أهل بيوم السبت ويوافقه من أيام الشهور القبطية [السابع (^١) والعشرين من برمهات ١١٨٦] لأن رمضان جاء تاما.
فيه صعد قضاة القضاة ونوابهم وبعض المشايخ إلى القلعة وكنت حاضرا
_________________
(١) الإضافة من التوفيقات الإلهامية، ص ٤٣٨ ويعادل هذا التاريخ ٢٣ مارس ١٤٧٠ م
[ ٢٦٥ ]
ودخلوا القصر السلطانى، فأفيضت الخلع على الأمراء والعساكر وقضاة القضاة وغيرهم على العادة، وكان يوما مشهودا فسبحان من خضعت لعزته العظماء من تلك ومن تلك، وأذعنت لأمره الحكماء من ملك ومن ملك، ولا ريب أن كل من ملك لله مملوك.
ووصل جماعة من علماء القدس الشريف وأجلهم أبو شريف بسبب مخاصمة وقعت بينهم وبين قاضى القدس وشيخ الصلاحية المسمى غرس الدين خليل أخى أبى العباس الواعظ. واختلف فى الحضور على أقوال، فقيل إن المقر الشرفى الأنصارى لما حضر عائدا من البلاد الشامية زار القدس الشريف فحضر إليه العلماء والفضلاء فجلسوا عنده، فجلس الشيخ أبو شريف عن ميمنة الأنصارى، وجلس غرس الدين القاضى عن ميسرته، ثم قال لأبى شريف كلاما معناه «إن هذا المجلس الذى جلست فيه مجلسى فقم منه» فأجابه بأن هذا مباح، وكان بينهما فتنة قديمة، فانتشر الكلام. واقتضى الحال - على ما بلغنى - أن عوام البلد هجموا على القاضى بيته وسبوا حريمه ونهبوا ما فيه، وكتبوا محضرا بأفعاله الذميمة وحضروا به إلى القاهرة، وأرسل القاضى كتابا بصورة الحال إلى السلطان وكتابا إلى عظيم الدنيا الدوادار الكبير - وهو يدعى أنه من جهته - وعرفهما بما اتفق له مع أهل القدس، فلما وصل خصومه تمكنوا من الوقوف بين يدى السلطان وتوجهوا لبيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله، فحال وقوع بصره عليهم أمر بإخراجهم وبهدلتهم وهو معذور لما بلغه، فخرجوا على أقبح وجه.
وغير ذلك أن شخصا من أولاد التجار المبذرين ضيّع ما كان يملكه ويعرف بابن الناصرى، مات أبوه بالبلاد اليمنية أو الهندية وخلف بهذه البلدة دورا وأموالا وديونا له وعليه، وكان الولد غائبا بمكة [فلما] حضر ليأخذ تركة أبيه ويحتاط على موجوده وديونه وجد قاضى سكندرية المعروف بابن
[ ٢٦٦ ]
جنيبات (^١) أثبت على التركة مالا جزيلا لشخص، وأرسل حكمه إلى القاهرة فنفذه له الجلال البكرى الشافعى، وحضر التركة أمين الحكم إذ ذاك القاضى تاج الدين الإخميمى الشافعى، وكان قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفى عليه للمتوفى نحو من ثلاثة آلاف دينار، وعلى المتوفى دين لشخص أكثر من ذلك، فدفعه له بحضور الجلال البكرى وحكم له وعليه بذلك وانفصل الحال وأخذ بيده مستندا. فلما حضر الوارث طلب تركة مورثه وشكى حاله لعظيم الدنيا الدوادار الكبير ووقف له مرات وذكر له: «أن القاضى ابن جنيبات - قاضى سكندرية - والقاضى جلال الدين البكرى أثبتا علىّ ما ليس له حقيقة، وأن المحب ابن الشحنة لمورثه عليه ثلاثة آلاف دينار، وأن القاضيين المذكورين صنعوا له صورة وضيعوا ما عليه من المال»، فطلب المحب أو وكيله فأرسل وكيلا عنه، وأظهر مستندا من يده يشهد ببراءة موكله، وطلب الشيخ جلال الدين البكرى فحضر ووقف من تحت المقعد وهدد ورسم عليه وأقام أياما فى الترسيم، ثم أرسل المقر الأشرف المذكور - حفظه الله - فأحضر قاضى سكندرية المشهور بابن جنيبات وأوقفه بين يديه وكلّمه وهدده ووبخه ورسم عليه، واستمر هو والقاضى جلال الدين البكرى فى الترسيم إلى أن رسم بطلوعهما بين يدى السلطان، فلما تمثلوا بين يديه وبمجرد وقوع نظر السلطان على الجلال البكرى قام إليه ونزل من أعلى الدكة وجلس على البساط وأكرمه وعظمه وقربه منه وأمر بجولسه بجانبه، وكذا رسم للقاضى تاج الدين الإخميمى ولابن جنيبات قاضى سكندرية بالجلوس. كل ذلك والأمير الدوادار الكبير - حفظه الله - يشاهد ذلك، ثم قال للجلال البكرى:
«أنت من أهل العلم ومن كبار الشافعية، فما حكم الله تعالى فى ذلك؟» فقال:
أنا نفذت حكم هذا القاضى» فقال: «على بركة الله».
