، والده والكفيلى بدمشق أيضا. مولده بدار الأمير منجك (^٣) اليوسفى الملاصقة لجامع السلطان حسن خارج القاهرة فى العشر الأخير من شوال سنة ثلاث عشرة وثمانى مائة تخمينا (^٤)، فى الشهر لا فى السنة. ونشأ تحت كنف والده إلى أن
_________________
(١) السحابة - كما جاء فى أبى المحاسن فى النجوم الزاهرة ١٢/ ١٠٨ حاشية رقم ٢ هى الطائفة ممن يرافقون الحاج للمحافظة عليه.
(٢) أمامها فى الهامش بخط غير خط الناسخ عبارة «سيدى يوسف».
(٣) راجع ابن حجر: الدرر الكامنة ٤/ ٩٨٥.
(٤) الوارد فى شذرات الذهب ٧/ ٣١٧ أنه ولد سنة ٨١٢ هـ، ويؤكد الصيرفى أن ولادته كانت فى السنة التالية، على حين أن السخاوى قال فى الضوء اللامع ١٠/ ١١٧٨ «ولد فى شوال تحقيقا سنة ثلاث عشرة وثمانمائة تقريبا».
[ ١٧٥ ]
انتقل والده من الأتابكية إلى نيابة دمشق فصحبه معه وأقام بدمشق إلى أن توفى والده فى سنة خمس عشرة وثمانى مائة، فأخذه صهره زوج أخته قاضى القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفى وعاد به من الشام إلى القاهرة وتولى تربيته فأقرأه القرآن الكريم، ثم توفى ابن العديم زوج أخته وتزوجت بعده بقاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى الشافعى فصار تحت كنفه وختم عنده القرآن وجوّد عليه غالبه وأخذ عنه أشياء، وحضر سماع البخارى غير مرة عليه، واستمر على ذلك إلى أن توفى الجلال المذكور فى سنة أربع وعشرين وثمانى مائة فصار (^١) تحت كنف جماعة من أكابر مماليك والده، وذكر أنهم علموه أنواع الفروسية فتعلم منها طرفا جيدا على ما قال، ثم حفظ بعد ذلك من العلم الشريف كتاب «مختصر القدورى» فى الفقه، و«ألفية ابن مالك» فى النحو و«إيساغوجى فى المنطق» بذكره، وذكر أيضا أنه قرأ قطعة جيدة من «المختار» على الشيخ محمد، وهذا الشيخ محمد لا أعرفه، وذكر أيضا أنه قرأ «القدورى» على العلامة قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى الحنفى كاملا، وحضر دروس العلامة علاء الدين الرومى الحنفى فى «تقسيم الهداية» كاملا بذكره. وذكر أنه قرأ «شرح ألهية ابن مالك» لابن عقيل على العلامة تقى الدين الشمنى الحنفى، وقرأ «علم المعانى والبيان» على شيخنا شيخ الإسلام محيى الدين الكافيجى، وقرأ عليه «شرح العقائد» لسعد الدين، وذكر أنه قرأ أيضا «مقامات الحريرى» على العلامة قوام الدين حس القمى الحنفى، وذكر أنه قرأ عليه قطعة جيدة من «علم الهيئة والرياضيات» وغير ذلك، وقرأ علم العروض أيضا بذكره على الشيخ شمس الدين النواجى، وذكر أيضا أنه أخذ علم النغمات وللموسيقى وأدوار صفى
_________________
(١) يعنى بذلك صاحب الترجمة المؤرخ ابن تغرى بردى.
[ ١٧٦ ]
الدين عبد المؤمن عن الشيخ الإمام فتح الدين العجمى وعن غيره. قال عفا الله عنه: «وأخذت علم الفروسية عن خلائق يطول الشرح فى ذكرهم»، وذكر أنه سمع الحديث كثيرا، وأعلى ما سمعه «سنن أبى داود» و«الترمذى» و«الشمائل»، و«ومسند ابن عباس» على المشايخ بقراءة الحافظ تقى الدين عبد الرحمن القلقشندى الشافعى فى مجالس مضبوطة، وذكر أنه سمع «كتاب فضل الخيل» للحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطى بقراءة الحافظ العلامة الحجة المحقق المدقق شيخ السنة وناصرها قاضى القضاة قطب الدين محمد الخيضرى الدمشقى الشافعى فى مجالس مضبوطة - عامله الله بخفىّ لطفه - على شيخنا العلامة الأستاذ آخر من أدركناه حاوى فضيلة التاريخ وعلمه بل والحديث أيضا تقى الدين المقريزى الشافعى، وعنه أخذ علم التاريخ وبه تخرج، ومن فوائده استفاد، وعلى منواله صنّف وكتب وهكذا ذكر.
