ١١٢٣.
[ ٢٤٤ ]
الخدمة بالقصر من قلعة الجبل بطالة لأجل العرض، واستمر العرض إلى يوم الاربعاء ثامنه، وجهّز السلطان للأمير برسباى قرا الظاهرى أحد مقدمى الألوف النفقة، وهى أربعة آلاف دينار ليسبق العسكر ومعه عدة من الأمراء العشرات.
وتقدم قبل هذا بثلاثة أيام أن امرأة شكت قاضى القضاة المحيى الحنفى ابن الشحنة بسبب دين لزوجها عليه، وتوفى زوجها. فدفعها السلطان لتعمل مصلحتها صحبة الأمير ناصر الدين بن أبى الفرج (^١) نقيب الجيوش المنصورة، فاعتذر (^٢) أن بلادهم وتعلقاتهم التى بحلب لم يصل إليهم منها شئ (^٣)، وحلف أنه ما يملك دينارا ذهبا ولا فضة.
وأطلق الوزير قاسم بن غريب بعد أن وزن جملة من المال، وإلى الله المرجع والمآل. مع أن ابن غريب - لما سفّر إلى البحيرة - جهد أن يسدّد الوزر إلى آخر شهر شعبان. واستمر قاسم ببيته بطالا ليقوم بما تأخر عليه مما قيل إنه فى جهته من الأموال السلطانية، هذا مع مساعدة عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله حتى أطلقه، وسلمه له وأخذه وأنزله بجانبه فى بيت ابن رمضان، فأقام أياما ثم هرب فى ليلة الاثنين ثالث عشر شهر تاريخه ولم يعرف له مكان، وإنما هو موصوف بقلّة والدين وعدم الأصالة والحشمة، فإن إنسانا - حفظه الله - خلّصه من الفتك وضمنه فما يجازيه (^٤) أن يهرب ولا يقوم بشئ مما ضمنه فيه، فكثرت أدعية الفقراء والصلحاء للمقر الأشرف الزينى ابن مزهر
_________________
(١) راجع عنه السخاوى فى الضوء اللامع ٨/ ٧٠.
(٢) يعنى بذلك ابن الشحنة.
(٣) فوق هذه الكلمة إشارة لإضافة فى الهامش، غير أن ما ورد بالهامش داخل ضمن أحداث رجب.
(٤) فى الأصل «بحارفه إلا» والأرجح ما أثبتناه.
[ ٢٤٥ ]
حفظه الله برد قاسم ليخلص من ضمانه عظيم الدنيا الدوادار الكبير.
وانتهى عرض السلطان للمماليك السلطانية بعد أن غضب فى أثنائه ممن عيّنه من الأمراء للتوجه إلى سوار وصاروا يتمنعون ويتعللون، فبطّل السلطان العرض وقال: «أنا أسافر بنفسى». ثم عرض بعد ذلك، وكانوا أشاعوا أن الجاليش يغلق فى يوم تاريخه الذى هو الرابع عشر من شعبان.
ومما ينبغى أن يسطر ويدوّن وينشر ويذكر فى صحائف مولانا السلطان المالك الملك الأشرف أبى النصر قايتباى - عز نصره - أنه أول ما تولى المملكة - وكان فى غاية الاضطرار لأجل النفقات وتجهيزها - فأوحى (^١) إليه الوسطاء أن يأخذ من جماعة مالا وعينوهم، فأخذ منهم. ثم علم بعد ذلك أن هذا لا يجوز، فوعدهم بدفع ما أخذه منهم.
فلما كان فى الثالث عشر من شعبان هذا طلب السلطان الأمير فارس المحمدى الركنى [فيروز] (^٢) الوزير ودفع له ألف دينار وخمسمائة دينار وأربعين دينارا، ودفع للشهابى أحمد بن الأمير أسنبغا (^٣) الطيارى وأعطاه ألف دينار، وأعطى ابن فارس السيفى ألف دينار، وهذا أمر عظيم.
ووصل كتاب من مكة المشرفة برابع عشرى رجب سنة تاريخه أن السلطان أرسل إلى مكة سنقر الجمالى (^٤) ناظر الخواص الشريفة وأمره بحفر العين الواصلة إلى جبل عرفات، فحفرت حتى وصل الماء وملأ منها بركتين وحصل بها نفع عظيم، وعمّر مسجد «الخيف» وعمر مسجد نمرة، وكم مضى من الملوك
_________________
(١) فى الأصل «فأوحوا إليه الوسايط».
