. مات فجأة فى الليلة المصبحة عن الخميس ثالث عشر شهر الله المحرم سنة تاريخه، أى خمس وسبعين وثمانى مائة. وكان فاضلا فى العربية والفرائض، وأما الفقه فكان فيه بالفقيرى، وكان رزق ولدا فلما صار فى سبع سنين من العمر فى بداية دولة الملك الظاهر المذكور هذّبه وأدبه وأقرأه القرآن، وكان شكله لطيفا وذهنه وقادا وحفظه سريعا راسخا، وعلّمه والده - صاحب هذه الترجمة - إعراب آيات من كتاب الله العزيز، وصار يسأل منه عن إعرابها (^١) بحضور الظاهر المذكور ومن عداه من أمرائه ومباشريه وأرباب دولته فيجيب بإتقان وتؤدة، ويسرد ذلك كالماء الجارى لما تقرر فى ذهنه وقريحته الوقادة، وصار الأكابر يحسنون إليه ويعجبهم صنيع هذا الولد الصغير، وأدب هذا الوالد الكبير له.
وأما الظاهر المذكور فصار ينعم عليه بالذهب والكتب حتى إنه اشترى له ملكا بنحو خمسمائة دينار، وصار يتردد للأكابر والأعيان فيعلم أولادهم الكتابة والقراءة والفرائض والعربية وإعراب الأبيات والأحاديث، ومن جملة من قرأ عليه وعلمه الشيخ سرى الدين عبد البر ابن قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة وولدا (^٢) أخيه اللذان هما قاضيان فى مدينة حلب أحدهما شافعى
_________________
(١) فى الأصل «إعرابهم».
(٢) فى الأصل «أولاد».
[ ٢٩٥ ]
والآخر حنفى، وصار له بين الناس ذكر فقصد لتأديب أولادهم، ومن جملة من طلبه لذلك المقر المحيى ابن الأشقر، والمقر الأشرف الزينى ابن مزهر حفظه الله، والمقر الكمالى ناظر الجيش، وصار يسعى فى تحصيل ما يسأل فيه من الأكابر، فقرر له على الجوالى ورتب له على الأوقاف التى تحت نظر حاكم المسلمين الشافعى وحاكم المسلمين الحنفى، و[قرر له] حضور بمدرسة جمال الدين، وحضور بمدرسة بيبرس، وأخذ أيضا التكلم على زاوية الشيخ نصر الله بخان الخليلى وغير ذلك، لكنه كان يرمى بأنه شيعى وأنه - والعياذ بالله تعالى - ما يحب السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، وأنه يوم العشر (^١) يأخذ معزاة وينتف شعرها بيديه، ولكنا ما ظهرنا على ذلك منه.
ومات ولده المذكور فأسف عليه أسفا عظيما بل [أسف عليه] كل من رآه من الناس، واشترى له عبدا صغيرا ابن سبع سنين وأقرأه وجدّ فيه واجتهد فحفّظه القرآن العظيم، وعلمه إعراب آيات وصار لا يفتر عن تعليمه حتى مهر وبهر واشتهر، وكان صاحب الترجمة يحضر دروس العلماء خصوصا الشيخ تقى الدين الشمنى (^٢) الحنفى، ويعرف صناعة النجارة، ويعمل الأشياء النفيسة فيتغالى (^٣) الرؤساء فى شرائها بأغلى الأثمان، ويعرف صناعة الحدادة ويتقنها إتقانا حسنا، ويصنع الإسفيداج (^٤) وغير ذلك من الطرائف، ورتب له فى البخارى الذى يقرأ بقلعة الجبل - بحضور السلطان يكون ختمه - صرة
_________________
(١) أى عاشر المحرم.
(٢) فى الأصل «السمنى» والصحيح ما أثبتناه بالمتن بعد مراجعة الضوء اللامع ٢/ ٤٩٣ حيث الضبط منه، وقد ترجم له السخاوى ترجمة مطولة، وكذلك السيوطى فى بغية الوعاة، انظر أيضا شذرات الذهب ٧/ ٣١٣ - ٣١٤.
(٣) فى الأصل «فيغالوا».
(٤) انظر عنه الخوارزمى: مفاتيح العلوم، ص ١٤٩، والقانون لابن سينا ١/ ٢٥٨.
[ ٢٩٦ ]
ألفى درهم كل سنة. وكان كثير التردد لبيوت الأكابر فيعظمونه (^١) ويكرمونه ويقضون حوائجه ويتفقدونه، كل ذلك وهو راكب حمارا قصيرا جدا يشبه حمار القراد و[معه] عبد كثير؟؟؟ جدا، وعيشته زرية إلى الغاية وملبسه أيضا كذلك، ولم يخلف وارثا، غير أنهم ذكروا أن له أولاد أخ بحلب وزوجته هنا. ووجد له من المال تسعمائة دينار فضة وذهبا، وقيل سبعمائة خالصة للوزير غير ما وصل لمباشريه وأرباب المواريث الحشرية، وخرجت وظائفه لعدة من الطلبة المجتهدين فى السعى، المباشرين حضور بيوت الأكابر مثل المقر الأشرف الكريم الزينى ابن مزهر والأمير الدوادار الكبير، ودفن بتربة الصوفية.
والله تعالى يعفو عنا وعنه بمنه وكرمه.