﷽
المقدمة
تتناول هذه المخطوطة فترة يعتورها كثير من الفوضى ويغشى تاريخ مصر إبانها ضباب الأحداث بسبب قلة المصادر التى بين أيدينا عنها، ففى أعقاب هذه الفترة بالذات وفى أقل من نصف قرن من الزمان تخرج مصر من نطاق الدولة الحاكمة المستقلة ذات السيادة الخارجية والداخلية إلى نطاق الدولة المحكومة الخاضعة لآل عثمان، فتفقد استقلالها الداخلى ونشاطها السياسى فى الصعيد الدولى وإن لم يفقد أهلها روحهم وطبيعتهم ولم تتلاش الشخصية المصرية التى ظلت على طول المدى وتحت شتى الظروف وفى حالات النصر والنكسة على السواء هى هى دون أن يطرأ عليها تغيير أو اضمحلال، والتى ستتجلى فى أيام الحكم العثمانى ذاته زمن الحملة الفرنسية وفى عصر محمد على وما بعده فتبقى على وجه مصر العربى الإسلامى.
وربما كانت هذه النقلة الدامية من الاستقلال إلى الاحتلال ومن الحرية إلى التبعية كامنة بدرجة كبرى إذ ذاك - أعنى فى الوقت الذى تجرى إبانه أحداث هذه المخطوطة وما بعده - فى أحوال البلد الإدارية وظروفه الاقتصادية أكثر مما هى آتية من الخارج رغم بدء ظهور القوى الأوربية والاستعمارية ومحاولتها السيطرة على شواطئ أفريقية الشرقية واتجاهها إلى الهند والخليج العربى، ذلك أن التنظيمات الإدارية التى كانت قوية من قبل فى أكثر الأحيان اعتورها بعدئذ الوهن ودب فيها الانحلال، كما أن النظم الحربية
[ ٥ ]
التى ألفناها طوال القرون المملوكية حتى عصر جقمق تقريبا: أعنى منتصف القرن التاسع الهجرى (أى الخامس عشر الميلادى) أقول لم تعد هذه النظم مرعية من جانب الحكام والسلاطين، وليس أدل على ذلك مما يسوقه ابن الصيرفى فى مخطوطته هذه - وهو شاهد عيان لتلك الأحداث كلها - من الإشارة أكثر من مرة إلى ما يمكن أن نطلق عليه «نطام الاستبدال» فى الجيش، فالجندى الذى يستطيع دفع قدر معين من المال للسلطان يعفى من أداء الخدمة الحربية لافى أيام السلم فحسب. بل وحين تكون البلاد فى حرب مع عدو خارجى يهدد هيبتها؛ ومن أمثلة هذا أن الحرب التى شنها شاه سوار كانت مثار تعب لمصر ولم يكن ثم جيش نظامى قادر تستطيع البلاد الاعتماد عليه، فعمد السلطان قايتباى إلى إحضار ثلاثة أقواس متفاوتة الصلابة وجلس ونودى إليه على المنزلين عنده بديوان المماليك وراح هو ذاته يختبرهم بإعطاء كل واحد منهم قوسا «فإن جذبه كتبه فى الحال إلى تجريدة شاه سوار وإن لم يجذبه أمره بحمل مائة دينار للخزائن الشريفة ليقوم بها عنه بديلا للتجريدة؛ هذا مع أن المفروض أن تكون هناك قوة دائمية أو ما يعبر عنها بالجيش النظامى لمواجهة مثل هذا الخطر أو الأخطار حتى وإن تعددت فى وقت واحد.
كما أنه لم تعد ثمت تدريبات مستمرة لهذه القوات الحربية، ولذلك فإنه حين يصبح لا مندوحة عن الحرب يعمد السلطان إلى اختبار الجند واختيار أقواهم ويرسلهم للحظته لمواجهة العدو، وهذا سر تحرك القوى الصغيرة على أطراف للملكة وكذلك نواب الحكم فى الولايات وعدم خشية أحدهم من رادع حربى، ولا شك أن هذا كله مهد الطريق وعبّده أمام القوة العثمانية التى كانت آخذة فى التوسع والامتداد.
[ ٦ ]
وإذا خلينا القوة الحربية جانبا ألفينا الظلم الاجتماعى ممثلا بصورة بشعة لا يجدى إزاءها اعتذار ابن الصيرفى بعدم معرفة السلطان إياه وجهله به لا تجاهلا له ولا تهوينا من أمره، ثم هذه المحاولة العقيمة من جانب المؤلف فى الدفاع عن قايتباى وتبرئة ساحته وإلقائه اللوم على من حوله بحجة عدم إيقافهم إياه على ما ينزل بالشعب من الظلم والكوارث والمصادرات والسجن وغير ذلك من شرور الطغاة. يريد بذلك تبرئة ساحته أمام القارئ والتاريخ، كيلا يلومه أحدهما أو كلاهما فيما بعد.