_________________
(١) الضبط من ترجمته الواردة فى الضوء اللامع ٣/ ١١٦٢.
[ ٢٦٧ ]
وكان ابن جنيبات حكم للمقر الشرقى الأنصارى فى أشياء من دور وغير ذلك فنفذها الجلال البكرى، ثم سأله عن حكمه فى المال الذى كان على قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة لتركة الناصرى فقال كلاما معناه إن ابن الشحنة أقبض ما كان عليه لمن يستحق قبض ذلك غير أنه بحيلة، وهو أنه صار يدفع له حريرا ومالا ويستعيده، فقال له السلطان نصره الله: «الحيلة صحيحة فى مذهبك؟» فقال: «نعم» فقال: «إعمل الشرع فى ذلك» وأقرّه عليه وطيب خاطره وأمره بالانصراف إلى حال سبيله، وكذا للإخميمى وقاضى الاسكندرية.
فلما انصرفوا من مجلس السلطان أشار الأكابر من أعيان الدولة على الجلال البكرى بتوجهه إلى بيت الأمير الدوادار الكبير لئلا يتحمل عليه، فتوجه هو والإخميمى وقاضى الاسكندرية لبيته، ووقفوا من تحت المقعد أيضا بين النقباء والعوام، وصار الأمير جالسا بالمقعد وعنده جماعة من المشايخ ونواب القضاة ما فيهم إنسان يقوم للجلال بل يتشاغلون عنه حتى إن ابن قمتى - رأس نوبة الأمير المذكور حفظه الله - أمره بالجلوس على دكة لطيفة تحت المقعد فجلس يسيرا، ثم إن الأمير حفظه الله أمر الجلال وابن الإخميمى بالتوجه لحال سبيلهما ورسم على ابن جنيبات قاضى الاسكندرية، وأمره أن يحضر البينة التى شهدت عنده حتى أثبت ونفذ له؛ فاستمر فى الترسيم، ثم عملت مصلحة الولد من المقر الشرفى الأنصارى، ووقع بينهما تبارى، ومن ثم عزل الشيخ جلال الدين المذكور نفسه من القضاء والحكم بين الناس واستمر معزولا بداره بطالا مقهورا يدرس ويفتى ويشغل بالعلم واستراح، فإن الشهود والوكلاء كانوا يحضرون إليه بالأشغال الصعبة يأخذون فيها الجمل من الأموال فيعطونه فيها أدنى شئ ويحملونه مالا يطيق حمله. فأراحه الله.
يوم الاربعاء رابعه خرج خام عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها
[ ٢٦٨ ]
ومشيرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وما مع ذلك دامت سعادته من داره ونصبت بالقرب من سبيل ابن قايماز بالقرب من تربته التى أنشأها، ونصب خيمة عظيمة لم ير مثلها إلا نادرا، ونصب حولها خمسة عشر صوانا بين كل صوان ورفيقه خمس قباب، ونصب خيمة عظيمة مقابل المدورة وسماها الركتخاناه وغير ذلك من صواوين (^١) كبار عظام وشتل وغير ذلك.
وأما ما يحكى عن بركه ويرقه الذى جهزه فى هذه السفرة فيكاد لا يكون إلا لمن يكون سلطانا عظيما من الملوك المتقدمين. وبلغنى أن صحبته من مماليكه المشتروات أربعمائة نفر ومن الخدامة مائتين، ومن الخيول فلعل (^٢) مائتى فرس وغالبهم بالسروج لذهب والكنابيش الزركش الخاص، وأما الدشار من الخيول فشئ [كبير] جدا، وأما الهجن الخاص فنحو المائة هجين، وأما الجمال فشئ كثير لا يحصر، وأما اللبوس والقرقلات والخوذ والسيوف والرماح والزردخاناه فأمر عظيم إلى الغاية والنهاية، حتى إن غالب مماليكه ينعلون الخيول ويدقون الطبلخانة ويزعقون بالنفير السلطانى، وفى نفس الأمر فالخام والبرك والمتاع والمال الذى خرج به هذا الأمير المعظم والكهف المفخم لم يسبقه إليه أحد من الأمراء إلا السلاطين، وهو فى حقيقة الحال نادرة من نوادر الزمان، عامله الله باللطف والإحسان.
