، العالم العلامة فريد دهره ووحيد عمره وأعجوبة زمانه، الصّين الدين العفيف الحجة الأمة، وأصله من شروان (^٢) وبها نشأ واشتغل ودأب، ثم رحل بعد ذلك كله فى طلب العلم وطاف البلاد وقرأ على علماء عصره، فبرع فى الفنون العقليات وانتهت إليه الرياسة فى ذلك وفى غيره من التصوف والتفسير، ودخل إلى الديار المصرية بعد سنة ثلاثين وثمانى مائة عالما مستحضرا، فتأهب للإقراء والتدريس فانثال (^٣) عليه أكار الطلبة بالديار المصرية من كل مذهب وانتفعوا به وأكبّوا عليه فحصلوا منه علما كثيرا، مع جلالة قدره وكثرة وقاره وعفته الزائدة وعدم ترداده إلى أحد مطلقا لا من أعيان الدولة ولا من غيرهم، غير أنه نزل بدار القاضى محب الدين ابن الأشقر (^٤) كاتب السر الشريف كان، فإنه كان له وبأقاربه معرفة من الحجاز الشريف، وعاد من البلاد الشامية ثم عاد إلى الديار المصرية فى دولة الملك الظاهر جقمق، ونزل بمدرسة (^٥) المرحوم السعدى إبراهيم بن الجيعان التى أنشأها على شاطئ النيل المجاورة للبرانحية.
وطلبه الملك الظاهر جقمق إلى عنده مرات وهو يمتنع من ذلك، وكذلك أعيان الدولة كانوا يودون ألا يفارقوه لما يرونه (^٦) منه من الخير والصلاح
_________________
(١) فراغ فى الأصل بقدر كلمتين، ولكن بمراجعة السيوطى: نظم العقيان، ص ١٣٥، وابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٧ لم نجد ما يشغل هذا الفراغ سوى كلمة «إبراهيم».
(٢) شروان مدينة وإقليم، أما المدينة فمن نواحى الباب والأيواب، أما الإقليم ففيما يلى نهر الكر على بحر قزوين وقصبته الشماخية أو شماخى، وفى أقصى شماله باب الأبواب وهو الاسم العربى لدربند، انظر مراصد الاصلاع ٢/ ٧٩٣، ٨١٠ ولى سترانج: بلدان الخلافة ص ٢١٤ - ٢١٥.
(٣) فى الأصل «فانثالوا».
(٤) السيوطى: نظم العقيان، ص ١٥٣.
(٥) لم نجد له مدرسة إلا ما ذكره الضوء اللامع ج ١ ص ٦٨ س ١٤ من أنه أسس جامع بولاق «بالقرب من منظرة الحجازية» كما أوقف عليه منظرة.
(٦) فى الأصل «يروه».
[ ٩٢ ]
والدين المتين والصدق فى الأقوال والأفعال، وصار هو كلما زادوا فيه حبا يزيد عنهم بعدا، ووقعت له محنة وأى محنة. وهو أنه سعى فى وظيفة تدريس المدرسة الطيبرسية (^١) الملاصقة لجامع الأزهر ودرّس بها، فسعى عليه فيها القاضى ولى الدين أحمد الأسيوطى وأخذ الوظيفة منه، وهو الذى استقر بعد هذا فى قضاة القضاة الشافعية فى دولة خشقدم فى سنة اثنتين وسبعين وثمانى مائة بعد شغور المنصب أياما عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين أبى السعادات البلقينى (^٢) واستمر فيها إلى هذا التاريخ - أعنى إلى سنة ثلاث وثمانين وثمانى مائة، مع أن صاحب الترجمة سئل من القاضى عبد الباسط أن يستقر فى مشيخة مدرسته فامتنع من ذلك، وكان عظيم الدولة فى عصره إذ ذاك - الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم (^٣) ناظر الجيش والخاص - يعظمه ويكرمه ويود لو يقبل منه شيئا من الدنيا، وأرسل إليه بعدة أشياء من ثياب ونقد وضحايا وغير ذلك على يد القاضى نور الدين البرقى الحنفى الذى كان فى خدمته فلم يقبل منه شيئا ورده إليه، وقد أشيع ما اتفق له مع أبى الخير النحاس وهو فى أوج عظمته لما توفى شيخنا شيخ الإسلام قاضى القضاة ابن حجر وخلّف عدة وظائف من جملتها تدريس فى التفسير بالقبة (^٤) المنصورية، ورسم السلطان بها لصاحب الترجمة فامتنع على لسان المقر الكمال ابن البارزى (^٥) كاتب السر رحمهما الله، فعرف السلطان ذلك فاحتدّ من الكمال، وبادر
_________________
(١) هى من إنشاء الأمير علاء الدين طيبرس الخزندارى نقيب الجيوش وجعلها مسجدا وقرر بها مدرسا ودروسا للفقهاء الشافعية ورخمها أحسن ترخيم وفرغت عمارتها سنة ٧٠٩ هـ، راجع المقريزى: الخطط ٢/ ٣٨٢.