وهذا دفاع أعرج مبتور عن تهاون مسئول هو راعى الرعية شرعا ووضعا:
إن كنت لا تدرى فتلك مصيبة … أو كنت تدرى فالمصيبة أعظم
على أن محاولة ابن الصيرفى الدفاع عن السلطان تشير فى حد ذاتها إلى أن هناك طغمة من كبار شخصيات الدولة لم يكن يعنيها إلا مصلحتها فأثرت بعد متربة، وغنيت بعد إملاق وتنفذت بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، ولكنها مازالت تطلب الزيادة فى الثروة والجاه حتى عن غير الطريق الشرعى.
ولم يكن المسئولون خلال هذه الفترة المتأخرة من تاريخ مصر المملوكية بالذين يراعون وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب، فنظر الدولة فى سنة ٨٧٣ هـ كان «بيد شخص عامى لحّام زفورى» ولم يكن هناك ما يؤهله لهذا المنصب الداخلى الخطير سوى قرابته من مقدم الدولة حينذاك، ولم يستطع ابن الصيرفى أن يجد مبررا لهذا التدهور الخطير فى إبكال المناصب لغير مستحقيها، بل إنه هو ذاته ينكر مثل هذا الأمر المعيب فيعلق عليه بقوله:
[ ٧ ]
«والجنسية علة الضيم (^١)». وهى عبارة قصيرة موجزة لكنها عميقة المعنى، أصاب بها الكاتب محزا لحقيقة وكبد الواقع ودل على موضع الداء.
وكذلك الحال حين سيقت وظيفة كاتب المماليك السلطانية إلى واحد اسمه عبد الكريم ابن جلود «وهو يومئذ أمرد لانبات بعارضه» وإنما أهّله لذلك عند السلطان مكافة أبيه لديه حتى وفاته (^٢).
على أن هيبة الحاكم قد ضعفت بصورة ملحوظة نتيجة لهذه الأمور وأمثالها، فقد حدث أن هزم العسكر السلطانى الذى خرج تجريدة لشاه سوار فلم يتريث رجاله حتى يرد عليهم مرسوم قايتباى بما يراه ويقتضيه الصالح العام من البقاء حيث هم أو السفر إلى الشام، بل نراهم - صغيرهم وكبيرهم - قافلين إلى مصر، «وكان حضورهم بغير إذن السلطان وفى خفية منه وصاروا يقيمون بدورهم إلى أن تكامل حضورهم، فسكت قايتباى على مضض (^٣)».
ولم يعد ثم من يعبأ بالأوامر حتى إن السلطان كان شديد الاهتمام بحفر خليج السدو وكل ذلك إلى اثنين من كبار الأمراء فلما نهضا إلى جمع المماليك لهذا العمل «امتنعوا عن ذلك ووقعت بينهم مخاصمات وضرب … حتى أصيب بعض الأمراء بضربة فى وجهه فشجته فى جبينه حتى سال الدم على وجهه».
وترتب على هذا أن فقدت السلطنة مكانتها المحترمة فى نفوس المماليك والأهالى، واستبدأ ولو الأمر وأصحاب الوظائف الكبرى بكل ما فى البلد من خيرات، وزادت الجامكيات بلا مبرر، وقلّ الدخل العام، ولم يعد فى قدرة
_________________
(١) إنباء الهصر، ص ٦.
(٢) إنباء الهصر ص ٨.
(٣) إنباء الهصر ص ٨.
[ ٨ ]
السلطان الوفاء بالمرتبات مما أزعجه غاية الإزعاج «وأخذ يدعو على نفسه ويقبرم من السلطنة ويصرح بالخلع ويقول: عجزت عن دفع هذا المال وحمله لأربابه فى كل شهر».
***
كذلك لم تمض الأحكام وفق نظام أو نظم معينة، وكان من المفروض فيها أن تكون سارية على القاعدة الشرعية، بل استبد أصحاب النفوذ بطبقات المجتمع، ويشير المؤلف إلى صورة من صور الفساد الذى استشرى حين تولى أحدهم حسبة القاهرة، فكان هذا الشخص «فى غاية الشماخة والترفع من أن يقف على سوقى أو وزان أو بياع … بل يحضر أعوانه له بمن لا يعطونهم المعلوم المعهود عندهم فيضربه … وأحكامه بالبخت والنصيب (^١)» وأصبحت الأوقاف نهبا لذوى السلطة «وأكلها المباشرون (^٢)»؛ ولقد ترتب على ذلك كله ظهور فئة استغلت الطبقات الشعبية ووظائفها السلطانية وأثرت من ورائها بغير حق، ويقول الصيرفى فى معرض كلامه عن أحد المحتسبين (^٣): «إن رسله الذين من جهته صار كل واحد منهم بأقمشة حرير والصوف العال الغالى والبغال الخاصة المزينة والعبيد والجوارى الذين فى الخدمة، والنفقات التى ينفقها كل يوم من لحوم وأعسال ودقيق وغير ذلك، بعد أن كان الواحد منهم لا يملك غير قميص أو ملوطة».
هذه أمثلة مما تضمنه هذا الكتاب، الذى يصور ذلك العصر أجلى تصوير، وربما كانت بساطة ابن الصيرفى هى التى دعته - عن غير قصد - إلى رسم تلك
_________________
(١) انباء الهصر ص ٤٢.