وبلغنى أن الخلع التى جهزت صحبته نحو ألف خلعة ما بين سلاريات وكوامل وفوقانيات وغير ذلك، وسافر باشا على العساكر المصرية والشامية، وحاكما فى البلاد جميعها يعزل من يشاء ويولى من يشاء ويفعل أفعال السلطان، فألهمه الله العدل والحق فى أقواله وأفعاله، ونصره على أعدائه وأعداء الإسلام.
_________________
(١) فى الأصل «صوانين».
(٢) معنى بذلك «ما يقرب من».
[ ٢٦٩ ]
آمين، وأصحبه بالسلامة فى السفر والإقامة، إنه على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
وفى حادى عشر شهر تاريخه توجه المقر الشرفى الأنصارى إلى البلاد الشامية ليتقدم الأمير الدوادار حفظه الله ويعرض عليه الرجال والسلاح، وقبض الأموال وصرفها بمشاورته فى ذلك وهو فى غاية الوجل والخوف من حرمة الأمير، فالله يحميه منه ويعطفه عليه وهو أيضا ملحوظ بالصلحاء والفقراء فيؤمنه الله.
وفيه توجه السيد الشريف علاء الدين القصيرى [الكردى] ناظر الأشرف إلى البلاد الشامية والحلبية فى مهمات السلطان نصره الله وأعلى مقامه، وترافق هو والمقر الشرفى الأنصارى فى السفر، وأذن السلطان له فى التكلم على المساجد والجوامع والأوقاف وعزل من أراد، واستمرار من اختار من القضاة وغيرهم مطلقا خلا القضاة الكبار، وهو فى ضخامة ومهابة.
وتقدم قبل هذا بأيام عزل السلطان لنائب قلعة حلب المسمى بيبرس الذى وقع له من نائب حلب ما وقع من ضربه له بطبر وغيره، واستقر عوضه بشخص من أمراء حلب يسمى ابن لبينة واستقر بيبرس المذكور أتابك قلعة طرابلس، وأطلق أحمد (^١) بن الزينى عبد الرحمن بن الكويز من ترسيم الدودار الكبير على دين لأبى الخير الفراء قدره ثمانمائة دينار بعد أن كان فى السجن بالقاعة التى يسجنون فيها غرماء الوزير والأستادار، فالحمد لله الذى أنجده ونظر إليه وحنن عليه قلوب عباده.
_________________
(١) انظر السخاوى: الضوء اللامع ج ١ ص ٣٢٨.
[ ٢٧٠ ]
وفى يوم الأحد تاسعه دار النفطية والزدكاشية الذين بخدمة عظيم الدنيا الدوادار الكبير - يسر الله له كل عسير - بالنفوط التى صنعوها، ودار يشبك من حيدر نائب السلطنة بالنفط الذى صنعه برسم السلطان، وأنعم عليه بمائة دينار فإنهم أطلقوه (^١) بحضور السلطان فى الرميلة وهو جالس بالقصر الأعظم والأمراء حاضرون فإنها ليلة موكب، واجتمع لهذا النفط النساء والرجال والشيوخ والصغار وغالب سكان مصر، وانقلبت مصر والقاهرة لأجله وتهتكوا.
وأصبح يوم العاشر من شهر تاريخه فداروا بطلب الأمراء المتوجهين للسفر فى خدمة عظيم الدنيا ومالك حلها وعقدها يشبك من مهدى أمير دوادار الكبير والسلطان نصره الله والأمراء فى خدمته بالقصر ينظرون ذلك، فأول طلب مر عليهم هو طلب الأمير برسباى (^٢) المحمدى الظاهرى جقمق المعروف بقرا أحد مقدمى الألوف ولا بأس به، مع أن معه عددا من مماليكه ملبسين وهو متوسط، وخير الأمور الوسط، ثم طلب الأمير خير بك حديد الأشرفى برسباى أحد المقدمين الألوف، وهو بالشرح المذكور، وبعدهما طلب الأمير تمراز الشمسى الأمير قرا أحد المقدمين الألوف واستمر طلبه سائرا لجهة الصحراء إلى الريدانية بغير لبس ولا اهتمام بتنميق ولا بتجميل، وبقية الأمراء شقوا البلد. ثم جاء من بعدهم طلب المقر الأشرف الكريم العالى الزعيمى المسيرى المدبرى عظيم الدنيا على الإطلاق ومالك حلها وعقدها ووزبرها وأستادارها ودوادارها الكبير وما مع ذلك من تولية الذين يدعون بملوك الأمراء من الوجه القبلى والبحرى
_________________
(١) أى أطلقوا النفط.