(٢) الإضافة من الضوء اللامع ٦/ ٥٤٤.
(٣) راجع الضوء اللامع ٢/ ٩٨٤.
(٤) شرحه، ٣/ ١٠٤٠.
[ ٢٤٦ ]
السالفة ولم يلهموا لفعل هذا الصنيع الحسن، حتى إن العين المذكورة لها - من حين حفرها جوبان (^١) - نحو مائة سنة وهى داثرة، فأحياها مولانا السلطان نصره الله.
وفى يوم الاثنين - العشرين منه - استأذن رئيس الدنيا المقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى حفظه الله فى السفر إلى مكة والمجاورة بها فأذن له بعد أمور وعدة سؤالات، ومن جملة من سأل له الأتابك أزبك والأمير الدوادار الكبير، وسرّ بذلك سرورا عظيما فقال أصحابه وأحبابه وجماعته - وأنا منهم - «حج فى أهل هذه البلدة بإقامتك فيها لنفعك العام للمسلمين»، فلم يقبل ذلك.
وفى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين منه ضرب زين الدين عبد الرحمن بن تقى الدين - قريب فرج ابن النحال (^٢) الذى كان والده عمل ناظر الدولة - بالمقارع وحبس بالمقشرة، والسبب فى ذلك أن المذكور سافر إلى البلاد الشامية وزوّر مراسيم شريفة، وخلع على جماعة، وأمر بعزل جماعة، وكان رفيقه فى الطريق السيد الشريف علاء الدين الكردى - ناظر الخانكاه - الذى هو من جهة السلطان، فبلغ السلطان ذلك ففعل ما ذكر، ولولا مساعدة الأمير تنبك الدوادار الثانى حفظه الله ما حصل له خير، فإن المذكور سيرته قبيحة، وسيما قبض عليه أنه سرق سرجا مفضضا ببيت الولى وخلصوه منه بعد بذل مال.
وقبل هذا بيوم سمّر اثنان من البزادرة (^٣) ووسطا بقنطرة (^٤) الحاجب
_________________
(١) هو جوبان النوين الكبير، راجع ابن حجر: الدرر الكامنة ١/ ١٤٦٣.
(٢) ويعرف بابن ماجد، انظر الضوء اللامع ٦/ ٥٧٠.
(٣) البازدار - وجمعه البزادرة - هو الذى يحمل الباز، راجع الجواليقى: المعرب من الألفاظ ص ٧٨ حاشية رقم ٦.
(٤) جاء فى خطط المقريزى ٢/ ١٥٠ فى تعريفها إنها على الخليج الناصرى ويمر الناس -
[ ٢٤٧ ]
خارج القاهرة بعد إشهارهما بالقاهرة بسبب قتل الحلبى الذى سكنه بالجنينة وأخذ ماله، فإنه تبين أنهما قتلاه فقتلا به، ولله الحمد. وكان هذان من الأشرار المفسدين، فأزالهما الله عن المسلمين.
وفى يوم الاثنين العشرين منه وصلت الأخبار من الرحبة أن حسن بك (^١) مشى على البلاد.
وحدث فى هذه الأيام أمور تؤذن باقتراب الساعة، منها أن السيد الشريف الوفائى - نائب قاضى الحنفية - أخبرنى بحضوره أن الأمير تمر المحمودى (^٢) حاجب الحجاب شاهد عنده بغلة ولدت وعاش الولد أياما ومات بعد ذلك.
وفيه - بل فى يوم الخميس ثالث عشريه - توجه قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة وسيدى (^٣) عبد البر - ولده - لزيارة الشيخ بدر الدين بن عبيد الله (^٤) الأردبيلى فإن له مدة [وهو] متوعك و[قد] أشرف على التلف، وباسمه وظائف جليلة بمدارس الحنفية، لكن الشيخ برهان الدين الكركى - إمام السلطان - سعى فيها وأنعم بها عليه. ومع ذلك [فقد] توجها إليه وصحبتهما
_________________
(١) عليها إلى بولاق وغيره، وهى من إنشاء الناصر محمد بن قلاون سنة ٧٢٥ هـ، وأخذ العمران يدب فيما حولها حتى انتظم «ما بين شاطئ النيل ببولاق وباب البحر عرضا وما بين منشأة المهرانى ومنية الشيرج طولا».
