أبى المنصور نزار ابن المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ
ولد فى القصر بالقاهرة ليلة الخميس (¬*) الثالث والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، فى الساعة التاسعة، الموافق صبيحتها الثالث عشر من شهر آب (^١). والطالع من السرطان سبع وعشرون درجة (^٢)، والشمس فى برج الأسد على خمس وعشرين درجة، والقمر بالجوزاء على إحدى عشرة درجة، وزحل بالعقرب على أربع وعشرين درجة، والمشترى بالميزان على ثمان درج، والمريخ بالميزان على ثلاث عشرة درجة، والزهرة بالميزان على تسع عشرة درجة، وعطارد بالأسد على عشر درج، والرأس بالدلو على خمس درج.
وسلّم عليه بالخلافة فى الجيش بعد الظهر من يوم الثلاثاء ثامن عشرى شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة (^٣). وسار إلى قصره فى يوم الأربعاء بسائر أهل الدولة، والعزيز فى قبة على ناقة بين يديه، وعلى الحاكم دراعة (^٤) مصمتة (^٥) وعمامة فيها الجوهر، وبيده رمح وقد تقلد السيف؛ فوصل إلى القصر ولم يفقد من جميع ما كان مع العساكر شيء، ودخله قبل صلاة المغرب؛ وأخذ فى جهاز أبيه العزيز ودفنه.
_________________
(١) (¬*) يبدأ المتن هنا بما يقابل السطر الخامس والعشرين من الورقة (١٥٠) من المخطوط الذى اعتبر أصلا النشر.
(٢) أغسطس، سنة ٩٩٦. وقيل ولد لأربع بقين من شهر ربيع الأول. النجوم الزاهرة: ١٧٦:٤.
(٣) فى الأصل سبعة وعشرون درجة. ومثل هذا الخطأ يتكرر كثيرا فى المخطوط، وسنكتفى بالإشارة إلى بعضه.
(٤) بايع له أبوه العزيز بالله قبل وفاته ببلبيس، وجددت البيعة - كما يقول النويرى فى نهاية الأرب - صبيحة وفاة أبيه، يوم الأربعاء لليلة بقيت من شهر رمضان. وكانت بيعة بلبيس يوم الثلاثاء عشرى رمضان. الخطط: ٢٨٥:٢.
(٥) الدراعة والمدرعة نوع من الثياب، وقيل جبة مشقوقة المقدم، ولا تكون إلا من الصوف. لسان العرب.
(٦) الثوب المصمت الذى لا يخالط لونه لون آخر.
[ ٢ / ٣ ]
ثم بكر سائر أهل الدّولة إلى القصر يوم الخميس، وقد نصب للحاكم سرير من ذهب عليه مرتبة مذهبة فى الإيوان الكبير. وخرج من قصره راكبا وعليه معمّمة الجوهر؛ فوقف الناس بصحن الإيوان وقبّلوا الأرض ومشوا بين يديه، حتى جلس على السرير، فوقف من مهمّته الوقوف، وجلس من له عادة الجلوس. فسلم عليه الجماعة بالإمامة واللّقب الذى اختير له، وهو الحاكم بأمر الله. وكان سنّه يومئذ إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وستة أيام.
وكان جماعة من شيوخ كتامة تخلفوا عن الحضور (^١) وتجمعوا نحو المصلّى (^٢). فخرج إليهم أبو محمّد بن الحسن بن عمار (^٣) فى طائفة من شيوخهم، وما زالوا بهم حتى أحضروهم بعد امتناعهم من الحضور، وشكوا من عيسى بن نسطورس (^٤)، وسألوا صرفه، وأن تكون الوساطة لرجل منهم. فندب لذلك أبو محمّد الحسن بن عمار. فقرر أحوالهم فيما يطلق لهم من الرزق بعد خطاب طويل، على أن يطلق لهم ثمانى إطلاقات فى كل سنة، وأن يكون لكل واحد ثمانية دنانير؛ وأن يطلق هذا الفضل (^٥) فى يومهم بحضرة أمير المؤمنين. فأحضر المال ودفع إليهم بحضرة الحاكم الفضل، وهو عشرون دينارا لكل واحد منهم. وحلّفهم ابن عمار بعد ما حلف.
_________________
(١) كان الوزير يعقوب بن كلس قد أضعف شوكتهم بعض الشئ، أيام العزيز فكان تخلفهم نوعا من الاحتجاج والرغبة فى استعادة مكانتهم التى كانت لهم، قارن نهاية الأرب للنويرى.