(٢) أورد السخاوى: الضوء اللامع ٣/ ٤٠ ترجمة لشخص اسمه «برسباى قرا الظاهرى» وكان أمير مجلس، ولكنه ذكر أنه مات فى ذى الحجة سنة ٨٩٣ هـ.
[ ٢٧١ ]
دامت سعادته وبلغ مناه وإرادته، وهو فى غاية من الضخامة والعظمة والهجن العديمة النظير فى الحسن والجمال والكسوة العظيمة من الألوان المفضضة والمذهبة والمخمل، وعدتهم نحوا من مائة هجين، ومن الخيول المسومة الكاملة اللبس بالعدة والعدد نحو مائة وأربعين فرسا، فيها (^١) ثمانية بسروج ذهب وكنابيش زركش، ومن الأثقال والأحمال مالا يسعنى وصفه، ومن المماليك الملبسين اللبس الكامل هم وخيولهم نحو خمسمائة فارس ومروا بذلك جميعه كما قدمنا ذكره، والسلطان والأمراء والعسكر يشاهدون ذلك، والنفوط تطلق بين يديه، ورؤس النوب والحجاب فى خدمته حتى الأمير تمر حاجب الحجاب الظاهرى جقمق بيده عصى وهو يرتب الأمور. كل ذلك والأمير الدوادار الكبير - مهد الله له البلاد وأطاع له العباد ووفقه لما يرضيه وختم له بخير، وكفاه كل ضرر وضير - والأمراء الألوف المتوجهون إلى السفر راكبون فى خدمته والمباشرون، خلا ناظر الخاص.
ولما انتهى الأمر توجه الأمير المذكور - وقاه الله كل محذور - ومن فى خدمته وصعدوا لخدمة مولانا السلطان المالك الملك الأشرف أبى النصر قايتباى خلد الله ملكه وثبت قواعد دولته ونصره على الأعداء.
واستمر مماليك الأمير الدوادار - الذين ذكرنا عدتهم خمسمائة نفر - ملبسين ينتظرونه تحت القلعة وهم بالعدة والفولاذ والسلاح وآلات الحرب حتى خيولهم، فلما صعدوا قبلوا الأرض بين يديه [،] ودعهم وأكرمهم وخلع عليهم كوامل سمور، وتوجهوا فى خدمة عظيم الدنيا الدوادار الكبيرهم وبقية العسكر، ولم يتأخر عند السلطان إلا نفر يسير من خاصكيته وأعوانه وبعض خدامه من الطواشية؛ وشق الدوادار القاهرة وقد أحدق أهلها وخرجت البنت من خدرها، واجتمع الخلائق لرؤيته، فكان يوما مثل يوم المحمل أو أكثر. وطلع من
_________________
(١) فى الأصل «فيهم».
[ ٢٧٢ ]
باب النصر وهذا تفاؤل له بالنصر والظفر والنجاح وقضاء الأرب، وفى خدمته من ذكر من العساكر والأمراء والمسافرين والمقيمين خلا المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى السيفى أزبك من ططخ الظاهرى جقمق أمير كبير - عز نصره - فإنه توجه لمنزله من جهة سوق الباسطية، وكذلك المقر الأشرف الكريم العالى السيفى جانبك الإينالى الشهير بقلقسيز الأشرفى برسباى أمير سلاح، وكان يوما عظيما وموكبا جسيما، هذا مع ما فوض له السلطان نصره الله من التكلم فيما شاء أين شاء حيثما شاء من عزل وولايات وإخراج إقطاعات وإنعام، وكتب له على ورق بياض بعدة مكتبات. وتوجه صحبته كما قدمنا نحو الألف خلعة، ثلثها على ما بلغنى من ديوان الخاص وهو صنع الباقى، وخرج فى رياسة ومهابة وفخامة وتؤدة لم يماثله فيها إلا السلاطين المعظمون، فالله المسئول أن لا يخيب لهم أملا وأن ينصرهم على عدوهم المخذول لتطمئن بذلك قلوب الرعايا ويأمنوا وتعمر القرى وتسكن الفتن ويحصل المقصود ببركة أشرف رسل الله خير خلقه وحبيبه ونبيه. آمين. آمين.