(٢) انباء الهصر ص ١٤١.
(٣) انباء الهصر ص ٢٠٤
[ ٩ ]
الصورة، هذا على الرغم من أنه كان شديد التعصب للسلطان وللمقر الزينى ابن مزهر الأنصارى.
***
أما المؤلف فهو على بن داود بن إبراهيم الخطيب الجوهرى المعروف بالصيرفى عند البعض وبابن الصيرفى عند البعض الآخر، فقد كان أبوه صيرفى الدولة وديوان المفرد فى فترات متقطعة من عهد المؤيد شيخ وبرسباى ثم للسنوات الأخيرة من عهد زمن السلطان جقمق حتى مات سنة ٨٥٣ هـ، ولسنا نعرف الكثير عن الأب مما قد يساعد على إلقاء ضوء على الظروف التى نشأ فيها الابن سواء أكانت هذه الظروف اقتصادية «أم عائلية» وإن رجح الظن بأن هذه الأسرة لم تكن موفورة الثراء أو من كبار الأسر المصرية ذات الجاه والنفوذ، على أن لفظ «الصيرفى» أصبح لقبا للأب ولقبا للابن.
وكان الابن يتكسب فى بعض الأحيان بسوق الجوهريين بالقاهرة، وغير بعيد أن يكون أبوه - هو الآخر - قد احترف هذه المهنة إبان الفترات التى كان يصرف فيها عن وظيفة الصيرفة فى ديوان المفرد، ومن ثم اكتسب هذا اللفب - وأعنى به «الجوهرى» - حتى أصبح يعرف به هو وابنه.
وإذا كنا نكاد نجهل حياة الأب فإنه ليس بين أيدينا من المصادر ما نستطيع منه تكوين صورة واضحة المعالم والزوايا عن حياة الإبن على بن داود إذ ليس له من التراجم سوى ما ساقه السخاوى (^١) فى كتاب الضوء اللامع من ترجمة قصيرة وقد امتلأت سطورها رغم قلتها بالنقد المرير: طبيعة ركبت فى السخاوى فلم ينج من هجوه وقدحه أحد من معاصريه - باستثناء شيخه ابن حجر العسقلانى
_________________
(١) السخاوى: الضوء اللامع ٥/ ٧٣٨.
[ ١٠ ]
مما حمل السيوطى على نعته «بالمؤرخ الجارح»، وهو نعت يحمل من المعانى ما تترجم عنه كتابات السخاوى، ويقول عنه فى ترجمته إياه: «أكب على التاريخ فأفنى فيه عمره وأغرق منه عمله، وسلق فيه أعراض الناس، وملأه بمساوئ الخلق وكل ما رموا به إن صدقا وإن كذبا» (^١)، ولو وضعنا هذه الاعتبارات فى ذهننا لكان لنا أن نأخذ ترجمة السخاوى لعلى ابن داود ونقده له بكثير من الحذر، ولسنا نعرف علة سخط صاحب الضوء عليه إلا إذا فسرناها بغيرته منه لصحبته لشيخهما ابن حجر، فالمعروف أن «الجوهرى» قرأ عليه شرحه للنخبة وكذا ديوان خطبه، هذا بالإضافة إلى ملازمته لمجالس إملائه، على أنه من الأمور الهامة فى هذه الناحية - وأعنى بها صحبته للعسقلانى - أن «ابن حجر صلى خلفه بجامع الظاهر»، ولا مشاحة فى أن هذا للوقف من ابن حجر تجاه الجوهرى قد رفع من مكانة الأخير فى أعين الطلاب والفقهاء ورجال العلم إذ ذاك، وكان خير تزكية من «أمير المؤمنين فى الحديث وشيخ الإسلام ابن حجر»، وإذ لم يكن فى استطاعة السخاوى إنكار صلاة ابن حجر خلف الصيرفى فقد عقب عليها بقوله: «إن ذلك عظم على كثيرين» وهى عبارة تصور - على قصرها - مكانة ابن حجر من ناحية ومبلغ كراهية السخاوى بل وازدراءه للجوهرى من ناحية أخرى.
ولكن إذا لم يكن بين أيدينا سوى هذه الترجمة السخاوية فكيف يتسنّى لنا إذن أن نصور الجوهرى صورة تكاد تقترب من الحقيقة؟
الواقع أننا نعتمد فى هذا أيضا على السخاوى، ثم على نتف مبعثرة فى ثنايا كتابى ابن الصيرفى وهما «إنباء الهصر بأبناء العصر» و«نزهة النفوس والأبدان» وإذا كان الفضل ما شهدت به الأعداء وجرت به أقلام الخصوم وأجراه الله على السنتهم فإن صاحب الضوء قد ألم بالكتب التى قرأها الخطيب الجوهرى
_________________
(١) السيوطى، نظم العقيان، ص ١٥٢.
