أهل بيوم الخميس (^١) ولله الحمد وقد قل الطاعون بالديار المصرية، ووصل عدد من يموت بمصلى باب النصر إلى ثمانية وثلاثين نفرا، وبمصلى المؤمنى سبعة عشر نفرا، غير أن العلة موجودة كثيرا، والموت فاش.
وفيه خلع على الأمير قانباى آص الساقى الظاهرى واستقر فى الحجبة الثانية عوضا عن جكم [الظاهرى خشقدم] (^٢) ابن أخت السلطان الملك الأشرف قايتباى - عز نصره - بحكم وفاته.
وفى يوم السبت ثالثه قدم الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق
_________________
(١) فى التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٧ أن أوله الجمعة الموافق له ١٩ برمودة و١٤ أبريل ١٤٦٨ م.
(٢) أضيف ما بين الحاصرتين من السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ٢٩٤ وإن جعل تاريخ وفاته فى سنة ٧٣٣ هـ.
[ ٦١ ]
من ثغر الاسكندرية إلى القاهرة بسؤال منه للسلطان - نصره الله - فى ذلك، وإذنه له ليحج حجة الإسلام، وطلع المنصور من فوره إلى القلعة ونزل عن فرسه من باب (^١) المدرج ودخل إلى السلطان بالدهيشة، واستمر السلطان جالسا (^٢) على مدورته (^٣) إلى أن قاربه المنصور، ووصل إلى ثلثى الإيوان قام [السلطان (^٤)] إليه وأراد السلطان يعتنقه، فأهوى المنصور إلى ركبة السلطان ليقبلها والشباك عن يمينه، وجلس المنصور تجاهه والمرتبة (^٥) خلفه والشباك عن يساره - وتكلما ساعة، فخلع عليه كاملية مخمل أحمر بمقلب سمور وعليها فوقانى (^٦) بوجهين يطرز زركش؛ ولما تم لبسه ومشى إلى نحو السلطان خطوات قام له السلطان فقبّل المنصور الأرض فنهاه السلطان عن ذلك بعد أن فعله، وعاد المنصور إلى منزله بعد أن عين له السلطان فرسا خاصا أدهما بسرج ذهب وكنبوش زركش ركبه من باب الساقية، وتوجه إلى باب الحريم فوقف هناك وأرسل السلام لخوند جهة السلطان - نصره الله -، فلما عاد ﵇ توجه لمنزله الذى نزل فيه - وهو ببيت صهره زوج أخته المقر الأشرف الأتابكى أزبك من ططخ ببين الصورين وهو مسافر مقدم العساكر لقتال شاه سوار المخذول.
_________________
(١) هو أحد أبواب القلعة الثلاثة وأعظمها، ويعرف أيضا بباب الدرفيل وهو بجانب خندق القلعة، وكان يعرف قديما بباب سارية، انظر القلقشندى: صبح الأعشى ٣/ ٣٧٢، والمقريزى: الخطط ٢/ ٢٠٥.
(٢) فى الأصل «جالس».
(٣) عرفها القلقشندى: صبح الأعشى ٣/ ٥٢٣ بأنها مائدة من فضة تنصب على الكرسى وعليها الأوانى الذهبية والصينى الحاوية للأطعمة الفاخرة.
(٤) الإضافة للايضاح.
(٥) عرفها دوزى Supp.Dict.Arabes، I،٥٠٨ بأنها العرش.
(٦) فى الأصل «فوقانيا».
[ ٦٢ ]
ورسم السلطان للأمراء والأعيان بالركوب فى خدمته (^١) وبين يديه، فهرعوا له زمرا زمرا وأفواجا أفواجا، ومع هذا كله لم يكن لحضور المنصور ودخوله القاهرة كبير أمر باعتبار أنهم ما احتفلوا بقدومه ولا بملاقاته بالنسبة لمقامه، فإنه فى الحقيقة أستاذهم وابن استاذهم، فانظر لهذه الدنيا وفعلها بملوكها والمغرمين بها، فسبحان الخالق المعطى الذى بؤتى الملك من يشاء، لا إله إلا هو جل وعلا.