وأصبح يوم الثلاثاء حادى عشره فركب السلطان - نصره الله - من قلعة الجبل وتوجه إلى الريدانية إلى عظيم الدنيا وإلى المسافرين، فوقف عند خيمة كل أمير منهم وكلمهم بما يليق بهم، ثم توجه إلى عند الأمير الدوادار الكبير فنزل عنده وتحدث معه طويلا، فأحضر له حلوى وفاكهة فأكل وفرّق وركب وتوجه نحو الخانكاه وصعد القلعة من الجبل، وكان حضوره إلى الأمير الدوادار المذكور فى نفر يسير نحو العشرة أنفس، ثم تلاحق به العسكر.
وصار دوادار الوالى فى هذه الأيام ينادى فى الشوارع والطرقات أن أحدا لا يتأخر عن السفر فى خدمة الأمير الدوادار ولا غيره من الأمراء المسافرين
[ ٢٧٣ ]
ومن تأخر وسّط، فاتفق أن السلطان لما توجه إلى الدوادار وجد شخصا من المماليك السلطانية ضعيفا ولم يسأله فى الإقامة فرسم له بالإقامة، ورآى شخصا آخر خيوله ضعاف فرسم له نحيول، فالله ينصره ويبلغه الأمانى ويلهمه الحق. آمين.
يوم الأحد سادس عشره ركب السلطان من قلعة الجبل فى جماعة من أخصائه وأمرائه وتوجه إلى الأمير الدوادار الكبير فوجد الأمراء الذين عينوا معه للسفر رحلوا إلى جهة البلاد الشامية وتأخر هو وقد فك خامه، فنزل عنده وتغذّى معه وتحدثا طويلا فى خلوة زمنا مديدا، وجلس إلى الظهر وعاد إلى القلعة
ورحل الأمير الدوادار فى ليلة الإثنين إلى الخانكاة، وتوجه فى خدمته الجم الغفير ومن جملتهم رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين ورجع فى ليلة الثلاثاء ثامن عشره.
وتقدم فى يوم الخميس ثالث عشره أمران: أحدهما أن شخصا يسمى جكم البواب كان بالقلعة عند السلطان فى خدمة القصر ونزل إلى داره فمات فجأة فى وقته؛ والأمر الآخر أن شخصا يسمى قاسم بن جانبك حاجب الحجاب بدمشق بل واستقر فى نيابة طرابلس أيضا، ومات.
وقاسم المذكور أصله من الأمراء العشرات بدمشق كان تزوج امرأة متمولة كانت زوجا لسودون نائب قلعة الشام ومات عنها، وتزوجها قاسم المذكور واستولدها بنتا فماتت الزوجة ووصت له بأشياء، فأخذ حصته وأخذت البنت حصتها، وحملوا حصة بيت المال له، فلما بلغ السلطان ذلك من الشريف علاء الدين القصيرى الكردى ناظر الأشراف الذى توجه للبلاد الشامية، وظاهر الحال أنه ما عمل مصلحته معه فزاد ونقص وبلغ فيه ما أراد فأنكر
[ ٢٧٤ ]
السلطان ذلك ورسم بإحضاره وصحبته التركة بتمامها وكمالها فتباطأ فى الحضور، فأرسل إليه قاصدا يحضر به فى الحديد، فلما تمثلوا به بين يدى السلطان - نصره الله - سأله عن التركة فأجاب جوابا نابيا خشنا، فغضب السلطان وأمر بضربه بالمقارع، فتباطؤوا فى حل أزراره فرسم بشق أثوا به فشقو [ها] وضرب مقارع وعصيّا، وسجن حتى يقوم للذخيرة بما يرضى صاحبها.
وفى هذه الأيام ضرب السلطان مملوكا من مشترواته الذين أعتقهم ونفاه إلى حلب، وسبب ذلك كونه تزوج ونزل من الطبقة وأخذ قماشه وخيوله وصار لا يملك غير ما عليه. وأعجب من هذا أن السلطان غضب أعظم الغضب لكون المملوك صار يأكل الضرب ويقول: «يا ستى نفيسة» فصال السلطان يقول لمقدم طبقته: «هذا ما هو جلب إنما هو زقاقى» يعنى: لأى شئ يضرب ولا يقول «توبة خجم» على عادة الأتراك؟، ثم أمر أن يسلموه لتاجره المقيم بحلب المسمى عبد الكريم فإنه كان قدمه للسلطان.