(٢) كان الجامع الأزهر يسمى عقب انشائه مصلى القاهرة. لكن لعل المقصود هنا مصلى العيد خارج باب النصر، أحد أبواب القاهرة.
(٣) وهو من أصول أسرة بنى عمار التى تولت حكم مدينة طرابلس بالشام، كما سيأتى تفصيل ذلك فى حينه. انظر: معجم الأنساب لزامباور، وكذلك mohammadan Dynasties تأليف: S.Lane-Poole
(٤) تولى الوزارة - الوساطة - العزيز بالله، وكان يتولاها عند خلافة الحاكم. وسر الغضبة عليه يتمثل فيما ينسب إليه من قول رد به الشاكين من سوء تصرفه ومن تقديمه النصارى فى مناصب الدولة: «إن شريعتنا متقدمة، والدولة كانت لنا ثم صارت إليكم، فجرتم علينا بالجزية والذلة. فمتى كان منكم إلينا إحسان حتى تطالبونا بمثله! إن منعناكم قاتلتمونا، وإن سالمناكم أهنتمونا، فإذا وجدنا لكم فرصة فماذا تتوقعون أن نصنع بكم». نهاية الأرب.
(٥) المقصود به الأموال التى كانت تمنح لرجال الدولة، والجنود خاصة، فى المناسبات كمثل مناسبة تولى الخليفة.
[ ٢ / ٤ ]
وخلع على أبى الحسن يانس الخادم الصقلبى وحمل على فرسين، وقال: يتولى القصور.
وفى أول شوال فرش على سرير الذّهب فى الإيوان مرتبة نسيج فضة، وخرج الحاكم على فرس أدهم بمعمّمة الجوهر وقد تقلّد السيف، وفى ركابه الايمن حسين بن عبد الرحمن الرابض، وفى ركابه الأيسر برجوان، والنّاس قيام؛ فقبلوا له الأرض، ودعوا. فقال ابن عمار للقاضى محمد بن النّعمان: مولانا يأمرك بالخروج إلى المصلّى للصّلاة بالناس وإقامة الدعوة لأمير المؤمنين. فنهض قائما، وقلّده برجوان بسيف محلّى بذهب من سيوف العزيز، ومضى فصلّى وأقام الدعوة، ثم قدم.
ونصب السّرير الذهب فى صفّة الإيوان، ونصب السّماط (^١) الفضّة؛ وخرج الحاكم من القصر، وكان قد دخل إليه، وهو على فرس أشقر، فجلس على السماط، وحضر من له رسم، فأكلوا وانصرفوا.
وفى ثالثه خلع على ابن عمّار، وقلّد بسيف من سيوف العزيز، وحمل على فرس بسرج ذهب، وكناه الحاكم، ولقّبه بأمين الدولة (^٢) وقال له: أنت أمينى على دولتى ورجالى.
وقاد بين الخيل، وعمل خمسين ثوبا ملونة من البزّ الرفيع. ومضى فى موكب عظيم إلى داره.
وكتب سجل من إنشاء أبى منصور بن سورين (^٣) وبخطّه، قرأه القاضى محمّد بن النعمان (^٤)
_________________
(١) أما سماط الطعام فيعقد مرتين فى عيد الفطر ومرة واحدة فى عيد النحر ويصفه صاحب النجوم الزاهرة: ٤: ٩٧ - ٩٨ فيقول ما بعضه: طوله ثلاثمائة ذراع وعرضه سبعة ويعبى بأنواع المآكل فى الليل .. ويحط فى وسط السماط واحد وعشرون خروفا، ومن الدجاج ثلاثمائة وخمسون طائرا، ومن الفراريج مثلها، ومن فراخ الحمام مثلها. ويمكن الناس منه فيحتملون وينهبون مالا يأكلونه، ويبيعونه ويدخرونه.
(٢) يقول النويرى وهو أول من لقب من رجالهم - رجال الفاطميين - وذكر المقريزى ذلك أيضا فى الخطط: ٣٦:٢ ويقول صاحب النجوم الزاهرة: ١٢٢:٤: «وهو أول من تلقب من المغاربة وكان شيخ كتامة وسيدها».
(٣) وهو أبو منصور بشر بن عبد الله بن سورين الكاتب النصرانى. الخطط: ١٤:٢.
(٤) وكان القاضى أحد اثنين حضرا وصاية العزيز بالله بولاية العهد لولده، وثانيهما أمين الدولة أبو محمد الحسن بن عمار. النجوم الزاهرة: ١٢٢:٤؛ الخطط: ٣٦:٢. وقد أقام القضاء فى أسرة بنى النعمان فترة طويلة بدأت أيام المعز لدين الله.
