أهل بالسبت لأن المحرم جاء تماما.
فيه انتشر الطاعون بالثغر السكندرى وأعماله.
وفى ثانيه الذى هو الأحد ركب السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - من قلعة الجبل وفى خدمته الأمراء (^١) والخاصكية بغير قماش الموكب، وتوجه إلى جهة العدوية (^٢)، فوجد قد نصب له بها خام عظيم بجوار زاوية الشيخ الرفاعى على شاطئ النيل، ولما قارب السلطان المكان المذكور نزع سلاريه وعباءة فرسه وأطلق لها العنان فسارت به غارة، وصحبته أعيان عسكره حتى وصل إلى المعيصرة فى مشوار واحد، وعاد إلى مخيمه بالعدوية فنزل به ومد له السماط فأكل هو والأمراء، واستمر به إلى بعد الظهر قدم له مدة أخرى من البطيخ والأجبان والمخللات شيئا كثيرا بحيث إنه كفى العسكر
_________________
(١) ابن إياس: بدائع الرهور، ٣/ ١٧، ١٨.
(٢) انظر ياقوت المعجم، ٣/ ٦٢٤، ومراصد الاطلاع ٢/ ٩٢٤.
[ ١٢ ]
وفضل منه أشياء كثيرة، وعاد إلى القلعة فوصلها قبيل العصر.
وفى يوم الخميس سادسه خلع على بلباى الظاهرى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة واستقر به فى نيابة الإسكندرية (^١) عوضا من الأميرقا نصوه اليحياوى بعد عزله عنها قبل تاريخه وقدومه القاهرة ليستقر فى نيابة طرابلس.
وفى السبت ثامنه برز المرسوم الشريف لوالى القاهرة بالنداء فى القاهرة ومصر أن الفلوس الجدد كل رطل بأربعة وعشرين درهما. (^٢)
وفى الإثنين عاشره ورد الخبر من دمياط بوفاة الأمير مغلباى (^٣) طاز الأبو بكرى المؤيدى بها فى يوم الخميس سادسه، وحضرت رمته إلى القاهرة فدفنت بالصحراء وسيأتى ذكره (^٤) فى الوفيات على العادة.
(ا) وفى هذا اليوم (^٥) نودى بالقاهرة وظواهرها حسب المرسوم الشريف أن الإردب القمح بأربعمائة درهم، وهددوا من باع بأكثر من ذلك، فلم يكترث أحد بهذه المناداة، وأن القمح كان وصل إلى ستمائة درهم الأردب، والشعير إلى ثلثمائة، والفول إلى مائتى (^٦) درهم، فأصبح سعر القمح بعد المناداة إلى سبعمائة الإردب، وكذلك الشعير والفول، وسبب ذلك أن البحر كان توقف عن الزيادة من يوم الثلاثاء رابع صفر الموافق لآخر مسرى (^٧) أياما كثيرة، فقلق الناس من عدم الزيادة وحصل عندهم هلع وجزع، ثم جاءت الزيادة فامتنع الناس
_________________
(١) ابن إياس: شرحه، ٣/ ١٨.
(٢) ابن إياس: شرحه، ٣/ ١٨.
(٣) الضوء اللامع السخاوى ١٠/ ٦٦٧.
(٤) راجع ترجمة ٢٤ فى وفيات هذه السنة.
(٥) أمام هذا السطر فى الهامش عبارة «تسعير القمح».
(٦) فى الأصل «مائتين»، وسيصح أمثال هذا الخطأ فيما يلى دون الإشارة إلى ذلك فى الهامش.
(٧) الوارد فى التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٧، أن الأحد هو أول صفر ٨٧٣، ويوافق الثامن والعشرين من مسرى ١١٨٤ ق.
[ ١٣ ]
من بيع القمح والناس محتاجون له، فزاد سعره، ثم زاد البحر بعد ذلك ووفى ما كان نقصه، فلله الحمد.
وفى يوم الخميس العشرين من تاريخه قدم المقر الأشرف الكفيلى أزبك نائب الشام إلى الديار المصرية وصعد القلعة وتمثل بين يدى السلطان - نصره الله - فرحّب به وأكرمه وخلع عليه بوظيفة الإمرة الكبرى (^١)، واستقر به أتابك العساكر المنصورة عوضا عن جانبك الإينالى قلقسيز الأشرفى برسباى بحكم القبض عليه عند شاه سوار، وتمنّع الأمير أزبك من الدخول فى الوظيفة تمنّعا زائدا كون صاحب الوظيفة فى قيد الحياة، ثم لبس بعد ذلك، فشق ذلك فى الباطن على السلطان كونه أرضى العسكر بمراعاة جانبك هذا؛ وكان لقدوم الأمير أزبك المذكور يوم مشهود (^٢) لم يشهد مثله إلا فى النادر، فإن أعيان المملكة وأمراءها وأماثلها وكبراءها احتفلوا به ولا قوه إلى قطيا (^٣) وما فوقها ومادونها.
وكان الأمير أزبك وصل إلى خانقاه سرياقوس (^٤) يوم الثلاثاء، ثم جاء فى يوم الأربعاء إلى الريدانية (^٥) خارج القاهرة فبلغ السلطان ذلك، فنزل إليه محتفيا فى نحو عشرة أنفس وسلم عليه، فابتهج به غاية الابتهاج وجلس عنده ساعة طويلة.
_________________
(١) راجع ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٨.
(٢) فى الأصل «يوما مشهودا».