*** ووصل الخبر من الشام على لسان شخص يسمى «ابن مصطبة» أن الكفيلى نائب الشام أبطل المكوس منها وأن أهل الشام يدعون له دعاء جزيلا. واتفق أن السلطان - نصره الله - رآى شخصا من المماليك السلطانية الخشقدمية كان مسخرته ومسخرة عند هذا السلطان (^١) فعينه للسفر صحبة الأمير الدوادار والأمراء والمماليك السلطانية الذين توجهوا لقتال شاه سوار وأخذ النفقة ولم يسافر فغضب عليه ورسم بإحضاره وإخراجه فى وقته، وذكر أنه قبض الكسوة ولم يقبض النفقة فرسم له بها وبفرس وجمل، وسافر فى الحال، وإلى الله المرجع والمآل.
_________________
(١) المقصود بذلك السلطان خشقدم.
[ ٢٧٥ ]
وتوفى الشيخ نور الدين على بن القاضى شمس الدين محمد بن قاضى القضاة ناصر الدين أحمد المعروف والمشهور بابن التنسى (^١) المالكى فى ليلة الجمعة المسفرة عن سابع شوال المبارك فجأة وقت الأذان، وصلى عليه بعد العصر من الغد بمصلى باب النصر، وحضر جنازته القضاة الأربعة وغيرهم من المباشرين والفقهاء والطلبة والأعيان خلا المقر الأشرف الكريم العالى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين، ودفن بحوش الصوفية سعيد السعداء، ومولده فى سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة ونشأ بها فحفظ القرآن وكتبا، واشتغل على شيوخ عصره فى الفقه كالشيخ [الزين] عبادة والشيخ ظاهر (^٢)، وغالب المعقول والمنقول على الشيخ تقى الدين الشمنى (^٣)، وأكثر من ملازمة شيخنا الشيخ شهاب الدين أحمد الآمدى (^٤) المغربى فى النحو، وأخذ أيضا عن شيخنا شيخ الإسلام الشروانى (^٥)، وعن شيخنا شيخ مشايخ الإسلام الكافيجى، ولم يزل يدأب فى التحصيل حتى تقدم ومهر فى النقول والفنون، وأشير إليه بالفضيلة التامة فناب فى القضاء عن الولى السنباطى (^٦)، واستقر فى تدريس الجمالية بعد عمه قاضى القضاة بدر الدين ابن الننسى (^٧)، واستقر فى تدريس جامع ابن طولون بعد القاضى الشريف حسام الدين بن حريز (^٨)، وانتدب بعد السيد حسام الدين للإقراء فأقرأ كتبا
_________________
(١) راجع عنه السخاوى: الضوء اللامع ٥/ ٤١٢
(٢) بالطاء فى الضوء اللامع ٥/ ٩٧٢.
(٣) انظر السخاوى: نفس المرجع ٢/ ٤٩٣.
(٤) انظر نفس المرجع ٢/ ٥٠٤.
(٥) ذكر السخاوى فى الضوء اللامع ج ١١ ص ٢٠٩ أنه نسبة لمدينة بناها أنو شروان محمود باد، فحذفوا «أنو» تخفيفا، واسمه هو محمد بن مراهم الدين، انظر الضوء اللامع ١٠/ ١٦٥.
(٦) السخاوى: الضوء اللامع ٩/ ٢٩٧.
(٧) نفس المرجع ٧/ ١٨٣.
(٨) شرحه ٧/ ٤٥٤.
[ ٢٧٦ ]
وأفتى قليلا، ولما مات المحب ابن عبد الوارث من مدة سنة وثمانية شهور عينه رئيس الدنيا المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف - عظم الله شأنه - لقضاء المالكية بدمشق فصعد مرارا ليلبس فلم يتهيأ له ذلك لأمور اقتضت ذلك، إلى أن كان يوم الثلاثاء رابع شوال فصعد للسلطان وخلع عليه واستقر فى قضاء القضاة المالكية بدمشق عوضا عن ابن عبد الوارث، وركب معه القضاة والأعيان فلم يلبث أن فجأه الأجل المحتوم الذى لا محيد عنه ولا مفر، وخلّف جارية مشتملة على حمل، ومن العجيب أن أخاه الشهابى أحمد سافر قبل موته بيوم واحد إلى دمياط فطلب بعد هذا لأجل تركته فإنها تشتمل على ما بلغنى نحوا من ألف دينار، وخرّجوا وظائفه لجماعة، فاستقر فى تدريس الجمالية الخطيب الوزيرى المالكى، وفى تدريس جامع ابن طولون قاضى القضاة سراج الدين بن حريز (^١) المالكى، وأخذ مرتبه على الجوالى وصرته فى البخارى عمر بن موسى اللقانى (^٢)، وقيل ابن اللقانى أخذ الجوالى والشيخ عباس المغربى (^٣) المالكى أخذ صرة البخارى، وباسم صاحب الترجمة طلب بالبديرية (^٤) التى بباب سر الصالحية (^٥) أخذه يحيى السفطى (^٦) نقيب المالكية وأشياء أخرى لا يسعنى تفصيلها.