[ ١١ ]
وببعض الشيوخ الذين تردد عليهم وحضر مجالس إملائهم وطالع مؤلفاتهم وأجازوا له قراءتها؛ ونستدل من ثبت ما قرأه أنه حفظ بعض الكتب فى النحو كالألفية والخزرجية، ثم جود فى القراءات على الزراتيتى الذى كان «شيخ القراءة فى عصره دون منازع»، وليس من شك فى أن الجوهرى سار على نهج كتّاب عصره وطلاب المعرفة والعلم إذ ذاك فعنى بدراسة أصول الدين، وحسبنا أن نذكر من بين أساتذته فى هذا الفن الأقصرائى إمام السلطان الأشرف برسباى مما يشرف به برسباى، فقد سمع الأمين الأقصرائى هذا على شيوخ عصره فى مكة والقاهرة ومصر، كما ضرب بسهم وافر فى جملة من العلوم النقلية والعقلية كالنحو والأصلين والتفسير والمعانى والبيان والمنطق والأصول، كما أن معجم شيوخه حافل بالمئات ممن نبه بهم القرن الثامن فى ختامه وكذلك القرن التاسع فى نصفه الأول، ويصفه أحد المؤرخين بقوله: «إنه انثال عليه الفضلاء من كل مذهب فأخذوا عنه وارتحل الناس إلى لقياه … وقصد بالفتاوى فى النوازل الكبار وغيرها، ونفع الله به فى ذلك كله … وبالجملة فقل أن ترى العيون فى مجموعه مثله، وللناس فيه جمال». كما وصفه صاحب نظم العقيان بقوله «انتهت إليه رياسة الحنفية فى عصره مع الدين المتين والصلاح المفرط
والقيام فى نصرة الدين وإبطال المظالم ومراجعة الملوك، وهم يعظمونه ويقبلون قوله».
على يد الأمين أبى زكريا الأقصرائى هذا درس الجوهرى وأجازه الشيخ وأثنى عليه، وليس الأفصرائى بالرجل الذى يرتجى الجدوى من تلميذه حتى يكون متهما، وإنما كان له من علمه ودينه وورعه وخلقه وعمق دراسته ما ينزه معه عن أن يكون فى تزكيته لابن الصيرفى راجيا رفدا، وإنما هو رجل قد رآى غير الجوهرى من طلاب التاريخ قد بالغوا كل المبالغة فى الثناء على أنفسهم
[ ١٢ ]
وراحوا ينكرون على من سواهم أن يكون ذا قدم راسخ فيه، ورآى هو فى الجوهرى رجلا قد تنوعت معارفه وقراءاته فأكبر هذه الناحية فيه ورشحه ليكون فى طليعة من أسهموا فى هذا المجال، ولكن السخاوى تجاهل ذلك كله فى الشيخ الأقصرائى وعرّض بالجوهرى، ولدينا نص صريح هو تقريظ بخط الأقصرائى ذاته، فقد علق على الجزء الثانى من نزهة النفوس والأبدان الذى وضعه ابن الصيرفى فى سيرة الرسول الكريم فقال إنه «نظر فى هذا المصنف البديع والعقد الفريد وتبصر واستفاد منه، وشكر مؤلفه حيث أنبأ ما عملته يداه بالاجتهاد ما فيه نفع لكافة العباد، جعله الله زادا لمعاده، ونشر علمه فى بلاده؛ من أقل عباد الله حرما، وأعظمهم جرما: يحيى بن محمد الأقصرائى الحنفى، عامله الله بلطفه الوفى الخفى، حامدا ومصليا ومسلما، وختم له وللمؤلف وللمسلمين بخير فى عافية بلا محنة» ويستفاد صراحة من كتابات الجوهرى أنه كان كثير الملازمة للكافيجى: محمد بن سليمان بن داود الرومى الحنفى، شديد الإعجاب به، وهو إعجاب التلميذ المقدر لأستاذه البارع، وربما تجلى هذا الإكبار فى أروع صوره فيما دونه عنه من إشارات وردت فى ثنايا كتابه «إنباء الهصر بأبناء العصر»، فما ترك الصيرفى اسم الكافيجى يمر دون أن يشيد به ويقدمه على من سواه، وإذا كان ابن حجر قد ملأ الأسماع فى النصف الأول من القرن التاسع للهجرة فقد شغل الكافيجى مايدانى هذه المنزلة فى النصف الثانى منه، فكانا شيخى العصر وإن اختلف ميدان كل منهما عن الآخر بعض الشئ، على أنهما تشابها فى ميدان الفقه والتاريخ.
والكافيجى نسبة إلى كافية ابن الحاجب لمداومته النظر فيها وقراءتها وإقرائها، ودفعه حب العلم إلى الرحلة من أجله، وكان قدومه إلى مصر زمن الأشرف برسباى ولقى ترحابا من علمائها وفقهائها كالسنباطى وابن حجر والبدر
[ ١٣ ]
وأثنى على ابن الصيرفى من رفاقه: عبد الرحمن بن يحيى السيرامى الحنفى المعروف بسيف السيرامى، القاهرى المولد والنشأة والتربية، وهو إن لم يكن فى منزلة أبيه إلا أن ملازمته إباه لا سيما فى العلوم العقلية أتاحت له فرصة أن يضرب فيها بسهم وافر، وقدّر أهل عصره مكانته فجعلوه يخلف أباه فى مشيخة البرقوقية وكان لا يشغلها إلا من أصاب حظا كبيرا من علوم عصره وشهد له بالتقدم، ولقد أثنى سيف الدين هذا على صاحبنا ابن الصيرفى فوصفه «بمتانة التركيب ورصانة الترتيب».