(٢) السيوطى: نظم العقيان، ص ١٦٤.
(٣) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ١٢١٢.
(٤) هى من إنشاء الملك المنصور قلاون الألفى الصالحى، وهى تجاه المدرسة المنصورية داخل باب المارستان المنصورى وهى معدة لإقامة الخدام المماليك المعروفين بالطواشية ولهم كل يوم ما يكفيهم من الخبز واللحم المطبوخ، انظر الخطط ٢/ ٣٧٩ - ٣٨١.
(٥) السيوطى: نظم العقيان، ص ١٦٨ - ١٦٩.
[ ٩٣ ]
أبو الخير النحاس وقال: «ضمان الشيخ علىّ، أنا أخليه يقبل» وتوجه إلى عند الشيخ بالمدرسة الظاهرية (^١) القديمة بيبرس البندقدارى بعد المغرب، وكنت حاضرا عند الشيخ فإنى كنت ملازما لخدمته تارة أقرأ وتارة أحادثه فى أحوال التاريخ والأمم الماضية وحوادث الأيام والشهور والأعوام، حتى لما يريد يتنزه لا يفارقنى، وكنت فى صحبته وخدمته كما يحب وينبغى، فكان يأمرنى إذا ابتعت له من السوقة وغيرهم أن ابتاعه له بلفظ «بعت واشتريت»، وكان الشيخ عنده تواضع زائد للكبير والصغير والحقير والفقير والجليل، وبمجرد يدخل عليه أحد يقف له ويعظمه، وكان قد بلغ الشيخ أن السلطان احتد على المقر الكمالى بسبب أنه نقل عن الشيخ أنه ما قبل الوظيفة، وأن أبا الخير التزم للسلطان بقبولها له، فلما رآه الشيخ - وكان فى وسطه كمران (^٢) - تحرك له وجلس وتكلم معه فى توليته لوظيفة التفسير بعد أن وعده أن يزيد معلومه بالجوالى فى كل شهر كذا وكذا دينارا وأشياء من هذا النمط، فأجابه بأنه لو أعطى مل هذه المدرسة ذهبا ليكذّب صاحبه - ويعنى به المقر الكمالى - ما فعل ذلك، وقام، ولم يقبل الشيخ شيئا.
ووليها الشيخ أبو الفضل المغربى المالكى، وقضيته أيضا لما عزم إلى سفر دمشق وشاوروا السلطان عليه امتنع وقال: «لابد أن يحضر إلى ويدعولى»، فغصبه المقر الكمالى على صعوده للسلطان، فطلع إليه يوم سفره وهو مكره، فقام له الملك الظاهر وعظمه وبجله وأكرمه، ودفع له مائة دينار فأخذها
_________________
(١) ابتدأ الظاهر بيبرس البندقدارى بعمارتها سنة ٦٦٠ وفرغ منها ٦٦٢ هـ وكانت بها خزانة كتب وبنى بجانبها مكتبا لتعليم أيتام المسلمين وأجرى لهم الجرايات والكسوة، انظر الخطط ٢/ ٣٧٨.