وفى الواقع فما رأينا سلطانا أعظم ولا أضخم ولا أشهم ولا أفرس ولا [أكثر (^٢)] توكّلا على الله من هذا السلطان الملك الأشرف نصره الله كونه يحضر من كان سلطانا وابن سلطان بل أستاذه وابن أستاذه إلى القاهرة ويصعد إليه لقلعة الجبل، وغالب من بالبلد من الأمراء والمماليك من عتقاء أبيه ومماليكه بعد أن خلع من الملك من سابع شهر ربيع الأول من سنة سبع وخمسين وثمانى مائة كما هو مسطور فى تاريخنا (^٣) المقدم ذكره. وما رأينا فى الدول الماضية من وقع له مثل هذا إلا إن كان الملك العادل كتبغا المنصورى، فإنه أيضا خلع من السلطنة ثم ولى بعد ذلك نياية صرخد (^٤) ثم نيابة حماه بعدها، ثم دخل بعد ذلك وفى أثنائه مسلما على الملك الناصر محمد بن قلاون فى سلطنته الثانية فى نيابة سلار وتحدث بيبرس الجاشنكير ثم عاد إلى حماه، وقد تقدم لنا أمر كتبغا هذا مفصلا فى تاريخنا الكبير المسمى «بنزهة (^٥) النفوس والأبدان فى تواريخ الأزمان» فمن أراد الوقوف فليراجعه.
وفى الاثنين خامسه خلع على الأمير يشبك (^٦) من جندر الأشرفى إينال
_________________
(١) أى فى خدمة الملك المنصور عثمان بن جقمق.
(٢) أضيفت هذه الكلمة لتستقيم العبارة.
(٣) يقصد بذلك نزهة النفوس والأبدان.
(٤) هى قلعة حصينة وولاية واسعة ملاصقة لبلد حوران، انظر مراصد الاطلاع ٢/ ٨٣٨ Dussaud:Topographie Historiq ue de la Syrie،pp.٣٦٦ et seq .
(٥) يقوم محقق هذا الكتاب بنشر نزهة النفوس (الأقسام المبتدئة يبرقوق).
(٦) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ١٠٨٠.
[ ٦٣ ]
أحد الأمراء العشرات، واستقر فى ولاية القاهرة عوضا عن خجداشه قانباى (^١) الحسنى الأشرفى إينال بحكم وفاته بالطاعون.
وفيه خلع على الأمير خشقدم [الظاهرى (^٢) جقمق الرومى اللالا] الأحمدى الطواشى رأس نوبة الجمدارية عوضا عن خجداشه شاهين (^٣) الساقى بأشهر، وهى شاغرة.
وفيه خلع على مرجان (^٤) التقوى الطواشى الحسنى شيخ الخدام بالحرم الشريف النبوى - على ساكنه أفضل الصلاة والسلام - عوصا عن سرور الطرباى (^٥) الحبشى الخصى بحكم وفاته، ولها أيضا أشهر شاغرة.
وفى يوم السبت عاشره سافر عظيم الدنيا ومشيرها ومدبرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وما مع ذلك يشبك من مهدى الظاهرى - مهد الله له البلاد وحفظ وجوده على المسلمين - إلى البحيرة، وصحبته عدة من أنياته ومماليك السلطان ومماليكه لقتال العربان بها الخارجين عن الطاعة وإرداعهم (^٦).
وفى هذا اليوم أضاف (^٧) السلطان الملك الأشرف قايتباى - عز نصره - المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق عنده بالقلعة ضيافة ملوكية، وكيفية (^٨)
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ٦/ ٦٥٩.
(٢) الإضافة من السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ٦٨٢.
(٣) السخاوى: الضوء ٣/ ١١٢٨.
(٤) السخاوى: الضوء ١٠/ ٦٠٧.
(٥) أورد السخاوى اسمه فى ترجمة مرجان (الضوء ١٠/ ٦٠٧) برسم الطربيهى ثم عاد مرة أخرى، شرحه ٣/ ٩٢٣ فرسمه بالصورة الواردة فى المتن أعلاه، هذا وقد مات سرور الطرباى فى صفر من هذه السنة.
