أهل (^١) بيوم الاثنين الموافق السادس مسرى القبطى.
فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر ولم يحدث كلام فى المجلس غير السلام وقراءة القرآن والفاتحة والدعاء وانصرفوا.
ثانيه دار المدراء بوفاة بردبك المشطوب رأس نوبة ثانى الظاهرى جقمق، وكان شيخا طوالا لا يعرف بالعربية إلاّ قليلا وهو على حالة الجراكسة، وصلّى
_________________
(١) يتفق التاريخان مع ما جاء فى لتوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٨، وهو يعادل يوم ٣٠ يونيو ١٤٧٠ م.
[ ٢٠١ ]
عليه السلطان بمصلى المؤمنين ومن حضر من الأمراء والمماليك السلطانية.
وأرسل السلطان نصره الله يشاور الأتابك أزبك فيمن يصلح لنيابة الشام، والله أعلم بذلك.
وفى يوم الأحد سابعه ركب السلطان نصره الله من قلعة الجبل وتوجّه إلى طرى فأقام بها إلى آخر النهار فى أكل وشرب وعاد إلى محل مملكته.
يوم الاثنين ثامنه وصل الخبر من البحيرة بوفاة الجناب الفخرى ابن السكر والليمون (^١) وهو المباشر الآن بالبحيرة، وكان دهقانا عارفا بالكتابة وحصل له فالج، ولم يعتق من المباشرة، وكان استقرّ فى نظر الديوان المفرد، ولما بلغ زوجته وفاته هربت - وهى بنت تقى الدين البلقينى - فقبضوا على ولده الصغير الذى ليس له سواه وعمره أقل من عشر سنين، ورسم عليه لأجل أخذ المال بأمر الأمير الدوادار الكبير، وإلى الله المصير.
ثم إن المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله على المسلمين شفع فى الولد الصغير فأطلقه وعمل مصلحته، فجزاه الله خيرا، دنيا وأخرى.
يوم الأحد حادى عشره صنع السلطان مدة عظيمة لقصّاد حسن باك ملك العراقين وحضروا بين يديه فأكلوا وشربوا وانصرفوا وأضافهم الدوادار الكبير بعد ذلك.
وتكرر ركوب السلطان إلى طرى ومصر وأعمالها، وقد قدمنا أن هذا لا يحصر لكثرته.
وفى أمسه رسم السلطان بتوسيط اثنين (^٢) بعد إشهارهما على الجمال وعرضهما
_________________
(١) هو إبراهيم بن فخر الدين، القبطى أبوه، وأمه خديجة ابنة التقى ابن البدر بن البلقينى، راجع السخاوى: الضوء اللامع ج ١ ص ١٨٣.
(٢) فى الأصل «إثنان».
[ ٢٠٢ ]
بين يدى السلطان وأمره بذلك، وسبب ذلك أن أحدهما كان مسجونا بالمقشرة سنين وقد صار من فلاحى المقشرة، وعليه فى كل يوم قدر معلوم يخرج فى الحديد يستعطى ويحضر ما عليه إلى صاحب السجن، فلم يحصل له فى ذلك اليوم ما يوفى به المقرّر عليه، فأراد الهروب خوفا من الضرب والعصر وآلات العقاب، فحصل بينه وبين الجندار مشاجرة وضربا بعضهما. فأصاب الجندار ضربة فمات فقتلوا هذا به. والآخر نوتى حضر صحبته فى مركبه قمح وغير ذلك لشخص من التجار، فلما وصلا إلى البر تشاجرا فرمى التاجر فى البحر فغرق فقتل به.
وانقلبت أهل مصر من أهلها وتحوّلوا قبل وفاء البحر إليه بأيام عديدة إلى الروضة والجشر والجزيرة، وأظهروا مفاسد وقبائح لا يسعنا ذكرها، مع أن البحر كان فى العام الماضى أزيد من السنة بقريب ثلاثة أذرع، فحصل من فضل الله زيادة ثلاثة أذرع فى خمسة أيام، وصار البحر فى ثمانية عشر إصبعا من الذراع السادس عشر، فهرع الناس إلى الأماكن المقدم ذكرها وهى الروضة والجسر والجزيرة وغير ذلك، وأظهروا المفاسد والقبائح والزنا واللواط والخمر والحشيش وركوب البحر بالملاهى وما قدمناه، فقدّر الله أن نقص البحر إصبعا فى يوم الثلاثاء سادس عشر شهر تاريخه الموافق الحادى والعشرين من شهر مسرى، وأشاعوا أنه أوفى وأن السّتر علّق، وأن السلطان إما يباشر فتح فم الخليج بنفسه أو يأمر لأحد من أمرائه، فأصبح البحر بلا وفاء بل نقص، وأنه انقطع عليه مقطع الرمل بالجيزية وخرج الوزير لسده وصحبته جماعة من أعيان أخصاء الأمير الدوادار الكبير حفظه الله على المسلمين.