[ ٢ / ٥ ]
بالجامع يتضمّن وراثة الحاكم الملك من أبيه، ويعد الرعيّة فيه بحسن النّظر لهم؛ وأمر فيه بإسقاط مكوس كانت بالساحل (^١). ففرح الناس.
وكانت عدّة ممّن قتلهم ابن نسطورس - لما احترق الأسطول - على الخشبة، فأمر بتسليمهم إلى أهليهم، وأطلق لكل واحدة عشرة دنانير من أجل كفنه، فكثر الدعاء من الرعيّة للحاكم. وأمر بقلع الالواح التى على دور الأخباز وسلمت لأربابها ومستحقّيها، فبلغت شيئا كثيرا (^٢).
وخلع على القائد أبى عبد الله الحسين بن جوهر القائد، وردّ إليه البريد والإنشاء، فكان يخلفه ابن سورين؛ وحمل بين يديه كثير من الخيل والثياب، وحمل على فرس بمركبين.
واستكتب أمين الدولة ابن عمار أبا عبد الله الموصلى، واستخلفه على أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم.
وأقرّ عيسى بن نسطورس على ديوان الخاص. وخلع على جماعة بولايات عديدة وقرى سجل، قرأه القاضى بالجامع، يتضمن ولاية ابن عمّار الوساطة، وتلقيبه بأمين الدولة، وأمر الناس كلهم أن يترجلوا لابن عمار، فترجّلوا بأسرهم له.
وفى ثانى ذى القعدة تجمّع الكتاميون عند المصلّى، فأنفذ إليهم واستحضرهم، وتقرّر أمرهم على النّفقة فيهم، فأنفق عليهم (^٣). وحمل راجلهم على الخيل؛ وكانوا نحو الألف رجل، وأركبت شيوخ كتامة بأسرهم على الخيول بالمراكب الحسنة.
_________________
(١) الساحل المصرى تغير بتغير السلطة الحاكمة فى مصر. ففى عهد الفتح العربى إلى زمن الإخشيذ كان بجزيرة الروضة على ساحلها الجنوبى الشرقى، وأصبح فى عهد الإخشيذ فى الجانب الشرقى، شرقى فم الخليج حيث كان مجرى النيل قد تحول قليلا إلى ذلك المكان. ثم أصبح القاهرة الفاطمية ساحل آخر عند المقس فى موقع ميدان محطة مصر الحالية مجاورا لجامع أولاد عنان.
(٢) فى الأصل: فبلغ شيء كثير.
(٣) فى الأصل: فنفق.
[ ٢ / ٦ ]
وفى ثانى عشره، خلع على أبى تميم سلمان بن جعفر بن فلاح، وقلّد السيف، وحمل على فرس بمركب ذهب؛ وقيد بين يديه أربعة أفراس مسرجة ملجمة؛ وحمل بين يديه ثياب كثيرة من كل نوع؛ وجرّد معه عسكر ليسير إلى الشام.
وسارت قافلة الحاجّ بكسوة الكعبة والصّلات والنفقة على الرّسم المعتاد فى النصف منه.
وركب الحاكم يوم الأضحى فصلّى بالناس صلاة العيد بالمصلى (^١) وخطب، وأصعد معه المنبر القاضى محمد بن النّعمان وبرجوان وابن عمّار وجماعة.
_________________
(١) سبق أن أشرنا إلى أن مصلى العيد كانت خارج باب النصر من أبواب القاهرة. ويصف صاحب النجوم الزاهرة: ٩٤:٤ موكب العيد، فيقول ما بعضه: «.. يركب الخليفة بالمظلة واليتيمة (الجوهرة التى تتوسط عمامة الخليفة) ولباسه الثياب البياض، والمظلة أبدا زيها تابع لزىّ الخليفة. ويخرج من باب العيد إلى المصلى، وعساكره وأجناده من الفرسان والرجالة زائدة على العادة، فيقفون صفين من باب العيد إلى المصلى. ويكون صاحب بيت المال قد فرش الطراحات فى المحراب، وعلق سترين يمنة ويسرة، على الستر الأيمن الفاتحة وسبح اسم ربك الأعلى، وعلى الأيسر الفاتحة وهل أتاك حديث الغاشية … ويدخل الخليفة من شرقى المصلى إلى مكان يستريح فيه قليلا ثم يخرج (للصلاة والخطبة) محفوظا كما يخرج الجمعة .. ويقف أسفل المنبر ومعه قاضى القضاة وصاحب الباب وصاحب السيف وصاحب الرسالة وإمام الأشراف الأقارب … وغيرهم.
[ ٢ / ٧ ]