(٦) يقصد بذلك ردعهم.
(٧) يقصد بذلك «استضاف».
(٨) وردت هذه العبارة فى الأصل على الصورة التالية «وكيفية الإضافة أو الأتابك أن السلطان أرسل يعرف … الخ» وقد عدلناها إلى ما هو بالمتن لتستقيم الجملة.
[ ٦٤ ]
الضيافة أن السلطان أرسل يعرّف المنصور بذلك، فركب المنصور من دار صهره الأتابك أزبك من بين السورين (^١) وصعد لباب (^٢) القلة فنزل هناك عن ظهر فرسه، ودخل ماشيا إلى باب الحوش السلطانى فجلس فيه قليلا إلى أن طلبه السلطان وجاءه الإذن بالدخول الى البحرة التى جددها الملك الظاهر خشقدم، فجلس قليلا وطلبه السلطان إلى أعلى البحرة القديمة، فبمجرد وقوع بصر السلطان - نصره الله - على المنصور قام له وجلسا بغير مرتبة، غير أن كلا منهما جلس على مقعد، ثم حضر الفطور من الأشربة وغيرها فتناولا منه المعتاد، ثم حضر السماط الملوكى المفتخر فأكلا، ولم يحضر السماط أحد من الأمراء المقدمين الألوف غير الأمير جانبك من ططخ الأمير آخور الكبير وبعض أمراء عشرات وبعض خاصكيته، ولما انتهى السماط وقدّموا المشروب من السكر وغيره رسم السلطان بكاملية مخمل أخضر بسمور بمقلب سمور ليلبسها الملك المنصور، فحضرت ولبسها وقاما واعتنقا وانصرفا، وفى الحال رسم السلطان الملك المنصور أن المركوب الذى طلب له يركبه من باب البحرة من الحوش السلطانى، فركب كما رسم وتوجه إلى منزله. ثم إن السلطان أرسل إليه يخبره فى المجاورة بمكة أو العود مع الحاج إلى الإسكندرية، فاختار العود إلى الإسكندرية، واعتل بأن الإمام الأعظم أبا (^٣) حنيفة النعمان ابن ثابت الكوفى ﵁ كره المجاورة بمكة.
ثم إن المنصور شرع فى تجهيز نفسه للسفر، فأرسل إليه جميع الأمراء المقدمين (^٤) الذين بالقاهرة - كل نفر - ألفا وخمسمائة دينار، وأرسل
_________________
(١) انظر تعليقات المرحوم محمد رمزى فى النجوم الزاهرة ٤/ ٣٩ حاشية رقم ٣.
(٢) هو أحد أبواب القلعة، وعرف بهذا الإسم نسبة إلى قلة كان الظاهر بيبرس قد بناها، راجع ذلك بالتفصيل فى القلقشندى: صبح الأعشى ٣/ ٢١٢، المقريزى: الخطط ٣/ ٢٧٢.
(٣) فى الأصل «أبى».
(٤) فى الأصل «المقدمون الذى».
[ ٦٥ ]
إليه عظيم الدنيا ورئيسها ومشيرها وصاحب حلها وعقدها ومدبرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير ألفى دينار وأشياء أخر من سكر وغير ذلك.
وفى هذه الأيام رسم السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - للملك الظاهر (^١) تمربغا بفرس خاص مسروج يركبه عند توجهه للجامع ولغيره إذا أراد أن يسير أو يتنزه - بسؤال عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله على المسلمين له فى ذلك.
وفى يوم الأربعاء رابع عشره طلب السلطان - نصره الله - الشيخ (^٢) كمال الدين بن إمام الكاملية وخلع عليه واستقر به فى تدريس المدرسة المجاورة لضريح سيدنا الإمام الشافعى ﵁ من غير سعى منه فى ذلك بنفسه، غير أن العلائى ابن خاص بك (^٣) وجوهر المعينى الساقى وغيرهما تكلموا عند السلطان فى ولاية الكمال، فإنه من أعز أصحابهما وجارهما ويترددون إليه ويتردد إليهما عوضا عن زين العابدين (^٤) ولد قاضى القضاة شرف الدين يحيى (^٥) المناوى الشافعى بحكم وفاته.