***
كان الجوهرى فقيرا لم تمكنه ظروف الحياة مما هيّأته لسواه من أن يكون دانيا من أصحاب السلطان والإمرة فى مصر المملوكية إلا بقدر ضئيل وفى وقت لم يعد فيه للكتابة التاريخية حظ كبير من الإعجاب والتقدير، وكان إلى جانب هذا معيلا كثير الأولاد قليل ذات اليد، فاضطرته هذه الظروف القاسية لأن يلتمس العيش من شتى السبل ما بين العمل فى وظيفة «المكس» ونسخ كتب غيره من معاصريه وسابقيهم، وكان ينسخ بعضها لنفسه وأكثرها للبيع لمعيشة أطفاله، وسنجد اختلافا واضحافى خطه فى نسخ هذين النوعين مما سنعرض له بعد قليل، كما أنه اشتغل فى بعض الأحيان بسوق الجوهر بين بالقاهرة، ولكنه كان اشتغالا غير موصول على الدوام وإن بدأ ذلك فى حياة أبيه والظاهر أنه لم يكن بالناجح فيه، وهو عمل ليس من شك كان لابد وأن يدر من الكسب والثراء على صاحبه ما يغنيه عن التماس العيش من طرق أخرى ويضمن له حياة مستقرة آمنة، لكن يبدو أنه قد أصابته حرفة الكتابة والتأليف فصرفته بعض الشئ عن الاهتمام بالعمل فى تجارة الجواهر التى حين أدرك فشله فيها انصرف عنها ويظهر لنا أيضا أن ماربحه فى هذا العمل قد ساعده على بناء «بعض الدور
[ ١٤ ]
العينى، وتنزل فى المدارس الكبرى كالبرقوقية وزاوية الأشرف شعبان، وتعددت تصانيفه وكثرت، ومن بينها «المختصر (^١) فى علم التاريخ» الذى يبرز اتجاهه الفلسفى فى تعريف التاريخ وكتابته ومنهاجه، وإن سماه السخاوى (^٢) بالمختصر المفيد فى علم التاريخ، وعده روزنتال «جديرا بالاعتبار لإصالة طريقته وجودة كتابته وهو يتبع النظام المألوف فى تعريف علمى يرجع إلى الفلسفة الأرسطو طالسية»، وربما أخذ عليه السخاوى عدم اعترافه لكبير أحد بالعلم وإن عده «علامة الدهر وأوحد العصر ونادرة الزمان وفخر هذا الوقت والأوان، الأستاذ فى الأصلين والتفسير والنحو والصرف والمعانى والبيان والمنطق والهيئة والحكمة والجدل والأكر والمرايا والمناظر مع مشاركة حسنة فى الفقه والطب»، وكانت وفاته ٨٧٩ هـ.
هذا هو الكافيجى الذى يقرظ تلميذه ابن الصيرفى فيثنى على ما كتبه فى السيرة النبوية ويصفه «بالتاريخ الفائق على الأقران» وأنه «أنس الصلحاء، حب الأكابر الكرام، مقبول قدوة الأنام»، ويصف كتابه فى ترجمة سيرة الرسول بأنه «قد اعترف بفضله وكماله وبحسن ترتيبه وجودة نظامه: الحاضر والبادى والدانى والقاصى، واغترف من بحره العذب الرحب الرائح والفادى
وأتى بأمر يحيى ذكره فى الآخرين أبد الآبدين» ويلاحظ أن هذا التقريظ من الكافيجى كان لابن الصيرفى وقد بلغ من العمر خمسين عاما، وهى سن اكتملت له عندها أسباب وقوفه على أرض صلبة فى مجال التأليف، فقد كانت هذه الكتابة فى سنة ٨٦٨ هـ.
_________________
(١) نشره الأستاذ فرانز روز نتال فى كتابه A History of Muslim Historiograpby وترجمه للعربية الدكتور صالح أحمد العلى ونشرته مكتبة المثنى ببغداد سنة ١٩٦٣، أما «المختصر فى علم التاريخ» فقد ورد فى تلك الترجمة ص ٣١٧ - ٣٧٠.
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ٧/ ٦٥٥
[ ١٥ ]
بحكر الشامى»، وكان المفروض أن تضمن هذه الدور له ولأولاده حياة فيها شئ من الطمأنينة على رزقهم ومعاشهم، لكن بتضح من كلام السخاوى أنه قد «آل أمره إلى أن نفد غالب مامعه»، وأتت هذه البطون الجائعة على كل مالديه من متاع ومال ودور، فلم يجد بدا من النيابة فى القضاء للحنفية بمصر وكان قد بلغ إذ ذاك الثانية والخمسين من عمره، وكانت نيابته للقضاء عن محب الدين بن الشحنة المتوفى سنة ٨٩٠ هـ، وهو الذى وصفه ابن حجر فى إنباء الغمر «بالعلامة»، وسماه ابن خطيب الناصرية «بشيخنا شيخ الإسلام»، ونستدل من مطالعة كتاب «إنباء الهصر» أن ابن الشحنة كان كثير الاصطحاب للجوهرى فى صعوده - مع بقية قضاة قضاة المذاهب الأخرى ونوابهم - لتهنئة السلطان قايتباى بالأعياد، وأحيانا بأوائل بعض الشهور الكريمة كالمحرم ورجب وشعبان ورمضان.
على أنه يبدو أن ما كان يكسبه من أجر عن نيابة الحكم للقاضى الحنفى ابن الشحنة لم يكن يكفيه هو وأولاده، ولذلك نراه خلال هذه الفترة بالذات يجلس ببعض الحوانيت، «وصار يكتب الدرر أو الإنباء أو غيرهما من تصانيف ابن حجر وغيره» وذلك كما يقول السخاوى «ليرتفق» ويعيش؛ ولم يقف الجوهرى عند هذا الحد بل نراه ينسخ عدة من مؤلفات أبى المحاسن و«ذيل رفع الإصر» للسخاوى وغير ذلك من كتب هذه الفترة، ولسنا ندرى أكانت كتابته هذه النسخ لنفسه أم للبيع، وإن كان الأمر الثانى فى معظمها هو الأرجح، ولعلها كانت لطلبة العلم أو لأصحاب السلطة ولذوى الجاه والثراء وعشاق الكتب وأصحاب الخزائن، وليس فى ذلك ما يشينه فما هو إلا طريق شريف لرجل لم يكن له من مورد يستطيع به وحده أن يكفى هذه الأفواه العدة من أبنائه.
[ ١٦ ]
على أن لنا وقفة قصيرة عند هذه الناحية، ذلك أن النظر فى النسخ التى خطها الجوهرى بيده يبيّن لنا اختلاف بعضها عن بعض فى الرسم، ففى البعض ينطلق على سجيته فيكون خطه رديئا ونرجح أن هذه النسخ هى التى كتبها لنفسه، ويتجلى لنا ذلك فى نسخته الخاصة من كتابه «نزهة النفوس» وفى الجزء الثانى من «إنباء الغمر» لابن حجر الموجود فى مكتبة الأزهر بالقاهرة (^١)، ومخطوطة أخرى هى مسودة كتاب ألفه عن الفترة الأخيرة من عصر قايتباى، وتعتبر تكملة وذيلا لمؤلفه «إنباء الهصر»، أما النسخ التى كان ينسخها للبيع أو لخزائن كتب البعض فكان ينمق فيها خطه رجاء وجود سوق نافقة لها، وحتى يقبل عليها المشترون.
***
ولابن الصيرفى عدة مؤلفات سلم بعضها من عاديات الزمن فوصلت إلينا - أو وصلت أجزاء منها - سالمة، أما البعض الآخر فلا نعرف مكان وجوده حتى الآن لخلو الفهارس المطبوعة من الإشارة إلى مظانها.
وله كتاب ضخم يعرف باسم «نزهة النفوس والأبدان فى تاريخ الزمان»، ألمّ فيه بتاريخ العرب والإسلام منذ الجاهلية وانتهى فيه إلى عهد السلطان جقمق، وقد قسمه إلى أجزاء حسب العصور، سمّى قسما منه «بالجوهرية» وهو خاص بالسيرة النبوية، وقد تعددت إشارته إلى ذلك العمل الضخم الذى يبدو أنه كان يعتبره أعظم ماقام به حيث غطى به تاريخ الإسلام والمسلمين؛ والكتاب مقسم
_________________
(١) يقوم محقق هذا الكتاب بتحقيق كتابى «نزهة النفوس والأبدان» القسم الخاص بالدولة المملوكية المتأخرة» و«إنباء الغمر بأنباء العمر» ويقوم مركز تحقيق التراث بوزارة الثقافة بالجمهورية العربية المتحدة بنشر الكتاب الأول كما يقوم المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة بنشر الكتاب الثانى.
[ ١٧ ]
إلى أجزاء عدة أشار إلى بعضها، أما الجزء الأول منه فمفقود أو - على الأقل - غير معروف مكانه حتى الآن، وأما الثانى، فموجود بخط يده فى مكتبه رضا رامبور بالهند تحت رقم ٣٥٣٧، وهو فى سيرة الرسول الكريم، وبقع فى أربعمائة ورقة ومسطرته ٢١ سطرا، وتوجد منه صورة على فيلم بمكتبة معهد المخطوطات العربية التابع للجامعة العربية بالقاهرة تحت رقم ١٢٨٤، وقد انتهى فيه ابن الصيرفى إلى نهاية حياة الرسول، ثم يتلوه جزء آخر عن الخلفاء الراشدين، نستدل على هذا من قوله فى ختامه: «أكمل الجزء الثانى من كتاب نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ أهل الزمان، على يد مؤلفه عام سبع وستين وثمانمائة من الهجرة النبوية، ويتلوه إن شاء الله تعالى فى أول الجزء الثالث ذكر الخلافة وأيام الراشدين».
