، أبو الفضل ابن الشيخ زين الدين أبى الفضل ابن قاضى قضاة مكة محب الدين خطيب مكة وابن خطيبها وابن قاضيها، مولده فى سنة سبع وعشرين تخمينا، ونشأ يتيما هو وأخوه أبو القاسم، وأبو القاسم هو الأكبر، رأيته وهو بصير، ونشأ بمكة المشرفة فحفظ القرآن العظيم وعدة فنون فى مذهبه واشتغل يسيرا، وباشر خطابة مكة وهو صغير وأخوه المذكور شريكين لابن عمهما أمين الدين قاضى القضاة بمكة النويرى، ثم انفرد بها مدة ثم عزلا عنها غير مرة (^١) ويطول عزلهما وولايتهما سنينا، فقدر الله أن وقع بين صاحب الترجمة وبين قاضى مكة برهان الدين إبراهيم بن ظهيرة (^٢) وبين أمير مكة السيد الشريف محمد بن عجلان (^٣)، وقدم صاحب الترجمة إلى مصر فأقام بها عدة سنين فاشتغل بالعلم على شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائى وشيخنا شيخ مشايخ الإسلام محيى الدين الكافيجى فى عدة فنون، وحصل له بالديار المصرية عز وقبول زائد من أعيان ملوكها سيما جانم الأشرفى أخو (^٤) السلطان الملك الأشرف برسباى، فإنه كان عنده فى أوج العظمة والكمال ويرجع إليه ويصغى لقوله،
_________________
(١) عدد السخاوى فى الضوء ٩/ ٩٢ مرات عزلهما وولايتهما.
(٢) راجع الضوء اللامع ج ١ ص ٨٨ - ٨٩.
(٣) راجع الضوء اللامع ٨/ ٣٥٥.
(٤) اكتفى الضوء اللامع ٣/ ٢٥٥ بقوله عنه «إنه قريب برسباى».
[ ١٠١ ]
وصار كلما أمره بشئ لا يخالفه، وخدمه بالجوارى الحسان والأموال الكثيرة سيما وهو فى السجن، وكان بشّره بأنه يصير إليه الأمرأى يتسلطن، فلما خلص من السجن وولى نيابة حلب ازداد حبه له جدا وخدمه الخدمة النامة، وكان صاحب الترجمة اجتمع على حبه الخدام الأكابر ببيت السلطان كمثقال (^١) الحبشى - الذى هو الأمير سابق الدين مقدم المماليك السلطانية - وعدة من السقاة وغيرهم، وكان ﵀ يذكر أنه يجتمع بالقطب الغوث وغيره من الأبدال، فصار له اسم وسمعة عند الأتراك، واجتمع عليه الجم الغفير من مجاورى جامع الأزهر بواسطة جواره للجامع المذكور وصار يدرّس الفقه، وقرئ عليه صحيح البخارى فى الأشهر الحرم، وكان يختم البخارى به (^٢) ويصنع يوم الختم أمورا كثيرة من الخلع والإحسان للطلبة خارجا عن المأكل والمشرب، وكذلك كان يفعل بمكة المحروسة: ومع هذا المال الذى كان يصل إليه من الأتراك وغيرهم، كان عليه الديون الجمة الوافرة من كثرة جوده وكرمه الذى كان يصل للشارد والوارد، وكان يرى نفسه كبيرا ويصفها بعلوم زائدة لا يعرفها قط، وكان له اعتقاد كثير عظيم جدا فى الصلحاء والفقراء ويعظمهم ويزورهم، فلهذا طار صيته واشتهر ذكره.
وكان جميل الشكل حسن الهيئة متجملا فى ملبسه ومركبه ومأكله، كثير البشاشة والقرى والتواضع، فصيح العبارة مفوها مشداقا (^٣) محببا للناس، عفا الله عنه. توفى صبيحة يوم الخميس ثالث عشرى رمضان المعظم قدره، ودفن من يومه بالتنكزية خارج باب القرافة بسفارة برواح ابنة إسماعيل بن
_________________
(١) انظر الضوء اللامع ٦/ ٨٣٩.
(٢) أى بالجامع الأزهر.
(٣) لم يرد فى اللغة «مشداق، إن كان المقصود به البليغ المنطق المغوه، انظر تاج العروس ٦/ ٣٩١، Fraytag:op.cit.p .٣١٠. وقد تكتب بالذال انظر Dozy:I،p .٧٣٧
[ ١٠٢ ]
الخازن البكتمرية بعلة الطاعون، وكان أوصى أن يدفن بقبّة سيدنا الإمام الشافعى ﵁، وتعصّب له الأمير مثقال مقدم المماليك السلطانية وشاور السلطان على ذلك فأذن (^١) له، فارتجت القاهرة لذلك وشق عليهم كيف يحفرون فى القبة عند قبر الإمام الشافعى ﵁، فنهض رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى - كاتب السر حفظه الله على المسلمين - وصعد للسلطان وعارضه فى ذلك وقال:
«هذا لا يحل» - يعنى لا يجوز أن ينبش على قبر الإمام؛ فرجع السلطان عن ذلك والله الولى والمالك.
ولام الناس أبا الفضل صاحب الترجمة على هذه الوصية، وتفرقت العلماء وظائفه من بعده، ومن جملة من أخذ من وظائفه الشيخ العلامة زكريا (^٢) أخذ تدريس السابقية وسكن البيت المجاور لها الذى كان سكن ابن الملقن، وهو وقف المدرسة. وكان بيننا وبينه صحبة أكيدة ومجالسة ومذاكرات.
عفا الله عنه.