يوم الخميس العشرين من شوال خرج المحمل والقضاة فى خدمته ونوابهم والفقراء من سائر الطوائف، وأمير الحاج يشبك الجمالى المحتسب مملوك الصاحب
_________________
(١) الضوء اللامع ٦/ ٢٦٢.
(٢) الضوء اللامع ٦/ ٤١٥.
(٣) واسمه الكامل عباس بن أحمد المغربى، راجع السخاوى: الضوء اللامع ٤/ ٦٧.
(٤) وكانت تقع خلف المدرسة الصالحية النجمية كما أشار إلى ذلك المقريزى فى خططه عند كلامه عن تربة الزغفران.
(٥) انظر المقريزى: الخطط ٢/ ٣٧٤.
(٦) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ١٠٠١.
[ ٢٧٧ ]
جمال الدين يوسف بن كاتب جكم، وأمير الأول أقبردى الظاهرى ولبسا خلعهما وتأخر طلوعهما فى هذه السنة إلى بركة الجب (^١) عن العادة بثلاثة أيام، وسبب ذلك خوفا على الغلمان الذين توجهوا فى خدمة عظيم الدنيا الدوادار الكبير وغيره من الأمراء المجردين لقتال شاه سوار لئلا (^٢) يهربوا صحبة الحجاج، وأقام الأول بالبركة إلى يوم الجمعة حادى عشريه بعد الصلاة، فرحل إلى البويب، ورحل بعده المحمل صبيحة يوم السبت ثانى عشريه، وحصل على الحجاج تشويش كبير برحيله، فإن العادة إذا رحل الأول بعد صلاة الجمعة يرحل المحمل غد تاريخه بعد الظهر، فرحل هذا من الصبح الأكبر، فلا قوّة إلا بالله.
وسافر صحبة أمير الحاج زوجته التى كانت زوجة أستاذه وأم ولديه ناظر الجيش وأخيه ناظر الجوالى، وسافر المذكور صحبة والدته؛ وكانت تقدم لها أنها حجّت وحاضت عند الوقوف بعرفة واستمرت محرمة حتى تعود.
وخلع على أمير المماليك المسمى (^٣) كاملية بسمور وخرج المحمل فى هذه السنة بطلب عظيم وتحشم زائد إلى الغاية.
وعزل السلطان القاضى الشافعى برهان الدين بن ظهيرة (^٤) عالم الحجاز، والقاضى المالكى أيضا المسمى محيى الدين عبد القادر شيخ النحاة بمكة، واستقر عوضهما محب (^٥) الدين بن أبى السعادات بن ظهيرة فى قضاء الشافعية
_________________
(١) انظرها فى بركة الحجاج فى الخطط للمقريزى ٢/ ١٦٣.
(٢) الوارد فى ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ٥٧ أن الحجاج تأخروا إلى العشرين من شوال بسبب فرار غلمان أمراء الحاج.
(٣) فراغ فى الأصل بقدر كلمة.
(٤) راجع ترجمته فى السخاوى: الضوء اللامع ج ١ ص ٨٨ - ٩٩.
(٥) السخاوى: الضوء اللامع ٢/ ٥٢٣
[ ٢٧٨ ]
ونور الدين على بن أبى اليمن فى قضاء المالكية.
وفى يوم الخميس العشرين من شوال سافر القاضى سرى الدين عبد البر ابن قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة إلى حلب لمصالح والده وصحبته عدة من المماليك والغلمان والخدم على أحسن هيئة ونظام كهيئة سفر قاضى قضاة الشام أو مباشر عظيم بمصر، فإن صحبته طشطخاناه وشراب خاناه وركنخاناه وسواسا وغلمانا وأتباعا ومماليكا، وأرسل والده (^١) صحبته أمينا عليه وحافظا له وشاهدا لأفعاله الشيخ عز الدين الفيومى (^٢) الشافعى أخا شريف، وتألم والده قاضى القضاة لسفره ألما عظيما، بحيث أنى ما رأيت أحدا فى هذا العصر يحب ولده كحب قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة لولده عبد البر المذكور، وهو معذور فإنه من أذكياء العالم ونادرة فى شبان هذا العصر، لكنه ما سلم من الترفع على الناس والدعوى العريضة وعشرته لمن يأكلون ما يحضره إليهم ويثنون عليه بالسوء، وسترى ما ينتج من سفرته هذه.