انتهى ما ذكره بفصه ونصه.
وأما نظمه ففى الطبقة السفلى، وادعى هو أيضا أنه من الطبقة الوسطى، و[أما] مصنفاته «فمورد اللطافة فى ذكر من ولى السلطنة والخلافة» مختصر إلى آخر دولة الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق فى مجلد لطيف، ثم صنف «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» فى ستة مجلدات ضخمة مرتبة على حروف المعجم من الدولة التركية إلى آخر دولة الملك الظاهر جقمق، ثم اختصر المنهل الصافى فى كتاب لطيف الحجم وسماه «الدليل الشافى على المنهل الصافى» وسلك فيه على ترتيب أصله، وله «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة» فى سبعة مجلدات ضخمة، وافتتح فيه بفتح مصر ثم من وليها فى الإسلام إلى يومنا هذا، ثم اختصره فى مجلد لطيف أيضا وسماه «الأنوار الظاهرة من الكواكب الطاهرة». وذكر أن له كتابا سماه «نزهة الألباب فى اختلاف
[ ١٧٧ ]
الأسماء والألقاب»، وله «حلية الصفات فى اختلاف الأسماء والصناعات»، مرتب أيضا على الأبواب والحروف فى مجلد يشتمل على نحو ثلاثة آلاف مقطوع من الشعر غير القصائد المطولات، ثم كتاب «البشارة» ذيّله على كتاب الحافظ شمس الدين الذهبى، وله «الإشارة» مختصر فى مجلد لطيف من سنة سبعمائة إلى سنة سبعين وثمانى مائة، وله «حوادث الدهور فى الأيام والشهور» ذيّله على كتاب السلوك من تاريخ المقريزى، ابتدأ فيه من أول سنة خمس وأربعين إلى ثالث عشرى شهر رمضان المعظم قدره سنة أربع وسبعين وثمانى مائة، وهو مرتب على السنين والشهور والأيام، وذكر أن له كتابا فى «الرياضى والموسيقى» وكتابا (^١) فى «بيان معانى اللغة التركية» على نوع علم البديعية. هكذا ذكر وسماه «الانتصار للسان التتار»، وله الكتاب الذى سماه «البحر الزاخر من الأول إلى الآخر» الذى ذكر أنه ألّفه عندما بلغه أنى ألفت كتابى الكبير فى التاريخ الذى سميته «نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ الأزمان» من لدن سيدنا آدم ﵇ إلى (^٢) تاريخه.
وذكر أنه كان يطلع إلى القلعة فى أيام الملك الأشرف برسباى ويسوق المحمل ويسوق البرجاس، وصار فى أيام الملك الظاهر جقمق يطلع القلعة فى كل جمعة مرة لا شتغاله بالعلوم، وفى أيام الأشرف إينال لم يطلع القلعة إلا فى السنة مرة واحدة أو مرتين وذلك عن حاجة ضرورية. وصحب فى الدولة الظاهرية خشقدم الأمير جانبك القصير شاد بندر جده، بل فى دولة الأشرف إينال فحصل له منه غاية الملاه والقدرة والجاه والمال حتى أمره بالصعود
_________________
(١) فى الأصل «وكتاب».
(٢) فى الأصل «وإلى».
[ ١٧٨ ]
فى غالب الأيام إلى القلعة فى سلطنة الظاهر خشقدم بسفارة الأمير المذكور لما صار دوادارا كبيرا، وكان زين الدين الأستادار قد قطع جامكية صاحب الترجمة وعليقه ولحمه وعضده (^١) حتى صار فقيرا مملقا فأعانه الله بصحبة الأمير جانبك فردّ له جميع ما ذكر، وأنعم عليه بالجمل من الأموال والخلع وغير ذلك، ثم لما مات أخو صاحب الترجمة المسمى «قاسم» كان بينه وبينه إقطاع شركة فأخذ الأمير جانبك المذكور له الإقطاع فحسن حاله. وهذا ما أخبر به مع زيادات لا طائل تحتها حذفتها قصد الاختصار، والله تعالى هو الواحد القهار.