ولقد عرض الجوهرى جزءه هذا الخاص بالسيرة النبوية الطاهرة على طائفة من أبرز رجال عصره لا سيما فى ميدان التاريخ فطالعوه وأثنوا عليه ومنهم - كما أشرنا - محيى الدين الكافيجى والسيرامى وابن تغرى بردى والأمين الأقصرائى وغيرهم، فنظروا فيه النظرة الجديرة بكل كلمة تقال عمن تضمنه.
وقد فقدت الأجزاء التى تلت كتابه عن حياة الرسول العربى الكريم ولكن وصل إلينا منها الجزء الخاص بدولة الجرا كسة فى مصر، والذى نقوم بنشره حاليا فى أجزائه الأربعة باسم «نزهة النفوس والأبدان، فى تاريخ الزمان» والذى صدر منه الجزء الأول المتضمن أحداث عهد السلطان برقوق ووفياته أى منذسنة ٨٤ حتى ٨٠١ هـ.
***
بقيت ملاحظة أخيرة عن أسلوب الكاتب، فالمعروف أنه درس فى كبره
[ ١٨ ]
على أيدى الكثيرين من علماء عصره، أما فى طفولته ومستهل حياته فلا نكاد نقف على ذكر لمثل هؤلاء فيمن كان يختلف إليهم ابن الصيرفى، وربما كان لفقر أبيه دخل فى هذه المسألة وفى التقصير فى إتاحة الفرصة للصغير فى أن يتلقى من العلوم ما يتهيأ لمثل من كان فى سنه إذ ذك من أبناء ذوى الثروة والجاه ومن لديهم فضلة من المال ولهم حظ من الثروة والغنى، فلم يحد الأب لديه من المال ما يساعده على أن يهيئ لابنه علىّ فراغا يقرأ فيه الكثير من علوم اللغة وأصولها، ولكن يبدو أن الجوهرى الفتى أخذ نفسه بالدرس والتحصيل ما وسعه الجهد وإن يكن على غير خطة مرسومة، وأنه كافح فى سبيل لقمة العيش لنفسه أوّلا ثم لنفسه وأولاده فيما بعد معا كفاحا استلزم منه أن يقضى وقته فيما بين نظر فى كتب التاريخ يستوعبها إشباعا لرغبته، أو ينسخها للارتزاق.
ولقد انعكست قلة محصوله اللغوى فى أسلوبه فلم يستقم كما ينبغى أن يكون، ولم يستطع هو أن يرقى إلى مستوى أمثال ابن حجر والمقريزى والعينى، وعجز عن أن يجارى فى الأسلوب آخرين كالسخاوى والسيوطى.
وهو فى كتابته أقرب فى كثير من الأحيان إلى المصرية الدارجة، فإن أعوزه اللفظ الفصيح بادر إلى استعمال الدارج المألوف، بل وربما اشتق منه ما يحاول به شرح مقصوده، وهذه ظاهرة جديدة بالدراسة عند هذا المؤرخ حاول تقليده فيها - وربما عن غير قصد - ابن إباس، لكن لم يتأتّ لابن الصير فى السير إلى نهاية الشوط.
ومع استعمال ابن الصيرفى لكثير من الألفاظ العامية وكثرة لحنه وتصحيفه إلاّ أنه كان - على ما يبدو - لا يرى فى نفسه إلاّ مالكا لمقاليد اللغة والكتابة، يتمثل هذا فى نقده الشديد لأسلوب ابن تغرى بردى صاحب
[ ١٩ ]
كتابى النجوم الزاهرة والمنهل الصافى وغيرهما من أمهات المصادر التاريخية، فهو يقول عنه: «إنه عامى داص … بكتب كتابة ما تصدر عن صغار الكتاب المتعلمين من تصحيف وزيادة فى الأحرف ونقص ولحن مفرط، حتى إن الضّاد الساقط يكتبها منشالة وضد دلك»، وهذه العبارة على قصرها لا تستطيع الصمود أمام النقد لما فيها من خطأ فى التعبير؛ على أننالو عضضنا الطرف عن ذلك فإن مثل هذا النقد ربما كان مقبولا لو أنه صدر عن رجل غير ابن الصيرفى، وقد نقبله إلى حد ما حين يقول رجل كالسخاوى فى وصف أحد مؤلفات ابن تغرى بردى إن فيه «الوهم الكثير والخلط الغزير»، أما أن يقوله ابن الصيرفى فمكابرة ومغالطة وكان أحرى به أن يعتصم بالصمت فى هذا المجال فما هو من فرسانه، ذلك أنه هو نفسه كثير الأخطاء النحوية واللغوية، وفى أسلوبه - حين يحاول الفصحى التامة - بعض - إن لم يكن كثير - من الغموض، ولقد أشرنا فى الحواشى إلى بعض أخطائه التى صححناها فى المتن، ومنها كلها نستدل على ما يمكن أن يغمز به من هذه الناحية، وأنّه آخر من يحقّ له أن يضع نفسه من أبى المحاسن موضع الناقدمن المنقود والأستاذ من التلميذ فى هذا الباب، وغاية ما يمكن أن يقال عن ابن الصيرفى - كما أشرنا - إن أسلوبه هو بداية أسلوب الكتابة التاريخية التى أخذت فى الظهور بصورة جلية فى مصر وللتى يمثلها ابن إياس الحنفى الذى يكاد يكون عامى العبارة كثير الأخطاء اللغوية، وهذا الضرب من تدهور الكتابة التاريخية يظهر بتوسعه فى استعمال اللهجة المحلية الدارجة بقواعدها الشاذة واشتقاقاتها وتراكيبها ومصطلحاتها التى تكاد تجعل منها لغة غريبة عن الفصحى فى الربع الأخير من القرن التاسع الهجرى فى مصر على وجه الخصوص قبل الاحتلال العثمانى، الذى وجد السبيل أمامه ميسرة فى زيادة الاضطراب اللغوى، وإن كانت مقومات العربية الفصحى وحفظ القرآن وروايته الحديث - حتى فى عهود الضعف - حافظت
[ ٢٠ ]
على لغة الضاد من أن تتلاشى ومن أن تفسح المجال للتركية لغة المحتل.
