_________________
(١) السيوطى: نظم العقيان، ص ١٤٢
(٢) تنسب هذه الحارة إلى الأستاذ أبى الفتوح برجوان أحد خدام القصر الفاطمى زمن الخليفة العزيز بالله نزار وكان خصيا أبيض، وقد ترجم له المقريزى فى الخطط ٢/ ٢ - ٣ ترجمة مطولة.
(٣) فراغ فى الأصل وقد أضيف ما بين الحاصرتين من ترجمته فى السيوطى: نظم العقيان ١٤٢، والضوء اللامع ٧/ ٤٥٤.
[ ٩٧ ]
قاضى القضاة حسام الدين المالكى. أخبرنى بمولده ثم نسبته وأظنه تخمينا (^١) فى عشر السبعين، وكان له يد طولى فى معرفة القراءات ومشاركة تامة فى الفقه واطلاع زائد فى التاريخ ومعرفته، ذاكرنى كثيرا ﵀ فى التاريخ فرأيته فيه بحرا لا يجارى، ووقف على تاريخى الكبير المسمى «نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ الأزمان»، وكتب لى عليه كتابة بليغة تنبئ عن عرفانه بفن التاريخ، وأجرى علىّ فضلا جزيلا من الضحايا فى كل سنة، ومن الإنعام أيضا فى شهر رمضان، ومن القمح والعسل وغير ذلك ﵀، وكان يودّنى كثيرا وبينى وبينه صحبة أكيدة من أيام الصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخ، وبعده الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم (^٢)، فإنه فى بداية أمره كان نائبا فى الحكم بمنفلوط وغيرها مدة سنين، واشتغل بالزراعات والمستأجرات فى ديوان الدولة والمفرد حتى صار له فى كل سنة من متحصل الغلال والأعسال والأقصاب شئ كثير جدا، وتجمّد عليه من الديون جمل (^٣) كثيرة أيضا، وتوغل فى الديون توغلا زائدا حتى صار لا يحصى ما عليه من الديون ومع ذلك يخدم السلطان وأمراءه (^٤) ووزراءه بالأموال الجمة والخيول العظيمة الجياد وغير ذلك، وهو فى عز شامخ، وفضل باذخ، وكرم وافر، وعقل باهر، واستمر على ذلك إلى أن توفى قاضى القضاة ولى الدين السنباطى (^٥) المالكى بالديار المصرية وتكلم الأمير يونس (^٦) الدوادار الكبير مع الملك الأشرف
_________________
(١) أشار السخاوى، شرحه إلى أنه ولد فى العشر الأخير من رمضان سنة ٨٠٤، وقد خلت الشذرات من ترجمته.
(٢) راجع الضوء اللامع ج ١ ص ٦٧ - ٦٨.
(٣) فى الأصل «جملا».
(٤) فى الأصل «أمرائه».
(٥) كانت وفاته فى رجب سنة ٨٦١ هـ، راجع السيوطى نظم العقيان، ص ١٦٤.
(٦) راجع الضوء اللامع ١٠/ ١٣٢٠.
[ ٩٨ ]
إينال فى ولاية قضاء الملكية للشيخ شمس الدين (^١) القرافى فأنعم له بها، ورسم للصاحب جمال الدين يوسف عظيم الدولة ابن كاتب جكم أن يصعد غد تاريخه بخلعته يوم السبت، فبمجرّد ما يلغ الصاحب جمال الدين ذلك نهض نهضة الأسود، وقلت بالسلطان عن ما أمر به وتكلم لصاحب الترجمة فى ما رسم له به، وطلبه لحضرته، وخلع عليه بقضاء القضاة المالكية وكان له يوم مشهود، وكانت خلعته طرحة خضراء لكونه شريفا. ولما ولى قضاء القضاة بالديار المصرية صار له حرمة وضخامة وعفة زائدة، غير أنه يتكلم فى بلاد السلطان التى بالوجه القبلى ويحمل مالها فى كل سنة للخزانة الشريفة، فخلع عليه عندما (^٢) يغلق المال، وعرف (^٣) الحكام طريقه، ولا زالوا به حتى تدرّك (^٤) البلاد السلطان وغرم فيها أموالا جمة، ثم مرض فطالت علته إلى أن مات.