(٢) بفتح الكاف والميم حزام من جلد يشد حول الوسط، وقد ذكر Dozy:op.cit .،١،٤٨٨ بناء على عبارة واردة فى المقريزى بالسلوك، أنه كان - فى الدولة الأبوبية - يليسه الأمراء والعسكر والسلطان نفسه «من فوق القباء كمران بحلق وإبزبم».
[ ٩٤ ]
ودعى له وتوجه مسافرا، فلما وصل إلى خارج القاهرة عند رأس الحسنية إلا والفرس لعب به فسقط فانكسرت رجله، فاستمر منقطعا ورجله فى صندوق والأطباء يلاطفونه، حتى نفد ما أعطاه له الظاهر جقمق ولم يأكل منه فى جوفه لقمة واحدة.
وأما غير ذلك ممن قرأ عليه فمخدومنا رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين، والقاضى نجم الدين يحيى (^١) ابن حجى وغيرهما من الأماثل والأفاضل والأعيان الذين صاروا شيوخا ومدرسين بالديار المصرية وغيرها. ومن محاسنه أنه ما وجد فى دار أحد من الأغنياء والرؤساء، وكان يودنى وبعظمنى، وقرأت عليه شرح العمدة للنسفى فى الأصول، وقرأت عليه العبرى وحضرت عليه قراءات كثيرة مفيدة بحضور الشيخ العلامة جمال الدين عبد الله الكورانى (^٢) فإنه ما كان عند الشيخ أعظم منه ولا أمثل فإنه كان يبحث معه ويدقق ويشهد له بجزيل الفضل، وطار صيت صاحب هذه الترجمة بهذه الأوصاف الحسنة الجليلة فى الأقطار والأمصار، وفى الواقع فكان بوجوده فى الوجود تجمل (^٣) زائد. وكان صاحب هذه الترجمة ﵀ يعظم شيخنا شيخ مشايخ الإسلام المحيوى الكافيجى ﵀ تعظيما جزيلا ويذكر أنه من أربعين سنة رأى حلقة طلبته بالبلاد أكثر من خمسين نفرا، وكذا كان الشيخ محيى الدين المذكور يعظمه ويصفه بالعلم الغزير والدين المتين، وما رأيت أنقى من ثيابه ولا أنظف منها ولا أبهى منها ولا أجمل من هيئته فإنه كان نحيفا لطيفا ظريفا عنده اصفرار من العبادة وكثرة الآلام، وكوسجا (^٤) نقى الشيبة حسن اللفظ فصيح العبارة، وخادمه
_________________
(١) راجع ترجمته فى الضوء اللامع ٥/ ١٨٥.
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ٥/ ١٨٥.
(٣) فى الأصل «تجملا زائدا».
(٤) الكوسج هو الأمرد الذى لا لحية له، انظر Dozy:op.cit.II،p .٤٩٨، وفى تاج العروس، نقلا عن شفاء الغليل «الكوسج عجمى معرب» وقال «قالوا من طالت لحيته تكوسج عقله»، انظر أيضا (كسبج). Lane:Lexicon،٧،Ip .٢٦٠٩
[ ٩٥ ]
السيد الشريف كان كبير اللحية، واتفق أن بعض الغرباء دخلوا لزيارة الشيخ فوجدوا الشريف بلحية عظيمة وهيئة جسيمة والشيخ نحيفا لطيفا، فبادروا للشريف وقبّلوا أيادبه ظنا منهم أنه الشيخ فقال لهم: «هذا هو الشيخ»، فلما سمع الشيخ كلامه قال للشريف: «هؤلاء يسلمون على ذقنكم».
توفى رحمه الله تعالى بعد قدومه من مجاورته بمكة المشرفة فى ليلة السبت مستهل شهر صفر، ودفن من الغد بتربة سيدى عبد الله المنوفى بالقرب من ضريحه وقد ناهز الستين تخمينا، تغمده الله برحمته وأسكنه بحبوحة جنته، وجمعنا عليه فى مستقر رحمته. آمين.