وفيه أعنى يوم الثلاثاء سادس عشره ضرب المحتسب - عامله الله بعدله قريبا بجاه سيد المرسلين - شخصا من السوقة يبيع التين ثلاث علقات: واحدة على مقاعده وأخرى على رجليه وواحدة على أكتافه،
[ ٢٠٣ ]
وأشهره بالمدينة على عادته التى يفعلها عربّا مكشوف الرأس، ثم رسم بصلبه بذراعه على حانوته، وقررت يده الأخرى إلى ظهره ولطّخه عسلا وأوقفه فى الشمس، فتسلط عليه النحل والزنبور والذباب وقاسى من العقوبة مالا يوصف، وترددت إليه الرسائل بسببه فلم يقبل ذلك حتى إن رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف - حفظه الله على المسلمين - مرّ وشاهد المحكّى عنه بهذا الوصف، واستمر إلى أن أطلقه بعد أذان العصر.
وسبب هذا الذى فعله معه أن رسله الذين هم من جهته وأقامهم كانوا إذا طلبوا البلص من فقير وامتنع ذكروا لأستاذهم عنه ما أرادوا، وهو سريع الحدّة سريع الغضب لا يتثبت فى الأحكام فيطلبه ويفعل به ما ذكر، وإلاّ فكل سوقة مصر يبيع بزيادة عمّا يأمر به المحتسب، حتى إذا نودى على الجبن بسبعة دراهم الرطل مثلا يبيعونه بثمانية بزيادة درهم، وكذا فى سائر البضائع حتى فى اللحم، ولقد تعدّى أذاء لكثير من خلق الله حتى الحجاج مع أنهم كانوا يخافون وقوع ذلك من أمير [الركب] الأول، فكانت سيرته منهم غاية ما يكون من الثناء عليه من الرفق بهم وملئه لهم القرب والذبّ عنهم، وسيرة أمير المحمل بضدّ ذلك، فحسبه الله بما يفعله مع عباده، وأقول ولو شاء ربك لفعلوه وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، وأقول إن رسله الذين من جهته صار كل واحد منهم بأقمشة حرير والصوف العال الغالى والنعال الخاص المزيّنة والعبيد والجوارى الذين للخدمة، والنفقات التى ينفقها كل يوم من لحوم وأعسال ودقيق وغير ذلك، بعد أن كان الواحد منهم لا يملك غير قميص وملوطة؛ وكان المضروب أو المطلوب لبيت المحتسب لا يفرم أكثر من نصف أو نصفين بالكثير، فصار الآن يغرم المائة والمائتين والثلاث مائة والأربع والخمسمائة.
ولقد وقع لى عنده مسألة فى أمر حكمت فيه وأراد أن يرجعنى عنه فما وافقته
[ ٢٠٤ ]
على ذلك فإنى حكمت فيه على قاعدة مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة ﵁ [حكما] ليس فيه شائبة فى سابع عشر رجب سنة أربع وسبعين وثمانى مائة، وأمرى وإياه إلى الله يحكم بيننا بعدله.
وكثر القال والقيل بين الخلق لعدم زيادة النيل مع أن الباقى عليه إصبع، ثم شاع أنه أوفى فلم يصح ثم نقص، وبادر الخزانون فى الغلال يخزنونها فعليهم من الله ما استحقوه. ولما بلغ أهل البلاد ذلك مسك الجالبون بيعهم وامتنعوا مطلقا، وبعد أن كانت المراكب على ساحل مصر وبولاق بالغلة رحلوا عنها إلى طرى وما فوقها لينظروا ماذا يتفق، فقدّر الله سبحانه من كرمه أن زاد فى يومه وأوفى الستة عشر ذراعا وإصبعين من الذراع السابع عشر، فعلق الستر فى آخر هذا اليوم الذى هو الثانى والعشرون من مسرى القبطى، السادس أو السابع عشر من شهر تاريخه، وتأخر هذا عن العام الماضى يومين فى الزيادة بواسطة مقطع انقطع بالجيزية يسمى مقطع الرّمل، وتوجّه إليه الأمير جانم دوادار عظيم الدنيا ومدبرها الدوادار الكبير وما مع ذلك وصحبته الأمير تغرى بردى الخازندار وقاسم المتحدث فى الوزر بطريق النيابة عنه، وأخذوا معهم جانبا كبيرا من الأخشاب وما شابهها لسدّه وخلقا ليساعدوهم، وكان البحر لما نقص رسم السلطان - نصره الله - للوالى أن يتوجه بأعوانه إلى الروضة ومصر وينادوا «أن أحدا لا يفعل منكرا ومن وجد عنده شئ من المنكر ينكّل به» فإن السلطان كان قبل ذلك - أعنى فى هذا اليوم - يركب ويتوجه إلى طرى ومصر فيصلى ويدعو الله بحسن العاقبة.