لكن رغم هذه الأخطاء فإن كلا من إنباء الهصر لابن الصيرفى وبدائع الزهور لابن إياس يعد مصدرا هاما من مصادر التاريخ المصرى فى تلك الحقبة الأخيرة قبيل الغزو العثمانى لمصر، ولكنهما من حيث المادة التاريخية مكمّلان لأبى المحاسن.
***
أما المخطوطة التى ننشرها اليوم وهى: «إنباء الهصر بأبناء العصر»، فموجودة أصلا فى المكتبة الأهلية بباريس ومنها صور فوتو غرافية بالمكتبة التيمورية بالقاهرة تحت رقم ٢٢٨٥ تاريخ كما توجد منها صورة على فيلم بمكتبة معهد المخطوطات العربية بالجامعة العربية بالقاهرة تحت رقم ٦٦، أما المخطوطة فتقع فى ٢٠٨ ورقة، وخطها نسخ واضح لكن يكثر فيه الخطأ والتصحيف، ولقد زاد من صعوبة تصحيح مثل هذه الأخطاء عدم وجود نسخة أخرى منها للمقارنة والاستنباط. يضاف إلى هذا أن هذه النسخة غير كاملة فقد ضاعت منها الأحداث الأخيرة من سنة ٨٧٧ هـ حتى أوائل أحداث ٨٨٥ التى لم يصلنا من وفياتها سوى ترجمة إبراهيم البقاعى، بل إن هذه الترجمة فى ذاتها لم تسلم من ضياع بقيتها مع بقية وفيات تلك السنة وأوائل العام التالى له الذى لم يصلنا منه سوى جزء من شهر صفر.
***
وقد يبدو فى العنوان شئ من الغرابة، ولم نستطع الوصول إلى علة تسميته هذا التاريخ بهذا الاسم إلاّ أن يكون «الهصر» تحريفا أو اشتقاقا من جانب المؤلف لكلمة «الهصر بمعنى الأسد» ويقصد به السلطان قايتباى الذى تفيض صفحات الكتاب بالتغنّى به والإشادة بحكمته وسياسته ودينه، ويبدو لنا أن
[ ٢١ ]
ابن الصيرفى أراد أن يجعل لنفسه ذكرى فنهج منهج ابن حجر العسقلانى فى تسمية تاريخه «بإنباء الهصر بأنباء العصر» كما أنه جعل مفتتحه سنة ٨٧٣، كما جعل ابن حجر مستهل تاريخه عام ٧٧٣، ولكن الذى دعى ابن حجر لذلك هو أنه أراد أن يضع تاريخا منذ «مولده»، وإلاّ فلو أن الجوهرى أراد أن يجعل هذه المخطوطة لتاريخ السلطان قايتباى لوجب عليه أن يرجع إلى الوراء سنة فيحمل بدابتها ٨٧٢ وهى سنة توليه الحكم. أما خاتمة المخطوطة فلا نستطيع أن نجزم فيها بشئ نظرا لعدم العثور حتى الآن عليها، كما أن السخاوى لم يشر إلى اسم هذه المخطوطة، وعلى ذلك يبقى سبب ابن الصيرفى فى وضعه هذا الكتاب على هذه الصورة الحالية سرّ لعل الأيام تكشفه فلستطيع الحكم عليه.
***
وبعد فإننى أشكر تلاميذى السيد/عبد العظيم خطاب الذى قام بعمل الكشافين، وكذلك السيدين/أحمد مصطفى عبد السلام وجمال جرجس يوسف فقد قام أولهما بنسخ القسم الأكبر من المخطوطة كما قام الثانى بمراجعتها معى على الأصل أثناء الطبع، والسلام.
القاهرة فى
٢٥ شعبان ١٣٨٩
٦ نوفمبر ١٩٦٩
حسن حبشى
[ ٢٢ ]
﷽
اللهم أعن والطف يا كريم