، مولده بمصر وبها نشأ، وباشر الخدم الديوانية صحبة الكتبة الأقباط، وباشر فى عدة جهات - منها نظر الاصطبل السلطانى ونظر ديوان المفرد غير مرة - ولا ينتج له أمر بل يعزل بعد قليل منها، وهو يتحمل الديون ما شاء الله، ولم يزل على ذلك إلى أن تحرّك سعده وتولى نظر ديوان المفرد رفيقا للأمير قزطوغان (^٣) لما ولى الأستادارية، ثم لما أفصل قزطوغان الأستادار رافق الزينى عبد الرحمن بن الكويز، ثم استقل
_________________
(١) فى الأصل «فكان».
(٢) السخاوى: الضوء اللامع ١٠/ ٩٨٣.
(٣) أورده الضوء اللامع ٤/ ٣٨ باسم «طوغان قيز» العلائى، ثم أورده مرة أخرى شرحه ١٠/ ٩٨٣ س ٢٦ باسم «قيز طوغان».
[ ١٧٢ ]
بالأستادارية فى دولة الملك الظاهر جقمق بعد استعفاء ابن الكويز منها فى سنة ست وأربعين وثمانى مائة عوضا عن ابن الكويز المذكور، ومن يومه نالته السعادة وأثرى وحصل من الحرمة الوافرة والكلمة النافذة والجاه العريض مالا نهاية له، وجمع من الأموال والأملاك والخدم ما لم يتّفق لأحد من أستاداريته فى عصره، بحيث أنه حاز (^١) من المماليك مائتى مملوك وخمسين مملوكا، وباسم كل منهم جامكية ببيت السلطان ولحم وعليق وكسوة وأضحية، وغالبهم خاصكية وباسمهم الإقطاعات، وفيهم من صار أمير مائة مقدم ألف، لأن فيهم من تولى [وظيفة] ملك الأمراء بالوجه القبلى، وفيهم من عمل كاشف البحيرة.
وعمّر الجوامع العظيمة منها الجامع المجاور لبيته بالقرب من قنطرة الموسكى، ومنها الجامع الذى بالحبّانية، ومنها الجامع الذى ببولاق، وعدة أخر بالقرى والنواحى والضواحى والبلاد، وعمّر الحمامات الهائلة والدور المفتخرة العظيمة، وعمل معروفا زائدا فى الفضل من مغسل وأكفان ومواراة الميت برمسه من الحمالين والحفارين وغير ذلك، وصنع أيضا صنيعا جميلا فى الغلاء للفقراء من تفرقة خبز ودقيق وقمح لكل أحد بقدر ما يلائمه، وكان يحسن لذوى البيوت ويتفقدهم ووصوله التى يكتبها بخطه إذا كانت بمائة ألف أو بدرهم واحد لا تعوق الذرة الواحدة، ودانت له الدنيا وأقبلت عليه، وتاه وصال، وصار السلطان معه مسلوب الاختيار، ومن عارضه يصير السلطان خصمه وتروح روحه، وصار كل مارامه بلغه، ولم يزل على ذلك إلى أن مات السلطان الملك الظاهر جقمق وولى السلطنة بعده ولده الملك المنصور عثمان طلب منه شيئا ينفقه على العسكر فصمم على الامتناع فقبض عليه وصادره وأخذ منه ذهبا نقدا
_________________
(١) فى الأصل «حوى» ولعلها تصحيف «حوى»، وقد أثبتناها بالمتن ليستقيم المعنى.
[ ١٧٣ ]
نحوا من مائة ألف دينار خارجا عن غلال وأعسال وغير ذلك، ومن ثم أخذ أمره فى الانحطاط وصودر غير مرة، وولى الأستادارية مرات ولم ينجح فيها بعد الملك الظاهر، ولا وجد له مخلصا غير الهرب والتسحب والاختفاء. ويتولى عوضه أستادار فيعجز ثم يطلبونه (^١) فيولونه ثم يعزل ويضرب ويحصل عليه من الإهانة والبهدلة والنكاية من أعدائه مالا مزيد عليه. أذكر من لفظه أنه صودر تسع عشرة مرة، واحتاج حتى باع حوائج بيته وقماش خيوله بعد بيع أملاكه، ولم يتأخر له غير بقية أوقافه فإنه حلّ غالبها وغالب ما يملك ولزم داره على أقبح صورة، واستمر على ذلك إلى أن صادره الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - أول مرة وثانية وهو معذور فيه فإنه يدعى فقرا.
وعمر بداره - وهو بطال - حماما عظيما وكذلك ببولاق، وفى الثانية حبسه بالبرج من قلعة الجبل وطلب المال فلم يوزن شيئا فأجرى عليه العقوبة إلى أن أشرف على التلف، وحمل إلى البرج المذكور فدام عليلا يتداوى إلى أن مات فى يوم الخميس ثامن عشرى شهر ربيع الأول وقد جاوز الثمانين من العمر.
وكان - عفا الله عنه - له سماط عظيم إلى الغاية والنهاية يجمع فيه بين الأوز والدجاج واللحم الضائى والبورى والبطارخ والقشطة والكركى وأمثال ذلك، وكان أكولا يحب من يأكل عنده، وتمتع بملاهى الدنيا المغرورة وقضى نحبه ولحق بربه، وكان قد أخرب دور أمر المدّركين والفلاحين والمباشرين، وأتلف خلقا من المفسدين وأرباب الجرائم وغيرهم، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه عنه: «كان زين الدين هذا غالب أحواله بالضد طرفى نقيض الشئ وعكسه، وهو أنه عاش أول أمره فى بحبوحة
_________________
(١) فى الأصل «يطلبوه فيولوه».
[ ١٧٤ ]
فقر خاملا فى ولاياته، لا ينتج له أمر فى شئ من الأشياء، ولم يتحمل الديون بسبب ذلك إلى أن ولى الأستادارية ونال فيها من السعادة وقوة الحرمة ونفوذ الكلمة والجاه العظيم والمال الجزيل ما لم ينله غيره، ثم تغيّر ذلك بعد موت الملك الظاهر جقمق وقاسى من الأهوال أمورا عظيمة من المصادرات والضرب والنكال والحبس إلى أن مات بالبرج تحت العقوبة، فكان أوله بضد آخره، وأما أفعاله فى مباشرته فكانت أيضا بالضد، وهو أنه كان كثير الظلم والجور والعسف وأخذ الأموال الخبيئة، ثم يعمر من ذلك الجوامع والمساجد والأوقاف على البر ويرسل السحابة (^١) إلى الحجاز فى كل سنة لأجل الفقراء والمساكين، فهذا أيضا بالضد، وأما مبتدأ أمره فكان أوله فقيرا مملقا لا يملك الثوب إلا بالجهد، ورأس بآخره وتمول حتى صار يضرب به المثل، فهذا أمره من الأول إلى الآخر».
انتهى كلام الجمال يوسف المذكور - تغمده الله برحمته - فى ترجمته بفصه ونصه. عفا الله عنه.