(٣) قرية قرب الفرما فى الطريق بين مصر والشام، وهى تعتبر المجاز بينهما، راجع يالوب الحموى: معجم البلدان ٤/ ١٤٤، ابن عبد الحق البغدادى: مراصد الاطلاع ٣/ ١١١١، ويذكر المرحوم محمد رمزى فى القاموس الجغرافى (البلاد المندرسة) ص ٣٥١ أنها قد اندثرت ولم يبق منها سوى أطلال فى الطريق بين القنطرة والعريش.
(٤) خانقاه سرياقوس من إنشاء الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان بها مائة خلوة لمائة صوفى.
(٥) وذاك نسبة إلى بستان كان قد أنشأه ريدان العقلى أحد موالى العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله قرب العباسية بالقاهرة الآن، راجع المقريزى: الخطط ٢/ ١٣٩.
[ ١٤ ]
وفى هذا اليوم الذى هو العشرون (^١) من شهر تاريخه ويوافقه ثامن عشر توت القبطى فتح جسر بنى منجا (^٢) والبحر يومئذ فى ثمانية عشر ذراعا وإثنى عشر إصبعا إن صدق الأمين، وهو نهاية زيادة النيل فى هذه السنة، وليته ثبت بل نقص نقصا فاحشا، ولا زال ينقص إلى أن انكشف.
وحصل فى زيادة هذا النيل غريبة هى أن أرباب التقويم أجمعوا أن البحر يعلو إلى أن يصل إلى زيادة عن تسعة عشر ذراعا وكذلك مراد خوس لماقيست فى يوم عيد ميكاييل جاءت عشرين ذراعا فأخطئوا أجمعين (^٣)، وجاء الأمر بخلاف ما قالوا، فسبحان من لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى واختار من رسله وأصفيائه.
وفى الإثنين رابع عشريه خلع على الأتابك أزبك من ططخ خلعة نظر البيمارستان المنصورى (^٤) على عادة من تقدّمه من الأتابكية، وتوجه إلى المرستان المذكور فى محفل عظيم وهو تك جسيم، فكشفه ووصّى على المرضى وضربت رنوكه، ورجع إلى داره مكرما مبجلا معظما.
وفى يوم الخميس سابع عشريه خلع على الأمير قانصوه اليحياوى الظاهرى المعزول عن نيابة الاسكندرية واستقر فى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير إينال الأشقر بحكم انتقاله إلى نيابة حلب عوضا عن الأمير بردبك الفارسى المشهور بالبجمقدار بحكم انتقاله عنها إلى نيابة دمشق، عوضا عن الكفيلى أزبك من
_________________
(١) فى الأصل «العشرين».
(٢) انظر ابن دقماق: الانتصار ٥/ ٤٦، المقريزى: الخطط ٢/ ١٥١.
(٣) فى الأصل «أجمعون».
(٤) هو المارستان الذى بناه المنصور قلاوون بخط بين القصرين بالقاهرة المعزية، انظر فى ذلك النويرى: نهاية الأرب، ج ٢٩ ورقة ٢٨٢ ا (دار الكتب)، الخطط ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠
[ ١٥ ]
ططخ بحكم انتقاله عنها إلى أتابكية مصر، عوضا عن الأمير جانبك الإينالى المشهور بقلقسيز الأشرفى، بحكم القبض عليه عند شاه سوار.
وفى يوم السبت تاسع عشريه وصلت رمة خوند (^١) بنت الملك الأشرف إينال زوجة الأمير يونس - الدوادار الكبير كان (^٢) من اسكندرية إلى القاهرة، فحضر السلطان نصره الله الصلاة عليها بمصلى الجوينى، ودفنت بمدرسة أبيها التى أنشأها بالصحراء خارج القاهرة، وكانت توجهت مع والدتها خوند زينب (^٣) بنت ابن خاص بك لزيارة أخيها الملك المؤيد أحمد ولحضور ختان ولده، فحال وصولهم للثغر مات الولد الذى (^٤) يريدون ختانه، ثم طعنت هى وماتت فحملت رمتها إلى القاهرة. وماتت وسنها دون الثلاثين سنة.
وانقضى هذا الشهر ولم ينفق السلطان الجامكية على أولاد الناس (^٥) ولا الفقهاء والمنجمين ولا على مضاف كبار الدولة وعوّقوا الجميع، ولم ينفق سوى المماليك، ووقف له جماعة ممن لم ينفق عليهم فوعدهم أن يصرف لهم بعد فراغ نفقة المماليك السلطانية، وخاطبه (^٦) الأعيان فى ذلك وحذروه قطع الأرزاق، وخاطبوه بكلام فيه نفع لدنياه وأخراه، فأجاب أنه ينفق لهم فى ثامن شهر ربيع الأول، وأخذ يتألم مما الناس فيه من الغلاء ونزول البحر بسرعة وما حصل فى البلاد من الشراقى، والمصيبة العظمى والطامة الكبرى فتنة شاه سوار وما صرف بسبب هذه الفتنة على التجاريد المتوجهة إليه، ونفود ما فى الخزانة من الأموال، مع القلق الزايد من هذا الأمر، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
***
_________________
(١) ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٨، السخاوى: الضوء اللامع ١٢/ ٥٥٦.
(٢) أى الذى كان دوادارا كبيرا، وهو تعبير شائع الاستعمال فى كتابات مؤرخى مصر المملوكية فى نهاية القرن التاسع الهجرى.
(٣) راجع ترجمتها فى الضوء اللامع ١٢/ ٢٦١.
(٤) فى الأصل «الذين».
(٥) هم فرقة حربية فى الجيش المملوكى كانت مقصورة على أبناء أمراء المماليك.
(٦) فى الأصل «وخاطبوه».
[ ١٦ ]