وأصبح يوم الخميس تاسع عشر فركب المقرّ الأشرف العالى السيفى جانبك قلقسيز أمير سلاح وتوجه إلى مصر حسب المرسوم الشريف، فنزل الحراقة وصعد المقياس وصلى على القاعدة المعهودة، ومد له المدة الهائلة
[ ٢٠٥ ]
من الغنم المشوى والفوا كه والحلوى، وصار الخلق فى البحر حول مركبه وهم يدعون ويبتهلون لما عندهم من الفرح والسرور، وفتح فم البحر لما وصل إلى السد، وخلع على الوالى وعلى من له عادة من أمناء النيل وغيرهم، وركب للقلعة لحضرة السلطان فخلع عليه فوقانيا بطراز زركش، وقرر له فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، وركب فى خدمته عدة من الخاسكية ورؤس النوب وتوجّه إلى داره فى جحفل عظيم وهو تك جسيم، وقصد السلطان بذلك جبر خاطره فإنه قاسى أهوالا شديدة فى أسر شاه سوار.
وتكرر ركوب السلطان وقلة العسكر فى خدمته إلاّ العدد القليل وأشاعوا أن المقر الأشرف الكريم العالى عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله يستقر فى نيابة دمشق، فلا حقق الله ذلك ولا حرمنا فضله نحن والفقراء والمساكين.
ثم انثنى عزم السلطان - نصره الله - عن ذلك وصار الأمر بين اثنين: إما جانبك قلقسيز أو جانبك (^١) الفقيه من ططخ، فقدر الله أن السلطان فى يوم الخميس خامس عشر من صفر الموافق لآخر مسرى القبطى طلب الأمير برقوق (^٢) الناصرى الظاهرى جقمق، وخلع عليه واستقر به فى نيابة الشام عوضا عن بردبك البجمقدار بحكم وفاته. وهذه ولاية لم تعهد لمثله، فإنه من إمرة عشرة انتقل إلى شادّ الشراب خاناه، وانتقل من الشادية إلى إمرة مائة وتقدمة ألف، من التقدمة إلى نيابة الشام، وبكى وتمنّع فقلت: لعل هذا البكاء من الفرح كما قال الشاعر الأديب الباهر:
هجم السّرور علىّ حتى إننّى … من فرط (^٣) ما قد سرّنى أبكانى
_________________
(١) راجع الضوء اللامع ٣/ ٢١١، وأمامها فى هامش المخطوطة «استقرار برقوق فى نيابة الشام».
(٢) راجع الضوء اللامع ٣/ ٤٩.
(٣) فى الأصل «عظم».
[ ٢٠٦ ]
وأقول متمثلا:
لقد (^١) هزلت حتى بدا من هزالها … كلاها وحتى استامها كلّ مفلس
وأعجب من هذا أنه نقل من كشف التراب بالشرقية إلى نيابة الشام، ومع هذا يمتنع ويحلف أن ليس له غرض، وعندى أن هذا انتهاء سعده، وغاية مأموله وجدّه، وتمام سعادته ورفده، وقد قال الأفاضل الأماثل:
«توقّ إذا قيل تم».
واتفق للقاضى أبى بكر الأبشيهى (^٢) - أحد نواب الحكم الشافعى القاطن بمدرسة جانبك خارج باب زويلة - مشاجرة هو والقاضى شهاب الدين [بن يوسف الصوفى (^٣)] بسبب خطابه فى مدرسة (^٤) مغلبية طاز الذى كان أحد المقدمين الألوف فى دولة الظاهر خشقدم، وآل أمرهما إلى الوقوف للسلطان، والمؤلّب على اأبشيهى - كما بلغنى - الشيخ الإمام البرهان الكركى (^٥) إمام المقام الشريف نصره الله، وأظهر الإبشيهى خفة وصار يقول عن نفسه إنه عالم وله مصنفات ومؤلفات، فأهين ولم يلتفت إليه، ولولا إغاثة الله تعالى بملاحظته رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى - كاتب السر حفظه الله على المسلمين - ما حصل عليه خير، ومع ذلك رسم السلطان لنقيب الجيش: أن يكتب عليه قسامة أن لا يعمل قاضيا ولا شاهدا (^٦)، ثم بلغنى أنه وقف
_________________
(١) فى الأصل «ولقد» وقد حذفت الواو ليستقيم الوزن.