(٢) فيما يتعلق بهذه الأحداث وحركات حسن بك الطويل، راجع العزاوى: العراق بين احتلالين، ٣/ ٢٢٢ وما بعدها.
(٣) فى الأصل «الحمودى» والتصحيح من الضوء اللامع ٣/ ١٧١، راجع أيضا ما يلى ص ٢٥٠، س ١٨.
(٤) راجع السخاوى: الضوء اللامع ٤/ ١٠٢.
(٥) هو محمود بن عبيد الله وليس ابن عبد الله كما ورد بالأصل، راجع الضوء اللامع ١٠/ ٥٦٠.
[ ٢٤٨ ]
صهره ابن النوبرى الذى هو نقيبهم، ولا زالوا به حتى نزل لسيدى عبد البر عن درس الأبو بكرية (^١) والصر غتمشية وأم السلطان، والتزم له بمائة دينار، وأنه ما دام حيا يتعاطى معاليمها، وكتبوا ذلك وشهد به أربعة من نوابهم وشخص من العدول يسمى ابن صلاح، وأظهروا ذلك وأنهم وصلوا لمقصودهم فبلغ ذلك المقام الشريف - نصره الله -[و] أن الإشهاد الذى صدر منه كان فى غير عقله، وأن نواب الحنفى وصهر ابن عبيد الله كتبوا لقاضيهم مهما أراد، فاحتد السلطان من ذلك وانزعج، ومات النازل (^٢) فى يوم السبت خامس عشريه، فطلب السلطان الشهود والقضاة الذين حضروا وكتبوا وشهدوا بين يديه، وأكد فى حضورهم وصحبتهم صهره، فإنهم نسبوا صهره أيضا إلى أنه أخذ أشياء من وظائف وتعلقات كانت باسمه قديمة، فلما مثلوا يدى السلطان قسا (^٣) عليهم وبالغ فى الحط على صهره وأوعده وهدده وقال له:
«تشهدوا (^٤) على شخص غايب الوجود ومصداق ذلك مات من ليلته وأخّرتوه إلى يوم السبت؟» فاعتذروا عن ذلك فلم يقبل منهم. ورسم بطلب بقية الشهود وأن يصعدوا بهم غد تاريخه الذى هو الأحد سادس عشريه بين يديه، فرسموا عليهم وصعدوا بهم إلى القلعة عند جامع الناصر ابن قلاون وخاف أحد
_________________
(١) تنسب المدرسة البوبكرية إلى مؤسسها الأمير سيف الدين أسنغابن بكتمر الأبوبكرى المتوفى سنة ٧٧٧ هـ، راجع الخطط للمقريزى ٢/ ٣٩٠، وابن حجر: إنباء الغمر، ١/ ١١١ (تحقيق حسن حبشى) أما المدرسة الصر غتمشية فتقع بجوار جامع ابن طولون بالقاهرة، وهى من إنشاء الأمير سيف الدين صرغتمش الناصرى، راجع المقريزى، شرحه ٢/ ٤٠٣، وقد كانت كلتا المدرستين وقفا على الحنفية.
(٢) المقصود بذلك الشيخ محمود الأردبيلى.
(٣) فى الأصل «أسى».
(٤) أبقينا نص القول دون تعديل.
[ ٢٤٩ ]
الشهود المسمى محمد بن صلاح وهو شاب من فقهاء الأطباق الذين يقرئون المماليك بالقلعة، واتفق أن هذا الشاهد وقف للسلطان مرة وغضب عليه بسبب جامكيته، وما خلص منه إلا بأمر عظيم.
وصار يستغيث فلا يغاث، فأنجده الله بلطفه أن بعض أكابر الخاصكية تكلم معه ووطنه على أن يسأل له بعض الأمراء فى الشفاعة فيه، فمشى معه ودخل من باب الستارة، فخرج من الحوش ونزل من السبع حدرات ونجى بنفسه، فلما طلبهم السلطان بين يديه - وكان السلطان نصره الله رسم بإحضار نساء ابن عبيد الله وبنته ليسألهن هل صدر عنه (^١) هذا النزول وهو حاضر الحس أم لا، فقلن: «كان ضعيفا»، وسأل عن الشاهد فأجابوه أن بعض الأتراك أخذوه لطبقتهم لأنه فقيههم، فرسم نقيب الجيش على النقيب بالترسيم عليه، وأمر نائب مقدم المماليك فدخل الأطباق ففتشها طبقة طبقة فلم يجدوه، وآخر الأمر أنّ رئيس الدنيا ابن مزهر شفع فيهم وبالغ فى ذلك فلم يقبل السلطان ذلك وصمم على حضور الشاهد الذى هرب، فنزلوا فى الترسيم ببيت نقيب الجيش، وأطلقوا النساء إلى بيوتهن.