ولا بأس بالتعريف بما نعرفه من حاله مفصلا فى غير مين ولا إطناب ولا إسهاب، فحاصل الأمر فيه أنه عامى داص، ومصداق ما قلته يشهد به خطه فى كتبه التى سردناها، فإنه يكتب كتابة ما تصدر عن صغار الكتاب المتعلمين من تصحيف وزيادة فى الأحرف ونقص ولحن مفرط حتى إن الضاد الساقط يكتبها منشالة وضد ذلك. ووصل فى الأمور المضحكة حتى أنه إذا كتب «حتى» يكتب آخرها «هاء»، وأمثال ذلك فى كتبه المسطورة بخطه لا يسع أحد إصلاحها لكثرة ما فيها من اللحن المفرط البشع المغير لمعانى الألفاظ، وأما إذا نقل حكاية فتجد غالبها تصحيفا ولحنا وما أشبه ذلك، وأما الذى يستحسن مما نسبه إليه فهو تسميته الكتب المذكورة، وقد ثبت عندى بالطريق الصحيح الذى لا يزول من اعتقادى أن سيدنا وشيخنا الشيخ قاسم (^٢) بن قطلوبغا الحنفى - عفا الله عنه - هو الذى سماهم له، ولقد سألت
_________________
(١) كلمة غير مقروءة فى الأصل.
(٢) ويلقب بالشرف السودونى نسبة لمعتق أبيه سودون الشيخونى نائب السلطنة، ولد فى محرم ٨٠٢ هـ وحفظ القرآن وأقبل على الاشتغال واهتم بالحديث والفقه، وكان من أبرع رجال الحنفية، راجع تربته بالتفصيل فى الضوء اللامع ٦/ ٦٣٥.
[ ١٧٩ ]
الشيخ المذكور عن ذلك فتغافل عن الجواب، فألزمه وألححت عليه فأخبرنى بذلك من لفظه، ولعمرى فهذه العلوم التى سردناها والشيوخ الذين حضر عليهم ما استفاد منهم مسألة وسلمنا أنه ما استفاد، فلعمرى هذا الصنيع الصادر منه فى تاريخه وغيره من اللحن والتصحيف والزيادة فى الحروف المكتوبة والنقص ما استيقظ أنه كلما فرغ من تصنيف يتوجه به إلى من يعرف العربية فيصلحه له ويصير له به مزية، لكن إذا أراد الله أمرا بلغه، وقد ذكر غيرى ممن هو مشتغل بهذا الفن نحو ما ذكرت ونقل عنه أشياء مفصلة من التصحيف والتبديل والتغيير، بحيث أن كتبه إذا نظر فيها من له أدنى معرفة يرميها من يده لما يمجّه الطبع المستقيم مما يراه واقعا فيها من اللغط والخباط المتقدم ذكره.
وأما تعصبه فى تاريخه فهو خارج عن الحدّ لأن منصور (^١) بن صفى الذى كان كاتبا فى بيت الأمير قانم من صفر خجا صاهر الأمير زين الدين الأستادار فقرّبه وأكرمه وزوجّه ابنته وجعله ناظر الديوان المفرد فرافعه وأخذ وظيفته وفعل به ما لا يجوز، وهذا دأب المباشرين، غير أنه كان يطنب فى وصف منصور ويرقّيه إلى الأوج وببالغ فى الحط على زين الدين حتى يبلغ به إلى الحضيض كون زين الدين قطع معاليمه وكون منصور أعادها (^٢) له، وعندى أن هذا ليس تحته طائل فإن الحقّ أحقّ أن يتبع والصدق جدير بأن يستمع، وكان عفا الله عنه مغرضا فى مثل هذه الأمور فإنه بالغ فى التعصب أيضا مع الأمير جانبك الظاهرى
_________________
(١) هو منصور بن الصفى القبطى، كان أبوه من الكتبة فنشأ الا بن على طريقته، راجع ترجمته بالتفصيل فى السخاوى: شرحه ١٠/ ٧١٦؛ أما قانم الذى يشير إليه الجوهرى فى المتن فيعرف بالتاجر، وهو الذى أرسله الأشرف برسباى إلى بلاد الجركس لإحضار أقاربه، وقد أنشأ مدرسة على ظهر الكبش قرب جامع ابن طولون، راجع الضوء اللامع ٦/ ٦٩٥.