(٢) انظر الضوء اللامع ١١/ ٢١١.
(٣) فراغ فى الأصل، ومكانة كلمة «كذا» وقد أضيف ما بين الحاصرتين بعد مراجعة الضوء اللامع ج ١ ص ٦١ س ١٩.
(٤) الوارد فى الضوء ١٠/ ٦٦٧ أن مغلباى طاز (وليس مغلبية) بنى جامعا بنواحى الصليبة وليس مدرسة.
(٥) السخاوى: شرحه ج ١ ص ٥٩ - ٦٤.
(٦) فى الأصل «مشاهدا».
[ ٢٠٧ ]
وشكى حاله لعظيم الدنيا الدوادار الكبير فعطف عليه وشفع فيه ورسم أن يكون على عادته، ومن عارضه يكون خصما لعظيم الدنيا الدوادار الكبير، وإلى الله المصير.
وخرجت تقدمة الأمير برقوق الذى استقر فى كفالة دمشق لخير بك (^١) من حديد الأشرف برسباى، وخرج إقطاع خير بك المذكور لجانبك (^٢) حبيب واستقر أيضا فى تقليد نيابة الشام، والله يهدينا إلى دار السلام.
واتفق أن رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى - كاتب السر حفظه الله على المسلمين - حصل له توعّك فى باطنه من ليلة الخميس خامس عشرى شهر تاريخه - أعنى صفر - وانقطع، ثم صلى الجمعة بالجامع ورجع فاختفى عدة أيام، وتألّم الناس لضعفه فإنه روح الوجود، وهرع الأكابر والأصاغر للسلام عليه حتى عظيم الدنيا الدوادار الكبير والمقر الأتابكى فإنه صار والدهم فى الخير، وأخاهم فى السن، وولدهم فى التواضع إلى غير ذلك من الأفعال الجميلة الجليلة، وعندى من عظم دعائى ومحبتى له حبه ما يوازى حبى للناس الموجودين فى عصره من جنسه، فإنه مرصد لغوث الملهوفين ونصرة المظلومين.
وفى يوم الأحد سابع عشريه ظهر القاضى تاج الدين عبد الله بن المقسى، ورسم له بمباشرة وظيفة الخاص بعد الترسيم على الأمير عبد الرحمن بن الكويز، وهرع الناس للسلام عليه فى داره، وباشر فى خدمته مباشرو (^٣) الخاص، وأصبح من الغد الذى هو الاثنين تاسع عشريه فخلع عليه طرحة (^٤) وطراز زركش، وركب فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، وكان له محفل هائل من شموع
_________________
(١) الضوء اللامع ٣/ ٧٧٨.
(٢) ويعرف بجانبك العلائى بن أقبرص، شرحه ٣/ ٢٣٦.
(٣) فى الأصل مباشرون.
(٤) فى الأصل «طرحا» وقد دأب الجوهرى على استعمال هذا اللفظ بدلا من «الطرحة».
[ ٢٠٨ ]
أوقدت، وثياب زينت، ومغانى فى عدة حوانيت ركزت، وإظهار الفرح والسرور، حتى تلطخ (^١) أعوانه وحفدته بالزعفران، وركب معه المباشرون خلا رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى - كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين - لضعفه وانقطاعه، عافاه الله وشفاه، فركب معه عظيم الدنيا الدوادار الكبير، لكن ابن المقسى كان يحجبه والقاضى الحنفى ابن الشحنة، وكان بإزاء الدوادار متحدثا معه وركوبه معه لأجل مرتباته ومرتبات أولاده فى الخاص، وكان اتفق له الركوب مع ابن الكويز لما وليها، وذمّ الناس مباشرة ابن الكويز لأمور منها عدم سعده، ومنها تحريّه فى أموره بالنجم والرمل والميقات، ومنها سعيه على صهره فى وظيفته، ولم يرض فى مباشرته أحدا من السلطان فمن دونه، فسبحان مقلب القلوب ومغير الدول، لا إله إلا هو.