فلما كان يوم الثلاثاء الثامن والعشرين منه صعد الشهود أيضا إلى القلعة ليدخلوا بين يدى السلطان، فلما جلس على الدكة بالحوش برز عظيم الدنيا الدوادار الكبير - دامت سعادته - فشفع فيهم ولمس الأرض بسببهم، ثم تبعه الأمير المحمودى الظاهرى - حاجب الحجاب - فقبّل الأرض، ثم تبعهما عظيم الدنيا ابن مزهر الأنصارى فقبّل الأرض ثم باس رجل السلطان فرسم بإطلاقهم. هذا مع أن قاضى القضاة الحنفى وولده لما بلغهما
_________________
(١) فى الأصل «عليه».
[ ٢٥٠ ]
غيظ السلطان والترسيم على نوابه والشهود، أرسلا إلى السلطان النزولات صحبة المقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله، وطلع المقر الزينى ابن مزهر المذكور حفظه الله يوم الأحد القلعة مع أن عادته الراحة فيه، فتعجب السلطان وصار يقول له: «لا تدخل نفسك فى هذه القضية»، فأجابه حفظه الله تعالى: «أنت أمرتنى بذلك لأنك جعلتنى كاتب السر، وكاتب السر يتكلم فى هذا وفى غيره»، فجزاه الله خيرا عن المسلمين.
وامتلأت القاهرة بصرف (^١) قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة من وظيفة القضاء وأن البرهان الكركى يستقر فيها، ثم بطل ذلك. لكن قالوا:
إن السلطان - نصره الله - أرسل إلى الشيخ أمين الدين الأقصرائى ينظر له قاضيا يوليه، فذكر له شيخ الظاهرية (^٢) الشيخ عضد الدين السيرامى (^٣) والشيخ شمس الدين الأمشاطى (^٤)، وقيل إن السلطان ذكر الشيخ محيى الدين الكافيجى فنسبوه إلى السذاجة وعدم العرفان بالمصطلح، وما عساهم يفعلون ويأبى الله إلا ما أراد. وفى الواقع فقضاة الشرع لوعظموا أوامر الله وحقوقه لعظمهم، ولكنهم خافوا على وظائفهم فأهانوا أنفسهم، والأمر إلى الله.
*** وتوفى الشيخ بدر الدين بن عبيد الله الأردبيلى الحنفى بمدرسة أم السلطان، وله من العمر إحدى وثمانون سنة تخمينا، وكان فقيها فاضلا له قدرة على الاشتغال والمطالعة سيما مع الأتراك فإنه عرف بهم وسيما صحبته للمقر الأشرف
_________________
(١) فى الاصل «يتصرف».
(٢) يقصد بذلك جامع السلطان برقوق.
(٣) بكسر أو له سينا أو صادا على السواء، انظر السيوطى: نظم العقيان، ص ١٢٧.
(٤) السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ١٠٠٤.
[ ٢٥١ ]
العالى السيفى يشبك من سلمان شاه الفقيه (^١) المؤيدى، أحسن الله خلاصه فإنه كان شيخا (^٢) له ومقيما عنده فى غالب أيامه كثير الإحسان إليه، وقرأ عليه عدة كتب فى الفقة منها «الهداية» و«الكنز»، واشتغل قديما، وقرأ على عدة من الشيوخ منهم القاضى محب الدين بن الشحنة قاضى حلب والد شيخنا قاضى القضاة محب الدين الحنفى قاضى مصر، وولى القضاء عن الزينى التفهنى (^٣) وبعده عن البدر العينى، وعن الشيخ سعد الدين ابن الديرى (^٤) وكان يجهز إلى البلاد الحلبية والشامية ليحكم بقتل بعض المفسدين فيفعل، وتوجه مرة وحكم أيضا بقتل جماعة بقنطرة الحاجب أن يغزوا بالرماح ففعل بهم ذلك.