وفى يوم الإثنين تاسع عشره خرج أمير الحاج - بالحجاج من القاهرة - وهو الأمير (^٦) يشبك الإسحاق الأشرفى الأمير آخور الثانى المعروف
_________________
(١) انظر الضوء اللامع ٣/ ١٦٧.
(٢) السيوطى: نظم العقيان، ص ١٦٣، السخاوى: الضوء اللامع ٩/ ٥٤٨، أما الكاملية فهى المدرسة المعروفة بدار الحديث الكاملية بخط بين القصرين، وقد أنشأها الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب سنة ٦٢٢ هـ، ووقفها على المشتغلين بالحديث النبوى الشريف ثم من بعدهم على جماعة الفقهاء الشافعية، انظر المقريزى: الخطط ٢/ ٣٧٤.
(٣) السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ٣٣٠.
(٤) هو محمد بن يحيى المناوى نسبة إلى منية ابن خصيب، راجع الضوء ١١/ ٢٢٨.
(٥) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ١٠٣٣.
(٦) السخاوى: شرحه ١٠/ ١٠٧٩.
[ ٦٦ ]
والمشهور بيشبك جن بعد أن خلع عليه الخلعة المعتادة، وخلع على أمير الأول (^١) - وهو يشبك الجمالى (^٢) - محتسب القاهرة.
وحج المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق فى هذه السنة كما قدمنا ذكر ذلك فى تقدمة الركب الأول بعودين، وقبل توجه المنصور للسفر صعد لمولانا السلطان - نصره الله - فاستضافه السلطان ثانيا وخلع عليه كاملية السفر، وتوجه بها لبركة الحاج صحبة الحجاج، فكان طلوعه إلى السلطان فى هذه السفرة ثلاث مرات.
وفى يوم الإثنين سادس عشريه الموافق له من أيام شهور القبط (^٣) ثالث عشر بشنس لبس السلطان الملك الأشرف - نصره الله - القماش الأبيض، المعد لبسه للصيف على العادة فى كل سنة، من غير موكب، وهذا بخلاف عادات الملوك، فإن العادة لا يلبس السلطان ذلك إلا فى يوم الجمعة عند دخوله إلى الصلاة بموكب وبمطعم (^٤) الطير خارج القاهرة عند الريدانية بموكب عظيم، فلم يكترث السلطان بذلك ولا التفت إليه، ولبس سلاريا بعلبكيا فى قاعة الدهيشة وخرج به إلى الحوش السلطانى.
وفى يوم الخميس تاسع عشريه وصل إلى القاهرة من البلاد الشامية المقر الشرفى الأنصارى، وتمثل بين يدى السلطان نصره الله، وأخبره أنه استخدم الرجال من البلاد الشامية من العشرات والمشاة والتركمان وغيرهم: نحو خمسين ألفا، وقيل أقل من ذلك والله أعلم، وأنفق عليهم الأموال وسيرهم صحبة
_________________
(١) أى أمير الركب الأول من الحجاج.
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ١٠٨٥.
(٣) الثالث عشر من بشنس ١١٨٤ يوافق ٢٥ من ذى القعدة حسب الجدول الوارد فى التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٧.
(٤) وكان يقع بالريدانية، ومكانه اليوم - حسب تحقيق محمد رمزى فى النجوم الزاهرة ١٢/ ٦٤ حاشية ٢ - جبانة العباسية بقرافة الغفير بمصر.
[ ٦٧ ]
العسكر المنصور المتوجه لشاه سوار المخذول، فشكره السلطان وأكرمه وسأله عن حال البلاد والعباد فذكر له ما شاهد وسمع ورأى، فطلب له السلطان كاملية صوف وفرجية سمور بمقلب سمور، فخلعها (^١) وتوجه لداره وفى خدمته أعيان الدولة ورؤساؤها، وهرع إليه الناس يهنئونه (^٢) بسلامته وعافيته.