وكان له كلمة نافذة فى الوجه القبلى بل وفى القاهرة، فإنه كان هو القائم فى عزل على بن الأهناسى (^٥) لما تخاصم وهو وإياه بسبب بلاد الدولة الشريفة، وآخر الأمر عزله وقبض عليه وأخذ السلطان أمواله، واستقر بابن صنيعة (^٦) وزيرا عوضا عنه، وغرم بسببه جملا من الأموال ومع ذلك لم يسد الوظيفة وعزل، وصار الإسم على صاحب الترجمة متكلما فى الوزارة ومكوسها واحتمل وتحمل الديون، وكان مع ذلك على ما بلغنى لا يمس دينارا ولا درهما بيده مع الكرم الزائد والعطاء المتصاعد، وكان المقر الأشرف السيفى عظيم الدولة
_________________
(١) راجع الضوء اللامع ٧/ ٥٦، السيوطى: نظم العقيان، ص ١٣٦.
(٢) يغلق المبلغ، أى يستوفيه، راجع Dozy:Supp.Dict.Ar I .٢٢٤
(٣) فى الأصل «عرفوا».
(٤) تدرك لها فى هذا الوضع معنيان أحدهما أنه أدرك البلاد، أما الآخر - وهو فى الغالب - ما يقصده المؤلف أن السلطان التزم بما على هذه البلاد من الأموال.
(٥) الضوء اللامع ٥/ ٩٩٦.
(٦) هو يحيى الشرف القبطى، انظر الضوء اللامع ١٠/ ١٠٦١، ونفس الجزء ص ٢٥٥.
[ ٩٩ ]
ومدبرها ومشيرها ووزيرها وأستادارها الكبير عز نصره شكى (^١) إليه أهل الوجه القبلى من صاحب الترجمة من أعوانه، وأنهوا عنه أنه وضع يده على عدة بلاد وجزائر واستولى عليها وما أشبه ذلك، فوقع بينهما نفرة ووحشة.
وولى عوضه أخوه القاضى سراج الدين عمر القضاء، والتزم عنه السلطان بمال، وسنذكر ما اتفق له ولورثة القاضى حسام الدين صاحب الترجمة من الشرور والغوغاء.
قال الجمال يوسف بن تغرى بردى فى تاريخه عنه مع أن بينهما صهارة (^٢) وهو أن الحسام كان تزوج بأخت الجمال ثم طلقها فقال عنه: «كان حسام الدين يسلك فى لبسه غير زى القضاة من تصغير العمامة وركوب الفرس فى الغالب من غير بغلة ولا طيلسان، فكان الذى يراه ولا يعرفه يحسبه بعض التجار أو من مدركى (^٣) البلاد، ومات ودخله كبير ودينه كثير «حسابه على الله تعالى» انتهى كلامه.
قلت: كان جميلا فى لباسه، ويركب الخيول الجياد التى ثمن كل فرس [منها] ما يزيد على المائتى دينار ويركب البغلة والكنبوش (^٤)، واشترى الجوارى الحسان البيض والحبوش الملاح وهم عنده بكثرة، ويبتاع العبد الواحد منهم بمائة دينار ويكسوه بمثلها، ولما يكثرون (^٥) يجعلهم فى البلاد.
وتوفى فى ليلة مباركة وهى مستهل شعبان بمصر القديمة، وصلى عليه بجامع
_________________
(١) فى الأصل «شكوا».
(٢) صهارة أى مصاهرة، وقد ورد فى Freytag:Lexieon Arabico Latinum صهارة «بضم الصاد» وعرفها بأنها Liquamen;Segmentum Adipis quod
(٣) فى الأصل «مدركين».
(٤) الكنبوش بفتح الكاف قماش لتغطية الشكل أو الصورة Dozy،op.cit.،p .٤٩١ - ٢ وقيل إنها قطعة من قماش كتان أوخام توضع على صدر الطفل Bocthor:Dieet.Fr.Ar. Rev.par A.C.de PeLreval أما بالضم فهى الطراحة تلقى على الحصان أو غطاء للمائدة.
(٥) فى الأصل «يكتروا».
[ ١٠٠ ]
عمرو بن العاص، وكان له جنازة حافلة مشهودة جدا حضرها رفقته قضاة القضاة وأعيان الدولة ورؤساؤها وغالب أمرائها ودفن بالقرافة، وأثنوا عليه خيرا، وهو الذى أمر بسفك دم منصور الأستادار فضربت عنقه بشهادة القاضى معين الدين الطرابلسى وغيره. وندم على ما قدم. والله يعفو عنه ويغفر لنا وله وللمسلمين.