وامتحن مرة بسبب واقعته مع تغرى برمش الزردكاش فى أيام الظاهر جقمق ورسم بحبسه، وكان المدعى عليه سيدى أحمد بن أزدمر، ثم رسم أن يتوجه به إلى بيت قاضى القضاة بدر الدين البغدادى الحنبلى ليدعى عليه بين يديه، فادعى عليه أنه قال: «ما ثم بعث ولا نشور، ولا حياة» وما أشبه ذلك، فصعد الشيخ أمين الدين الأقصرائى والقاضى بدر الدين الحنبلى البغدادى للسلطان وسألاه فيه وتلطفا به فأطلق، واتفق له فى هذه المدرسة التى مات بها وهو شاب أن بعض البوابين بها كان بينه وبينه خصومة فقبض عليه على ما ادعى وفى داخل ثوبه كراز (^٥) نبيذ فكسره، وتوجه به للبدر العينى وأخبره أن البواب فعل هذا من عند نفسه ونسبه إليه، فقام البدر العينى معه وساعده وطلب البواب وأدّبه. واتفق بعد ذلك بأيام عقد مجلس بين الشيخ بدر الدين العينى المذكور وبين شخص فى مسألة، فصار صاحب الترجمة عليه وحصل له منه قهر شديد.
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ١٠٧٦.
(٢) فى الأصل «شيخله».
(٣) السخاوى، شرحه، ٤/ ٢٨٥.
(٤) هذا نسبة إلى مكان بمردا من جبل نابلس أو الدير الذى بحارة المرداويين من بيت المقدس انظر فى ذلك الضوء اللامع ٣/ ٩٣٩، ١١ ص ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٥) انظر فى تعريفه Dozy:op.cit.II،٤٥٥.Freytag:Gl.Esp .،٨٦.
[ ٢٥٢ ]
وكان له سطوة وعنده جرأة وإقدام فى الجلوس والركوب وحضور المجالس.
اتفق لما كانت وفاة سيّدنا الشيخ كمال الدين بن الهمام الحنفى (^١) تقدم الشرفى يحيى (^٢) المناوى للصلاة عليه بحضور السلطان فجذبه من بين كتفيه وقال له:
«نحن أحق بالصلاة على أهل مذهبنا»، وقدم الشيخ سعد الدين الديرى للصلاة عليه.
وكان يفتى لكن فى آخر عمره ترك، ولم يترك الاشتغال فى الفقه وأصوله وكان محبا لبيت القاضى محب الدين بن الشحنة، وهو الذى كان سببا لمصاهرة بنتهم بابن الأمير يشبك الفقيه الدوادار، وخلف بنتا كبيرة وزوجة وحصل على القاضى محب الدين بن الشحنة وعلى ولده السروى عبد البر ومن حضر معهما من النواب والشهود من البهدلة مالا يوصف بسبب أنهم كتبوا عليه نزولا (^٣) بعدة وظائف ونسبوا إلى التزوير. انتهى.
واستمر هذا الشهر بلا خدمة فى القصر.
وفى يوم الاثنين سابع عشريه كان عرس المقام الأشرف الكريم العالى تنبك (^٤) قرا الدوادار الثانى الإينالى على بنت (^٥) بنت السلطان السعيد الشهيد الملك الأشرف إينال من بردبك الدوادار الثانى، وعمل مدة عظيمة للأمراء والأكابر والأعيان. وركب وفى خدمته عدة من الأمراء الظاهرية والإينالية، كالأمير إينال حبيب والأمير أزدمر الظاهرى والأمير قانصوه الأحمدى الإينالى الشهير بالخسيف، والأمير دولات باى سلاق وغيرهم من الأمراء والخاصكية.
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ٨/ ٣٠٠.
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ١٠٣٣.
(٣) أى «تنازلا».
(٤) السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ١٧٧.
(٥) واسمها أباس كما جاء فى السخاوى، شرحه.
[ ٢٥٣ ]
وحضرت العروس إليه - من دار الأمير قراجا (^١) الطويل التى هى مقابل الكبش لأنه زوج أمها - فى محفة زركش والخدّام حولها والخواندات بين يديها راكبين وماشين بالشموع والمناجيق والفوانيس الكبيرة الزهرة، وقيل: إن الجهاز الذى وصل إليه قيمته ثلاثون آلف دينار، والملك لله الواحد القهار.