(٢) فى الأصل «أعادهم».
[ ١٨٠ ]
الجداوى سيما لما استقر فى الداوداريّة الكبرى، وحطّ على أقوام يستحق أن يمدحهم بلسانه وجنانه، وهكذا دأبه مع طائفة الأتراك والقبطة.
وأما الفقهاء فغيّر أسماءهم وألقابهم وجعل الشيخ طالبا والطالب شيخا، ومع ذلك فكان له حظّ وافر، وانتهت إليه الأمور من جهة العطايا الجزيلة حتى إنه خلع عليه بكامليّة مخمل أخضر بسمور بمقلب سمور لما ضعف مرة وصعد للسلطان ولكن بسفارة الأمير جانبك المذكور، وترجم المقرّ الصاحبىّ الجمالىّ يوسف بن كاتب جكم (^١) بترجمة ادعى أنه كذا وكذا وبلغ بها إليه، فأرسل له جملة وافرة من الذهب، وكذا ترجم غيره، وهكذا كان دأبه وسمته وصفته.
ولقد حاضرته مرات فإنه كان يحضر مخدومنا وصاحبنا وجارنا المقرّ الزينى فرج أمير حاجب بن المقر الأشرف العالى السيفى بردبك أحد المقدمين الألوف أعزّه الله ورحم سلفه الكريم، فكنت أمشى معه فى الحوادث فلم يمشنى، وأتكلم معه فى شئ من الفقه فأجده عاريا منه، وكذا فى النحو والعروض من حين عرف أنى اشتغلت بفن التاريخ لم أعارنى كتابا من كتبه ولا أوقفنى على شئ من مصنفاته، فأوقفته أنا على عدة مصنفات لى منها (^٢): «نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ الأزمان» المقدم ذكره، وأوقفته أيضا على تأليفى للسيرة الشريفة النبوية الملقبة «بالجوهرية» على من هى منسوبة له أفضل الصلاة والسلام، فكاد أن يتجنن وصار يحلف لى أنه ما وقع بصره على تأليف فى هذا الفن مثل هذا التصنيف فى الانسجام والاختصار مع المعانى الجمة الوافرة، وسألنى أن يستو عبها مطالعة فأذنت له وأعادها بعد ذلك، وقد كتب عليها تقريظا مع جملة من كتب من السادة المشايخ والأعيان كالشيخ محيى الدين الكافيجى الحنفى والشيخ أمين الدين
_________________
(١) cf.Wiet:les Biographies du Manhal Safi،No .٢٧١٠.
(٢) فى الأصل «منهم».
[ ١٨١ ]
الأقصرائى الحنفى والشيخ عضد الدين السيرامى (^١) وقاضى القضاة عز الدين أحمد الحنبلى والشيخ قاسم الحنفى وغيرهم من العلماء والفضلاء، وأردت كشط ما كتبه لى فما كان ذلك، والله الولى والمالك.
توفى رحمه الله تعالى فى يوم الثلاثاء خامس ذى الحجة سنة تاريخه بعد العصر ودفن من الغد بتربته التى أنشأها بالصحراء المقابلة لتربة الصاحب جمال الدين يوسف ابن كاتب جكم، وأوقف عليها أوقافا، وجعل فتاه الذى كان فى خدمته المعروف بزين الدين مالكها وجعل ما فيها من الوظائف باسمه وغالب الوقف له، فجحف ذلك بأخوته البنات وورثته. عفا الله عنه.
***
وانقضت هذه السّنه على ما سمعت ورأيت وشاهدت، والحمد لله على ذلك، إنه الولى والمالك.
***
_________________
(١) راجع السيوطى: نظم العقيان، ص ١٢٧.
[ ١٨٢ ]