وفى هذه الأيام أطلق الزينى عبد الرحمن بن الكويز (^٣) من سجنه بالقاعة التى بين السورين بعد إهانة زائدة وذل كبير وبهدلة وحرفشة، ولعله ما بقى يصعد له - بعد هذه المحنة - أمر.
وضرب تقى الدين [أبو بكر بن على] الطيورى الحلبى الملقب «خروف (^٤) المضحك» الفاسق ببيت الأمير تمر من محمود شاه حاجب الحجاب علقتين أو أكثر، إحداها على مقاعده والأخرى على رجليه والأخرى على سيقانه،
_________________
(١) فى الأصل «ولده».
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ٤/ ٥٤٨.
(٣) السخاوى: الضوء اللامع ٤/ ٢٢٢.
(٤) السخاوى: الضوء اللامع ١١/ ١٥٠.
[ ٢٧٩ ]
ولولا [أن] القاضى كريم الدين بن جلود - كاتب المماليك - ركب فى الليل وتوجه إلى بيت الأمير تمر الحاجب المذكور حتى خلصه ما خلص، وكان الكلام فيه كثيرا (^١)، وسبب ضربه أنه شكى شخصا من مباشرى الأمير تمر المذكور بسبب وظيفة أخذها من وظائفه لما نكب بعد الدولة الظاهرية خشقدم، واتفق أن المجلس الشهابى أحمد بن العينى طلب لبيت الأمير تمر المذكور بسبب دعوى عليه لشخص من التجار فحضر وصالح غريمه وتوجه لحاله، وخروف هذا طلب فامتنع مرارا، ثم إنه اجتاز بباب الأمير المذكور وهو راكب فى خدمة رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف فتعرض له ابن أزبك رأس نوبة الأمير المذكور فاحتمى بالمقر الأشرف المذكور، فحماه. ثم إن ابن أزبك تسلمه من المقر المذكور وضمنه ودخل به للأمير فهدده ووبخه بأنواع من اللفظ القبيح فإن بينه وبينه خصومة من دولة خشقدم وهو والى القاهرة، فتدخل عليه المجلس الشهابى ابن العينى بسببه فسكت الأمير لأجله، ثم إن ابن العينى لما أراد التوجه لبيته سأل الأمير فى إطلاقه فدخلوا به ليشاوروا عليه، فوقع بينه وبين القاضى نور الدين البلبيسى (^٢) منازعة ومشاجرة، فبادر خروف وأساء إليه إساءة مفرطة وجعله جاهلا وأنه لا يعرف شيئا من مذهب الشافعى وصار يسأله عن أشياء وذلك بحضور القاضى نور الدين (^٣) الصوفى الحنفى، فثاروا عليه وأغروا الأمير على ضربه، فإنه أخذ مجلس الصوفى الذى يحكم فيه بجامع (^٤) الصالح واستقر فيه قاضيا فى ولاية البرهان الديرى (^٥)، وآخر الأمر رسم بضربه كما قدمنا.
_________________
(١) فى الأصل «كثير».
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ٥/ ١٠١٠.
(٣) السخاوى: الضوء اللامع ٥/ ٩٤١.
(٤) نسبة إلى الصالح بن رزيك وزير الخليفة الفاطمى الفائز، وهو آخر مسجد بناه الفاطميون.
(٥) راجع عنه السخاوى: الضوء اللامع ج ١ ص ١٥٠ - ١٥١.
[ ٢٨٠ ]
ووصل الأمير شرف الدين بن غريب من وداع الأمير الدوادار الكبير من قطيا وصحبته جانم الدوادار وتغرى بردى الخازندار وطلعوا للسلطان، وصار ابن غريب الآن متكلما فى الوزارة والأستادارية وإليه المرجع ويسافر للوجه القبلى لقبض الغلال وغير ذلك هو والأمير جانم - دوادار عظيم الدنيا الدوادار الكبير -، وحضر قاسم شغيته الوزير المعزول الذى هرب من بيت رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف صحبة سيدنا الشيخ إبراهيم المتبولى إلى بيته حفظه الله على المسلمين فى ليلة السبت المسفرة عن تاسع عشرى شهر تاريخه وهو لابس جبة على هيئة الفقراء وعلى رأسه مئزر، وسأل المقر الزينى المذكور حفظه الله فى الصبر عليه فإنه وزن عنه مالا للأمير الدوادار الكبير قبل سفره فقبله، وتوجه لبيته بالقرافة ونزل بتربته فأقام بها.
يوم الأحد تاسع عشريه لعب السلطان الكرة هو والأمير جانبك حبيب (١٠٩ م) أمير آخور ثانى، فوقعت عمامة السلطان من رأسه إلى الأرض فاحتد وتسودن.