- فمنها ما عنى فيه بتاريخ العالم: ككتاب «الخبر عن البشر».
- ومنها ما عنى فيه بالتاريخ الإسلامى العام.
ككتاب «امتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأحوال والحفدة والمتاع».
وكتاب «الدرر المضيئة فى تاريخ الدولة الإسلامية».
- وأكثرها ما عنى فيه بتاريخ مصر الإسلامية، فقد وضع لنفسه خطة واضحة تهدف للتأريخ لمصر فى العصر الإسلامى من جميع نواحيها: العمرانية والسياسية والبشرية:
***
ففى تاريخها العمرانى وضع موسوعته الكبيرة «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار».
وقد قدّم المقريزى لكتابه هذا تقدمة ممتازة رائعة، لم يشبهه أو يدانيه فيها مورخ آخر من المؤرخين الإسلاميين المعاصرين أو السابقين، فهى تدل على أصالة فى الرأى، وتجديد فى الفكرة، وتحديد للغرض الذى يهدف إليه من تأليف الكتاب، وشعور مبكر بالوطنية المصرية، وإحساس منه عميق بحبه لوطنه مصر.
فهو لم يؤلف كتابه هذا - كما كان يفعل المؤلفون الآخرون - ليخدم به خزانة ملك من الملوك، أو ليجعله قربى يتقرّب بها إلى أمير من الأمراء أو ثرى من الأثرياء، وإنما هو قد ألفه ليشبع عاطفته الوطنية، فهو يقول فى مقدمته:
« وكانت مصر هى مسقط رأسى، وملعب أترابى ومجمع ناسى، ومغنى عشيرتى وحامتى، وموطن خاصتى وعامتى، وجؤجئى الذى ربى جناحى فى وكره، وعش مأربى فلا تهوى الأنفس غير ذكره؛ ولا زلت مذ شذوت العلم، وأتانى ربى الفطانة والفهم، أرغب فى معرفة
[ مقدمة 1 / ١٨ ]
أخبارها، وأحب الإشراف على الاغتراف من آبارها، وأهوى مساءلة الركبان عن سكان ديارها، فقيدت بخطى فى الأعوام الكثيرة، وجمعت فى ذلك فوائد قلّ ما يجمعها كتاب، أو يحويها لعزتها وغرابتها إهاب، إلا أنها ليست بمرتبة على مثال، ولا مهذبة بطريقة ما نسج على منوال، فأردت أن ألخص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية، عن الأمم الماضية، والقرون الخالية … الخ».
هذا الشعور الوطنى القوى الممتاز كان شعورا مبكرا سبق به المقريزى عصره، فنحن لا نجد له شبيها حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادى حين يبدأ الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى يشيد بذكر الوطن والوطنية فى كتابه القيم «مناهج الألباب المصرية»، وفى أناشيده الشعرية الكثيرة.
وقد أرضى مؤرخنا المقريزى شعوره الوطنى حين أرّخ فى كتابه «المواعظ والاعتبار» للمدن المصرية الهامة، وما كان يكتنفها من خطط وحارات ودروب وأزقة وأسواق، وما كان يتناثر فيها من دواوين ودور وقصور، وما كان يزينها من مساجد وكنائس وبيع، وما كان يتخللها من مدارس ومكتبات ودور للحكمة والعلم.
وقد تعرّض وهو يؤرخ لهذا كله لبعض الشخصيات التى ساهمت فى عمران هذه المدن أو إقامة هذه المنشآت، فترجم لها ترجمات مفصلة حينا، وموجزة فى معظم الأحيان.
***
ويبدو أن هذا التأريخ العمرانى لمصر لم يشبع عاطفة مؤرخنا، فأراد أن يؤرخ لمصر تأريخا سياسيا كاملا منذ الفتح العربى إلى عصره الذى عاش فيه (القرن التاسع الهجرى - الخامس عشر الميلادى).
وقد اتخذ المقريزى لنفسه منهجا علميا سليما حين أراد أن يكتب هذا التاريخ السياسى، فقسّم تاريخ مصر الإسلامية عصورا ثلاثة، وخصّ كلّ عصر منها بكتاب:
[ مقدمة 1 / ١٩ ]
أما العصر الأول فكانت مصر فيه ولاية تابعة للخلافة، وإن كانت قد بدأت المحاولات الأولى للانفصال والاستقلال فى عهدى الطولونيين والإخشيديين، وقد أرّخ له المقريزى فى كتابه:
«عقد جواهر الأسفاط فى أخبار مدينة الفسطاط»
وأما العصر الثانى فقد استقلت فيه بمصر دولة شيعية، وقامت فيه خلافة فاطمية تنافس الخلافتين السنيتين القائمتين حينذاك فى المشرق والأندلس (العباسية والأموية)، وقد أرّخ له المقريزى فى كتابه هذا الذى نقدم له:
«اتعاظ الحنفا بذكر الأئمة الفاطميين الخلفاء»
وأما العصر الثالث فقد قضى فيه على دولة الفاطميين وعلى نفوذ المذهب الشيعى معا، وقامت فيه دولة بنى أيوب التى دانت بالولاء ثانية للخلافة العباسية، ثم دولة المماليك التى احتضنت هذه الخلافة بعد استيلاء التتار على بغداد، وقد أرّخ المقريزى لهذا العصر فى موسوعته الكبيرة: