وفيها استولى النجار أبو القاسم الحسن بن فرج الصناديقى على اليمن، وكانت جيوشه بالمذيخرة (^١) وسهفنة (^٢)، وكان ابن أبى الفوارس - أحد دعاة عبدان - أنفذه داعيا إلى اليمن، وكان من أهل النرس (^٣) - موضع يعمل فيه الثياب النرسى، وكان يعمل من الكتان - فصار إلى اليمن، ودخل فى دعوته خلق كثير، فأظهر العظائم وقتل الأطفال، وسبا النساء، وتسمّى برب العزّة، وكان يكاتب بذلك، وأعلن سبّ النبى ﷺ وسائر الأنبياء، واتخذ دارا خاصة (^٤) سماها «دار الصفوة» يجتمع فيها النساء ويأمر الرجال بمخالطتهن ووطئهن، ويحفظ من تحبل منهن فى تلك الليلة ومن تلد من ذلك، ويتخذ تلك الأولاد لنفسه خولا، ويسميهم «أولاد الصّفوة».
قال بعضهم:
«دخلت إليها لأنظر فسمعت امرأة تقول: «يا بنى»، فقال: يا أمة نريد أن نمضى أمر ولى الله فينا».
وكان يقول: «إذا فعلتم هذا لم يتميز مال من مال، ولا ولد من ولد، فتكونوا كنفس واحدة».
فعظمت فتنته باليمن، وأجلى أكثر أهله عنه، وأجلى السلطان، وقاتل أبا القاسم محمدا
_________________
(١) عرفها ياقوت بأنها قلعة حصينة فى رأس جبل صبر من أعمال صنعاء باليمن.
(٢) (ج): «سهغنة» وما بالأصل هو الصواب، وسهفنة قرية قبلى الجند على ثلاث مراحل منها لدى سفال، وتسمى الآن سفنة، بحذف الهاء على التخفيف. انظر: (عمر بن على ابن سمرة الجعدى: طبقات فقهاء اليمن، نشر فؤاد السيد، ص ٣١٨).
(٣) ذكر ياقوت أن نرس نهر يأخذ من الفرات، عليه عدة قرى، واليه تنسب الثياب النرسية، وقال صاحب تاج العروس: نرس - بالفتح ثم السكون - بلدة بالعراق .. منها الثياب النرسية.
(٤) (ج): «دار افاضة» وهو خطأ واضح.
[ ١ / ١٦٦ ]
ابن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسنى الهادى (^١)، وأزاله عن عمله من صعدة ففرّ منه بعياله إلى الرسّ، ثم أظفره الله به فهزمه بأمر إلهى، وهو أن الله جلّت قدرته ألقى على عسكره وقد بايته بردا وثلجا قتل به أكثر أصحابه فى ليلة واحدة، وقلّما عرف مثل ذلك فى تلك الناحية.
وسلّط الله عليه الأكلة، وذلك أن القاسم أنفذ إليه طبيبا بمبضع مسموم فصده به فقتله؛ وأنزل الله بالبلدان التى غلب عليها بثرا يخرج فى كتف الرجل منهم بثرة فيموت سريعا، فسمى ذلك البثر - بتلك البلاد - «حبّة القرمطى» مدة من الزمان.
وأخرب الله أكثر تلك البلاد التى ملكها، وأفنى أهلها بموت ذريع، فاعتصم ابنه بجبال وأقام بها، وكاتب أهل دعوتهم، وعنون كتبه:
«من ابن ربّ العزّة».
فأهلكه الله، وبقى منهم بقية، فاستأمنوا إلى القاسم بن أحمد الهادى، ولم يبق للنجار - لعنه الله - ولا لمن كان على دعوته بقية.
وكان قرمط يكاتب من بسلمية، فلما مات من كان فى وقته، وخلفه ابنه من بعده كتب إلى قرمط فأنكر منه أشياء، فاستراب وبعث ابن مليح - أحد دعاته - ليعرف الخبر فامتنع، فأنفذ عبدان، وعرف موت الذى كانوا يكاتبونه، فسأل ابنه عن الحجّة، ومن الإمام الذى يدعو إليه، فقال الابن:
«ومن الإمام؟»
فقال عبدان: «محمد بن إسماعيل بن جعفر صاحب الزمان».
فأنكر ذلك وقال: «لم يكن إمام غير أبى، وأنا أقوم مقامه».
_________________
(١) فى الأصل: «القاسم بن أحمد بن يحيى .. الخ» والصواب ما ذكرناه، وقد تولى أبو القاسم محمد بن يحيى الامامة الزيدية من ٢٩٩ الى ٣٠١ وخلفه أخوه الامام الناصر أحمد ابن يحيى بن الحسين واستمر على مقاتلة الداعيتين على بن الفضل الذى توفى سنة ٣٠٢ ومنصور اليمن الذى توفي سنة ٣٠٣ هـ.
[ ١ / ١٦٧ ]
فرجع عبدان إلى قرمط؛ وعرّفه الخبر، فجمع الدعاة وأمرهم بقطع الدعوة حنقا من قول صاحب سلمية: «لا حق لمحمد بن إسماعيل فى هذا الأمر ولا إمامة».
وكان قرمط إنما يدعو إلى إمامة محمد بن إسماعيل، فلما قطعوها من ديارهم لم يمكنهم قطعها من غير ديارهم، لأنها امتدت فى سائر الأقطار، ومن حينئذ قطع الدعاة مكاتبة الذين كانوا بسلمية (^١).
وكان رجل منهم قد نفذ إلى الطّالقان يبثّ الدعوة، فلما انقطعت المكاتبة طال انتظاره، فشخص يسأل عن قرمط، فنزل على عبدان بسواد الكوفة، فعتبه وعتب الدعاة فى انقطاع كتبهم، فعرّفه عبدان قطعهم الدعوة، وأنهم لا يعودون فيها، وأنه تاب من هذه الدعوة حقيقة، فانصرف عنه إلى زكرويه بن مهرويه ليدعو كما كان أبوه، ويجمع الرجال، فقال زكرويه:
«إن هذا لا يتم مع عبدان لأنه داعى البلد كله والدعاة من قبله، والوجه أن نحتال على عبدان حتى نقتله».
وباطن (^٢) على ذلك جماعة من قرابته وثقاته، وقال لهم:
«إن عبدان قد نافق وعصى وخرج من الملة».
فبيتوه ليلا وقتلوه، فشاع ذلك، وطلب الدعاة وأصحاب قرمط زكرويه بن مهرويه ليقتلوه فاستتر، وخالفه القوم كلهم إلا أصل دعوته، وتنقل فى القرى - وذلك فى سنة ست وثمانين - والقرامطة تطلبه إلى سنة ثمان وثمانين، فأنفذ ابنه الحسن إلى الشام، ومعه من القرامطة رجل يقال له أبو الحسين القاسم بن أحمد، وأمره أن يقصد بنى كلاب، وينتسب إلى محمد بن إسماعيل، ويدعوهم إلى الإمام من ولده، فاستجاب له فخذ من بنى العليص ومواليهم وبايعوه، فبعث إلى زكرويه يخبر بمن استجاب له بالشام، فضم إليه
_________________
(١) المقصود بالذين بسلمية دعاة الفاطميين قبل انتقالهم الى المغرب وظهورهم، وهذه اشارة هامة الى بدء قطع العلاقات بين دعاة الفاطميين فى الشام والقرامطة بعد ان كانت الدعوتان متفقتين.
(٢) (ج): «وما ظن»، ولا معنى لها.
[ ١ / ١٦٨ ]
ابن أخيه - فتسمى بالمدثّر لقبا، وبعبد الله اسما، وتأول أنه المذكور فى القرآن بالمدثّر ويقال (^١) إن المدثر هذا اسمه عيسى بن مهدى، وأنه تسمى عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق، وعهد إليه صاحب الخال من بعده (^١)، وغلاما من بنى مهرويه يتلقب بالمطوّق (^٢) - وكان سيافا (^٣) -
وكتب إلى ابنه الحسن يعرّفه أنه ابن الحجة، ويأمره بالسمع والطاعة له، وابن الحجة هذا ادعى أنه محمد بن عبد الله، وقيل (^٤) على بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنكر قوم هذا النسب، وقالوا إنما اسمه يحيى بن زكرويه بن مهرويه، وكنيته أبو القاسم، ويلقب بالشيخ ويعرف بصاحب الناقة، وبصاحب الجمل، وهو أخو صاحب الخال، القائم من بعده (^٤)، فسار حتى نزل فى بنى كليب (^٥)، فلقيه الحسن بن زكرويه، وسرّ به، وجمع له الجمع، وقال: «هذا صاحب الامام»، فامتثلوا أمره، وسروا به، فأمرهم بالاستعداد للحرب، وقال: «قد أظلكم النصر»، ففعلوا ذلك.
واتصلت أخبارهم بشبل الديلمى - مولى المعتضد - فى سنة تسع وثمانين، فقصدهم، فحاربوه وقتلوه فى عدة من أصحابه بالرّصافة من غربى الفرات، ودخلوها فأحرقوا مسجدها ونهبوا.
وساروا نحو الشام يقتلون ويحرقون القرى وينهبونها إلى أن وردوا أطراف دمشق، وكان عليها طغج بن جفّ من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون - فبرز إليهم فهزموه وقتل كثير من أصحابه، والتجأ إلى دمشق فحصروه وقاتلوه.
وكان القرمطى يحضر الحرب على ناقة، ويقول لأصحابه:
«لا تسيروا من مصافكم حتى تنبعث بين أيديكم، فإذا سارت فاحملوا، فإنه لا تردّ لكم راية، إذ (^٦) كانت مأمورة».
_________________
(١) هذه الجملة وردت فى الهامش فى نسخة (ج)، أما فى الأصل فقد وضعت فى المتن كما أثبتناها هنا
(٢) (ج): «المطوف».
(٣) (ج): «شيافا».
(٤) هذه الفقرة وردت فى الهامش فى نسخة (ج)، ولكنها أدخلت فى المتن فى نسخة الأصل.
(٥) كذا فى الأصل، وفى (ج): «بنى كلب».
(٦) كذا بالأصل، وفى (ج): «اذا».
[ ١ / ١٦٩ ]
فسمى بذلك: «صاحب الناقة».
فأقام طغج سبعة أشهر محصورا بدمشق، فكتب إلى مصر بأنه محصور وقد قتل أكثر أصحابا وضرب البلد، فأنفذ إليه بدر الكبير - غلام ابن طولون المعروف بالحمّامى - فسار حتى قرب من دمشق، فاجتمع هو وطغج على محاربة القرمطى بقرب دمشق، فقتل القرمطى واحتمى أصحابه وانحازوا، فمضوا، وكان [القرمطى] قد ضرب دراهم ودنانير وكتب عليها:
«قل جاء الحق وزهق الباطل».
وفى الوجه الآخر: «(^١) لا إله إلا الله (^١)، قل لا أسألكم عليه أجرا (^٢) إلا المودة فى القربى».
فلما انصرف القرامطة عن دمشق وقد قتل محمد بن عبد الله «صاحب الناقة» بايعوا الحسن بن زكرويه - وهو الذى يقال له أحمد بن عبد الله، ويقال عبد الله بن أحمد بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، ويعرف «بصاحب الخال» -، فسار بهم، وافتتح عدة مدن من الشام، وظهر على حمص، وقتل خلقا، وتسمى بأمير المؤمنين المهدى على المنابر وفى كتبه، وذلك فى سنة تسع وثمانين وبعض سنة تسعين.
ثم صاروا إلى الرقّة، فخرج إليهم مولى المكتفى وواقعهم فهزموه وقتلوه، واستباحوا عسكره، ورجعوا إلى دمشق وهم ينهبون جميع ما يمرون به من القرى، ويقتلون ويسبون، فخرج إليهم جيش كثيف عليه بشير - غلام طغج - وقاتلهم حتى قتل فى خلق من أصحابه.
واتصل ذلك بالمكتفى بالله فندب أبا الأغرّ السلمى - فى عشرة آلاف - وخلع عليه لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسعين، فسار حتى نزل حلب، ثم خرج فوافاه جيش القرامطة غفلة يقدمهم المطوّق، فانهزم أبو الأغرّ، وركبت القرامطة أكتاف الناس يقتلون ويأسرون حتى حجز بينهم الليل وقد أتوا على عامة العسكر، ولحق أبو الأغر بطائفة من
_________________
(١) هذه الجملة ساقطة من (ج).
(٢) هذا اللفظ ساقط من (ج).
[ ١ / ١٧٠ ]
أصحابه، فالتجئوا بحلب، وصار فى نحو الألف، فنازله القرامطة، فلم يقدروا منه على شيء فانصرفوا.
وجمع الحسن بن زكرويه بن مهرويه أصحابه، وسار بهم إلى حمص، فخطب له على منابرها.
ثم سار إلى حماة والمعرة، فقتل الرجال والنساء والأطفال، ورجع إلى بعلبك فقتل عامة أهلها.
ثم سار إلى سلمية فحارب أهلها وامتنعوا منه فأمّنهم، ودخلها فبدأ بمن فيها من بنى هاشم - وكانوا جماعة - فقتلهم.
ثم كرّ على أهلها فقتلهم أجمعين، وخرّبها، وخرج عنها وما بها عين تطرف، فلم يمر بقرية إلا أخربها، ولم يدع فيها أحدا، فخرّب البلاد وقتل الناس، ولم يقاومه أحد، وفنيت رجال طغج (^١)، وبقى فى عدة يسيرة، فكانت القرامطة تقصد دمشق فلا يقاتلهم إلا العامة وقد أشرفوا على الهلكة، فكثر الضجيج ببغداد، واجتمعت العامة إلى يوسف بن يعقوب القاضى، وسألوه إنهاء الخبر إلى السلطان.
ووردت الكتب من مصر إلى المكتفى بخبر قتل عسكرهم الذى خرج إلى الشام بيد القرامطة، وخراب الشام، فأمر المكتفى الجيش بالاستعداد، وخرج إلى مضربه فى القواد والجند لاثنتى عشرة خلت من رمضان، ومضى نحو الرقّة بالجيوش حتى نزلها، وانبثت الجيوش بين حلب وحمص، وقلّد محمد بن سليمان حرب الحسن بن زكرويه، واختار له جيشا كثيفا - وكان صاحب ديوان العطاء -.
وعارض الجيش فسار إليهم والتقاهم لست خلون من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين بموضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز الليل بينهم، وقتل عامة رجال القرامطة فولوا مدبرين.
_________________
(١) هذا اللفظ غير موجود فى (ج).
[ ١ / ١٧١ ]
وكان الحسن بن زكرويه (^١) لما أحسّ بالجيوش (^١) اصطفى مقاتلة ممن معه، ورتّب أحوالهم، فلما (^١) انهزم أصحابه (^١) رحل من وقته، وتلاحق به من أفلت، فقال لهم: «أتيتم من قبل أنفسكم وذنوبكم وأنكم لم تصدقوا الله»؛ وحرّضهم على المعاودة إلى الحرب، فاعتلوا بفناء الرجال وكثرة الجراح فيهم، فقال لهم:
«قد كاتبنى خلق من أهل بغداد بالبيعة لى ودعاتى بها ينتظرون أمرى، وقد خلت من السلطان الآن، وأنا شاخص نحوها لأظهر بها، ومستخلف عليكم أبا الحسين القاسم بن أحمد - صاحبى -، وكتبى ترد عليه بما يعمل، فاسمعوا وأطيعوا».
فضمنوا ذلك له، وشخص معه قريبه عيسى ابن أخت مهرويه المسمى «بالمدثّر»، وصاحبه المعروف «بالمطوّق»، وغلام له رومى، وأخذ دليلا يرشدهم إلى الطريق، فساروا يريدون سواد الكوفة، وسلك البر، وتجنّب القرى والمدن حتى صار قريبا من الرحبة بموضع يقال له الدالية، فأمر الدليل فمال بهم إليها، ونزل بالقرب منها خلف رابية، ووجّه بعض من معه لابتياع ما يصلحه، فدخل القرية فأنكر بعض أهلها زيّه، وسأله عن أمره، فورّى وتلجلج (^٢)، فارتاب به وقبض عليه، وأتى به واليها - ويقال له أبو خبزة يخلف أحمد بن كشمرد صاحب الحرب بطريق الفرات، والدالية قرية من عمل (^٣) الفرات - فسأله أبو خبزة ورهب عليه، فعرّفه أن القرمطى الذى خرج الخليفة المكتفى فى طلبه خلف رابية أشار إليها، فسار الوالى مع جماعة بالسلاح فأخذوهم وشدوهم وثاقا، وتوجّه بهم إلى ابن كشمرد، فصار بهم إلى المكتفى - وهو بالرقّة -، فشهّرهم بالرقة، وعلى الحسن بن زكرويه درّاعة ديباج وبرنس حرير، وعلى المدثّر درّاعة (^٤) وبرنس (^٥) حرير، وذلك لأربع بقين من المحرم.
_________________
(١) مكان هذه الألفاظ بياض فى نسخة (ج).
(٢) (ج): «وانخلج».
(٣) هذا اللفظ ساقط من (ج).
(٤) الدراعة، والمدرع، ضرب من الثياب التى تلبس، وقيل جبة مشقوقة المقدم انظر: (اللسان) و(Dozy:Dict.Vets;Supp.Dict.Arab .)
(٥) البرنس - ويقال برنوس بفتح الباء وضمها - قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها فى صدر الاسلام، أو هى كل ثوب رأسه منه - دراعة كان أو جبة أو ممطرا -، ومنه: برنسه فتبرنس أى ألبسه البرنس فلبسه. انظر: (محيط المحيط) و(Dozy Dict.Vets;Supp.Dict.Arab .)
[ ١ / ١٧٢ ]
وقدم محمد بن سليمان بجيوشه إلى الرقّة - ومعه الأسرى - فخلّف المكتفى عساكره مع محمد ابن سليمان بالرقّة، وشخص فى خاصته وغلمانه، وتبعه وزيره القاسم بن عبيد الله إلى بغداد، ومعه القرمطى وأصحابه.
فلما صار إلى بغداد عمل له كرسى سمكه ذراعان ونصف، وركّب على فيل وأركب عليه، ودخل المكتفى وهو بين يديه مع أصحابه الأسرى، وذلك ثالث ربيع الأول، ثم سجنوا.
فلما وصل محمد بن سليمان ببقية القرامطة لاثنتى عشرة خلت منه أمر المكتفى القواد بتلقيه والدخول معه، فدخل فى زىّ حسن وبين يديه نيف وسبعون أسيرا، فخلع عليه، وطوّق بطوق من ذهب، وسوّر سوارين من ذهب، وخلع على جميع من كان معه القواد وطوقوا وسوّروا.
وأمر [المكتفى] ببناء دكّة فى الجانب الشرقى مربعة، ذرعها عشرون ذراعا فى مثلها، وارتفاعها عشرة أذرع، يصعد إليها بدرج، فلما كان لأربع بقين منه خرج القواد والعامة، وحمل القرامطة على الجمال إلى الدكّة، وقتلوا جميعا وعدتهم ثلاثمائة وستون، وقيل دون ذلك.
وقدم الحسن بن زكرويه، وعيسى ابن أخت مهرويه إلى أعلى الدكة ومعهما أربعة وثلاثون إنسانا من قبل (^١) وجوه القرامطة ممن عرف بالنكاية (^٢)، وكان الواحد منهم يبطح على وجهه، وتقطع يده اليمنى، فيرمى بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم تقطع رجله اليسرى، ثم رجله اليمنى ويرمى بهما، ثم يضرب عنقه ويرمى بها.
ثم قدّم المدثّر ففعل به كذلك بعد ما كوى ليعذب، وضربت عنقه.
ثم قدّم الحسن بن زكرويه فضرب مائتى سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوى، وضربت عنقه، ورفع رأسه على خشبة، وكبّر من على الدكة، فكبّر الناس وانصرفوا.
وحملت الرءوس فصلبت على الجسر وصلب بدن القرمطى فمكث نحو سنة.
_________________
(١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «من وجوه القرامطة».
(٢) (ج): «بانكائه».
[ ١ / ١٧٣ ]
ومن كتب الحسن بن زكرويه إلى عماله ما هذه نسخته بعد البسملة:
«من عند المهدى (^١)، المنصور بالله، الناصر لدين الله، القائم بأمر الله [الحاكم بحكم الله] (^٢)، الداعى إلى كتاب الله، الذاب عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، ومذل المنافقين، وخليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المستبصرين [وضياء المستضيئين] (^٢)، ومشتت المخالفين، والقيّم بسنة [سيّد] (^٢) المرسلين، وولد خير الوصيين - صلى [الله] عليه وعلى آله الطيبين وسلّم [كثيرا] (^٢)» -.
كتاب إلى فلان (^٣):
«سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلى على محمد جدى رسول الله.
أما بعد:
فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك من الظلم والعبث والفساد فى الأرض، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى ما هنالك من جيوشنا من ينتقم الله به من أعدائه الظالمين الذين يسعون فى الأرض فسادا؛ فأنفذنا [عطيرا] (^٤) داعيتنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص [وأمددناهم بالعساكر] (^٤)، ونحن فى أثرهم، وقد أوعزنا إليهم فى المصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا، ونحن نرجو أن يجزينا الله فيهم على أحسن عوائده عندنا فى أمثالهم.
فينبغى أن تشد قلبك وقلوب من اتبعك (^٥) من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذى لم يزل
_________________
(١) (ج): «من عبد الله المهدى»، وفى (الطبرى، ج ١١ ص ٣٨٤): «من عبد الله أحمد بن عبد الله المهدى».
(٢) ما بين الحاصرتين زيادات عن: (الطبرى ج ١١ ص ٣٧٤)
(٣) ذكر (الطبرى، ج ١١، ص ٣٨٤) اسم الرجل الذى أرسل اليه الكتاب، وهو «جعفر بن حميد الكردى»
(٤) ما بين الحاصرتين زيادات عن: (الطبرى، ج ١١، ص ٣٨٤)
(٥) فى الطبرى: «من معك»
[ ١ / ١٧٤ ]
يعودنا فى كل من مرق عن الطاعة، وانحرف عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية وما يحدث (^١) فيها، ولا تخف عنا شيئا من أمرها [إن شاء الله] (^٢).
سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله - على جدى [محمد] (^٢) رسوله، وعلى أهل بيته وسلم كثيرا».
وكانت عماله تكاتبه بمثل هذا الصدد.
وسلم القاسم بن أحمد أبو الحسين - خليفة الحسن بن زكرويه - فقدم سواد الكوفة إلى زكرويه بن مهرويه، فأخبره بخبر (^٣) القوم الذين استخلفهم ابنه عليهم، وأنهم اضطربوا فخافهم وتركهم، فلامه زكرويه على قدومه لوما شديدا، وقال له:
«ألا كاتبتنى قبل انصرافك إلىّ؟».
ووجده مع ذلك على خوف شديد من طلب السلطان ومن طلب أصحاب عبدان.
ثم إنه أعرض عن أبى الحسين، وأنفذ إلى القوم - فى سنة ثلاث وتسعين - رجلا من أصحابه - كان معلما - يقال له محمد بن عبد الله بن سعيد، ويكنى بأبى غانم، فتسمى نصرا ليعمى أمره، وأمره أن يدور أحياء كلب ويدعوهم، فدار ودعاهم، فاستجاب له طوائف من الأصبغيين، ومن بنى [٢٨ ب؟؟؟] العليص، فسار بهم نحو الشام، وعامل المكتفى بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ، وهو بمصر فى حرب ابن الخليج (^٤)، فاغتنم ذلك محمد (^٥) ابن عبد الله المعلم، وسار إلى بصرى وأذرعات فحارب أهلها، وسبى ذراريهم وأخذ جميع أموالهم، وقتل مقاتليهم، وسار يريد دمشق، فخرج إليه جيش مع صالح بن الفضل خليفة أحمد بن كيغلغ، فظهروا عليه، وقتلوا عسكره، وأسروه فقتلوه، وهموا بدخول دمشق فدافعهم أهلها، فمضوا إلى طبرية، فكانت لهم وقعة على الأردن غلبوا فيها، ونهبوا طبرية، وقتلوا وسبوا النساء.
_________________
(١) فى الطبرى: «وما يتجدد»
(٢) ما بين الحاصرتين زيادات عن (الطبرى ج ١١ ص ٣٨٤)
(٣) (ج): «فأخبرهم خبر».
(٤) انظر أخبار ثورة ابن الخليج فى: (الكندى: الولاة، ص ٢٥٨ - ٢٦٣)
(٥) المقريزى يلخص هنا عن الطبرى، وهو يسمى هذا الرجل هناك: «عبد الله بن سعيد»
[ ١ / ١٧٥ ]
فبعث المكتفى بالحسين بن حمدان فى طلبهم مع وجوه من القواد، فدخل دمشق وهم بطبرية، فساروا نحو السماوة، وتبعهم ابن حمدان فى البرية، فأخذوا يغوّرون ما يرتحلون عنه من الماء، فانقطع [ابن حمدان] (^١) عنهم لعدم الماء، ومال نحو رحبة مالك بن طوق، فأسرى القرامطة إلى هيت، وأغاروا عليها لتسع بقين من شعبان سنة ثلاث وتسعين، ونهبوا الرّبض والسفن التى فى الفرات، وقتلوا نحو مائتى إنسان.
ثم رحلوا بعد يومين بما غنموه، فأنفذ المكتفى إلى هيت محمد بن إسحاق بن كنداج فى جماعة من القواد بجيش كثيف، وأتبعه بمؤنس، فإذا هم قد غوّروا المياه، فأنفذ إليهم من بغداد بالروايا والزاد، وكتب إلى ابن حمدان بالنفوذ إليهم من الرحبة.
فلما أحسوا بذلك ائتمروا بصاحبهم المعلم، ووثب عليه رجل من أصحابه يقال له الذئب بن القائم فقتله، وشخص إلى بغداد متقربا بذلك، فأسنيت له الجائزة، وكفّ عن طلب قومه، وحملت رأس القائم (^٢) المسمى بنصر المعلم إلى بغداد.
ثم إن قوما من بنى كلب أنكروا فعل الذئب وقتله المعلم، ورضيه آخرون، فاقتتلوا قتالا شديدا، وافترقوا فرقتين، فصارت الفرقة التى رضيت قتل المعلم إلى عين التمر، وتخلفت الأخرى؛ وبلغ ذلك زكرويه - وأحمد بن القاسم عنده - فردّه إليهم، فلما قدم عليهم جمعهم ووعظهم وقال:
«أنا رسول وليكم، وهو عاتب عليكم فيما أقدم عليه الذئب بن القائم، وأنكم قد ارتددتم عن الدين».
فاعتذروا، وحلفوا ما كان ذلك بمحبتهم، وأعلموه بما كان بينهم من الخلف والحرب، فقال لهم:
«قد جئتكم الآن بما لم يأتكم به أحد تقدمنى، يقول لكم وليكم: قد حضر أمركم، وقرب ظهوركم، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا، ومن أهل سوادها أكثر، وموعدكم اليوم
_________________
(١) أضيف ما بين الحاصرتين عن: (الطبرى، ج ١١، ص ٣٩٤) وبه يستقيم المعنى
(٢) (ج): «القاسم»
[ ١ / ١٧٦ ]
[الذى] (^١) ذكره الله [فى شأن موسى ﷺ وعدوه فرعون إذ يقول: موعدكم] (^١) يوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى» فأجمعوا أمركم، وسيروا إلى الكوفة، فإنه لا دافع لكم عنها، ومنجز وعدى الذى جاءتكم به رسلى».
فسروا بذلك، وارتحلوا نحو الكوفة، فنزلوا دونها بستة وثلاثين ميلا قبل يوم عرفة بيوم من سنة ثلاث وتسعين، فخلّفوا هناك الخدم والأموال، وأمرهم أن يلحقوا به على ستة أميال من القادسية.
ثم شاور الوجوه من أصحابه فى طروق الكوفة أى وقت، فاتفقوا على أن يكمنوا فى النجف، فيريحوا الخيل والدواب، ثم يركبوا عمود الصبح فيشنوها غارة والناس فى صلاة العيد.
فركبوا وساروا، ثم نزلوا فناموا، فلم يوقظهم إلا الشمس يوم العيد لطفا من الله بالناس، فلم يصلوا إلى الكوفة إلا وقد انقضت الصلاة، وانصرف الناس وهم متبددون فى ظاهر الكوفة، ولأمير البلد طلائع تتفقد، وكان قد أرجف فى البلد بحدوث فتن فأقبلوا ودخلت خيل منهم الكوفة، فوضعوا السيف وقتلوا كثيرا من الناس وأحرقوا، فارتجت الكوفة، وخرج الناس بالسلاح، وتكاثروا عليهم يقذفونهم بالحجارة، فقتلوا منهم عدة، وأقبل بقيتهم فخرج إليهم إسحاق بن عمران فى يسير من الجند، وتلاحق به الناس، فاقتتلوا قتالا شديدا فى يوم صائف شديد الحر، فانصرف القرامطة مكدودين، فنزلوا على ميلين من الكوفة، ثم ارتحلوا عشاء نحو سوادهم، واجتازوا بالقادسية وقد تأهبوا لحربهم، فانصرفوا عنها، وبعث أمير الكوفة بخبر ذلك إلى بغداد.
وسار القرامطة إلى سواد الكوفة، فاجتمع أحمد بن القاسم بزكرويه بن مهرويه - وكان مستترا - فقال للعسكر:
«هذا صاحبكم وسيدكم ووليكم الذى تنتظرونه».
فترجّل الجميع وألصقوا خدودهم بالأرض، وضربوا لزكرويه مضربا عظيما، وطافوا به، وسروا سرورا عظيما، واجتمع إليهم أهل دعوته من السواد، فعظم الجيش جدا.
_________________
(١) أضيف ما بين الحاصرتين عن: (ابن الأثير: الكامل، ج ٧، ص ٢١٥) وبه يستقيم المعنى
[ ١ / ١٧٧ ]
وسيّر المكتفى جيشا عظيما، فساروا بالأثقال والبنود والبزاة على غير تعبئة مستخفين بالقوم، فوصلوا وقد تعب ظهرهم وقل نشاطهم، فلقيهم القرامطة وقاتلوهم وهزموهم، ووضعوا فيهم السيوف، فقتل الأكثر، ونجا الأقل إلى القادسية، فأقاموا فى جمع الغنائم ثلاثا، فكان من قتل من الجيش نحو الألف وخمسمائة، فقويت القرامطة بما غنموا، وبلغ المكتفى فخاف على الحاج، وبعث محمد ابن إسحاق بن كنداج لحفظ الحاج، وطلب القرامطة، وضم إليه خلقا عظيما.
فسار القرامطة وأدركوا الحاج، فأخذوا الخراسانية لإحدى عشرة خلت من المحرم سنة أربع وتسعين، ووضعوا فيهم السيف وقتلوا خلقا عظيما، واستولى زكرويه على الأموال.
وقدم ابن كنداج فأقام بالقادسية - وقد أدركه من هرب من حاج خراسان - وقال:
«لا أغدر بجيش السلطان».
وقدمت قافلة الحاج الثانية والثالثة، فقاتلوا القرامطة قتالا شديدا حتى غلبوا، وقتل كثير من الحاج، واستولوا على جميع ما فى القافلة، وأخذوا النساء ولم يطلقوا منهم إلا من لا حاجة لهم فيها، ومات كثير من الحاج عطشا، ويقال إنه هلك نحو من عشرين ألفا، فارتجت بغداد لذلك.
وأخرج المكتفى الأموال لإنفاذ الجيوش من الكوفة - لإحدى عشرة بقيت من المحرم -.
وخزائن السلاح.
ورحل زكرويه فلم يدع ماء إلا طرح فيه جيف القتلى، وبثّ الطلائع فوافته القافلة التى فيها القواد والشّمسة - وكان المعتضد جعل فيها جوهرا نفيسا -، ومعهم الخزانة ووجوه الناس والرؤساء ومياسير التجار، وفيها من أنواع المال ما يخرج عن الوصف، فناهضهم زكرويه بالهبير (^١)، وقاتلهم يومه، فأدركتهم قافلة العمرة، وكان المعتمرون يتخلفون للعمرة
_________________
(١) قال (ياقوت فى معجم البلدان: «الهبير من الأرض أن يكون مطمئنا وما حوله أرفع منه .. والهبير رمل زرود فى طريق مكة كانت عنده وقعة ابن أبى سعيد الجنابى القرمطى بالحاج يوم الاحد لاثنى عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ٣١٢، قتلهم وسباهم وأخذ أموالهم».
[ ١ / ١٧٨ ]
بعد خروج الحاج، ويخرجون إذا دخل المحرم، ويتفردون قافلة، وانقطع ذلك من تلك السنة، فاجتمع الناس وقاتلوا يومهم وقد نفد الماء، فملك القافلة، وقتل الناس، وأخذ ما فيها من حريم ومال وغيره، وأفلت ناس فمات أكثرهم عطشا، وسار فأخذ أهل فيد (^١).
وأما بغداد فإنه حصل بها وبالكوفة وجميع العراق مصاب بحيث لم يبق دار إلا وفيها مصيبة، وعبرة سائلة، وضجيج وعويل، واعتزل المكتفى النساء هما وغما، وتقدم بالمسير خلف زكرويه، وأنفذ الجيوش فالتقوا مع زكرويه لسبع بقين من ربيع الأول، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان حتى انهزم زكرويه وقتل أكثر من معه، وأسر منهم خلق كثير، وطرحت النار فى قبته، فخرج من ظهرها، وأدركه رجل فضربه حتى سقط إلى الأرض، فأدركه رجل يعرفه. فأركبه نجيبا فارها، وسار به إلى نحو بغداد، فمات من جراحات كانت به، وصبّر وأدخل به إلى بغداد ميتا فشهّر كذلك، ومعه حرمه وحرم أصحابه وأولادهم أسرى (^٢) ورءوس من قتل بين يديه فى الجوالقات، ومات خبر (^٣) القرامطة بموت زكرويه.
ودعوتهم ذكرها شائع.
فلما دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين خرج رجل من السواد من الظطّ يعرف بأبى حاتم الظطّى، فقصد أصحاب البورانى داعيا - وهم يعرفون بالبورانية - وحرّم عليهم الثوم والبصل والكرات والفجل، وحرّم عليهم إراقة الدم من جميع الحيوان، وأمرهم أن يتمسكوا بمذهب البورانى، وأمرهم بما لا (^٤) يقبله إلا أحمق، وأقام فيهم نحو سنة، ثم زال، فاختلفوا بعده، فقالت طائفة:
«زكرويه بن مهرويه حىّ، وإنما شبّه على الناس به».
وقالت فرقة:
«الحجة لله محمد بن إسماعيل».
_________________
(١) عرفها ياقوت فى معجمه بأنها «بليدة فى نصف طريق مكة من الكوفة، عامرة، يودع الحجاج فيها أزوادهم وما يثقل من أمتعتهم عند أهلها، فاذا رجعوا أخذوا أزوادهم ووهبوا لمن أودعوها شيئا من ذلك»
(٢) (ج): «وأولادهم والأسرى»
(٣) (ج): «خير»
(٤) الأصل: «بأن لا» والتصحيح عن (ج).
[ ١ / ١٧٩ ]
ثم خرج رجل من بنى عجل قرمطىّ يقال له محمد بن قطبة، فاجتمع عليه نحو مائة رجل، فمضى بهم نحو واسط، فنهب وأفسد فخرج إليه آمر الناحية، فقتلهم وأسرهم.
ثم خمدت أحوال القرامطة إلى أن تحرك أبو طاهر بن أبى سعيد الجنّابى، وعمل على أخذ البصرة سنة عشر وثلاثمائة، فعمل سلالم عراضا يصعد على كل مرقاة اثنان سورافيت (^١)، إذا احتيج إليها نصبت، وتخلع إذا حملت، فرحل يريد البصرة، فلما قاربها فرّق السلاح، وحشى الغرائر بالرمل، وحملها على الجمال، فسار إلى السور قبل الفجر، فوضع السلالم، وصعد عليها قوم، ونزلوا فوضعوا السيف وكسروا الأقفال، فدخل الجيش، فأول ما عملوا أن طرحوا الرمل المحمول فى الأبواب ليمنع من غلقها، وبدر لهم الناس ومعهم الأمير، فقاتلوا وقتل الأمير، فأقاموا النهار يقتتلون حتى حجز بينهم الظلام، فخرجوا وقد قتل من الناس مقتلة عظيمة، فباتوا ثم باكروا البلد فقتلوا ونهبوا.
ثم رحلوا إلى الأحساء، فأنفذ السلطان عسكرا - وكان أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان قد قلّد أعمال الكوفة والسواد وطريق مكة - فدخل (^٢) فى أثرهم وأسر منهم وعاد.
فلما قدمت قوافل الحاج اعترضها أبو طاهر القرمطى فقتل منهم؛ وأدركهم أبو الهيجاء ابن حمدان بجيوش كثيرة، فحملت القرامطة عليهم فهزموهم، وأخذ أبو الهيجاء أسيرا، فلما رآه أبو طاهر تضاحك وقال له:
«جئناك عبد الله، ولم نكلفك قصدنا».
فتلطف له أبو الهيجاء حتى استأمنه، وأمر بتمييز الحاج، وعزل الجمالين والصناع ناحية، فأخذوا ما مع الحاج وخلوهم، فردوا بشرّ حال فى صورة الموتى، ورحل من الغد من بعد أن أخذ من أبى الهيجاء وحده نحو عشرين ألف دينار مع أموال لا تحصى كثرة، ثم أطلق أبا الهيجاء بعد أشهر، فورد بغداد.
فلما كان فى سنة اثنتى عشرة وثلاثمائة خرج من بغداد جيش كثيف لحفظ الحاج، فلقى أبو طاهر القرمطى الحاج بالعقبة، فرجع الحاج إلى الكوفة، فتبعهم القرمطى حتى نزل بظاهرها
_________________
(١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «بزرا فبن».
(٢) (ج): «فزحل».
[ ١ / ١٨٠ ]
لثلاث عشرة (^١) خلت من ذى القعدة، فناوشه الناس وانكفأ راجعا، ثم باكرهم بالقتال وخرجت إليه جيوش السلطان، فقاتلهم وهزمهم، وقتل قوادهم وكثيرا من العامة، ونهب البلد إلى العشرين منه، فرحل عن البلد.
فلما كان فى سنة خمس عشرة وثلاثمائة خرج القرمطى من بلده لقتال ابن أبى الساج، وقد كان السلطان أنزله فى جيش كثير بواسط ليسير إلى بلد القرمطى، فاستصعب مسيره لكثرة من معه، وثقل عليه سيره فى أرض قفر، فاحتال على القرمطى، وكاتبه باظهار المواطأة، وأطمعه فى أخذ بغداد ومعاضدته، فاغتر بذلك، ورحل بعيال وحشم وأتباع، وجيشه على أقوى ما يمكنه، وأقبل يريد الكوفة.
ورحل ابن أبى الساج بجيشه عن واسط إلى الكوفة، وقد سبقه القرمطى، ودخلها لسبع خلون من شوال، فاستولى عليها، وأخذ منها الميرة، وأعد ما يحتاج إليه؛ وأقبل ابن أبى الساج على غير تعبئة، وعبر مستهينا بأمر القرمطى مستحقرا له، ثم واقعه وهو فى جيش يضيق عنه موضعه، ولا يملك تدبيره، وقد تفرق عنه عسكره، وركبوا - من نهب القرى وأذى الناس وإظهار الفجور - شيئا كثيرا، فأقبل إليه القرمطى وقاتله، فانهزمت عساكر ابن أبى الساج بعد ما كثرت بينهما القتلى والجراح، فقتلوا الناس قتلا ذريعا حتى صاروا فى بساط واحد نحو فرسخين أو أربع، واحتوى على عسكره، ونهب الأكرة من أهل السواد ما قدروا عليه، وأقام أربعين يوما؛ وخرج بعد أن يئس من مجيء عسكر إليه، فقصد بغداد، ونزل بسواد الأنبار، وعبر الفرات إلى الجانب الغربى، وتوجه بين الفرات ودجلة يريد بغداد، فجيّش الجيش إليه؛ وسار مؤنس حتى نازله على نحو ثلاثة فراسخ من بغداد، وقاتل القرامطة قتالا شديدا، وورد كتاب المقتدر يأمر مؤنسا بمعاجلته القتال، ويذكر ما لزم من صرف الأموال إلى وقت وصوله.
فكتب إليه: «إن فى مقامنا - أطال الله بقاء مولانا - نفقة المال، وفى لقائنا نفقة الرجال؛ ونحن أحرياء باختيار نفقة المال على نفقة الرجال».
_________________
(١) (ج): «لثلاث خلت».
[ ١ / ١٨١ ]
ثم أنفذ إلى القرمطى يقول له:
«ويلك، ظننتنى كمن لقيك أبرز لك رجالى، والله ما يسرنى أن أظفر بك بقتل رجل مسلم من أصحابى، ولكنى أطاولك وأمنعك مأكولا ومشروبا حتى آخذك أخذا بيدى إن شاء الله».
وأنفذ يلبق فى جيش للإيقاع بمن فى قصر ابن هبيرة، فعظم ذلك على القرمطى فاضطرب، وأخذ أصحابه يحتالون فى الهرب، وتركوا مضاربهم، فنهب مؤنس ما خلّفوه، وسار جيش القرمطى من غربى الفرات، وسار مؤنس من شرقيه، إلى أن وافى القرمطى الرّحبة، ومؤنس يحتال فى إرسال زواريق فيها فاكهة مسمومة (^١)، فكان القرامطة يأخذونها، فكثرت الميتة فيهم، وكثر بهم الذّرب، وظهر جهدهم، فكروا راجعين وقد قل (^٢) الظهر معهم، فقاتلوا أهل هيت وانصرفوا مفلولين، فدخل الكوفة على حال ضعف وجراحات وعلل - لثلاث خلون من رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة - فأقام بها إلى مستهل ذى الحجة، ولم يقتل ولا نهب، ثم رحل.
فلما كان فى سنة سبع عشرة رحل بجيشه، فوافى مكة لثمان خلون من ذى الحجة، فقتل الناس فى المسجد قتلا ذريعا، ونهب الكعبة، وأخذ كسوتها [وحليها] (^٣)، ونزع الباب وستائره، وأظهر الاستخفاف به، وقلع الحجر الأسود وأخذه معه - وظن أنه مغناطيس القلوب -، وأخذ الميزاب أيضا.
وعاد إلى بلده فى المحرم سنة ثمانى عشرة وقد أصابه كدّ شديد، وقد أخذ ستة وعشرين ألف حمل خفا، وضرب آلاتهم وأثقالهم بالنار، واستملك من النساء والغلمان والصبيان.
ما ضاق بهم الفضاء كثرة (^٤)، وحاصرته هذيل فأشرف على الهلكة حتى عدل به دليل إلى غير الطريق المعروف إلى بلده.
فلما كان فى شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة سار إلى الكوفة، فعاث عسكره فى
_________________
(١) الأصل: «مشمومة»، والتصحيح عن (ج).
(٢) كذا فى الأصل، وفى (ج): «فل».
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج).
(٤) ج: «ما ضاق بهم النعت».
[ ١ / ١٨٢ ]
السواد، وأسروا خلقا، واشتروا أمتعة، ورجعوا - بعد خمسين ليلة أقاموا بها - إلى بلدهم.
وبعث أبو طاهر سريّة فى البحر نحو أربعين مركبا فوضعوا السيف فى أهل الساحل، ولم يلقوا أحدا إلا قتلوه - من رجل وامرأة وصبى - فما نجا منهم إلا من لحق بالجبال، وسبوا النساء، واجتمع الناس، فقتلوا منهم - فى الحرب معهم - خلقا كثيرا، وأسروا جماعة، ثم تحاملوا عليهم، وتبادوا بالشهادة، وجدوا فقتلوا أكثرهم، وأخذوا جميع من بقى أسرا بحيث لم يفلت منهم أحد، وحملت الأسرى إلى بغداد مع الرءوس - وهم نحو المائة رجل ومائة رأس - فحبسوا ببغداد.
ثم خلصوا وصاروا إلى أبى طاهر فكانوا يتحدثون بعد خلاصهم إلى أبى طاهر أن كثيرا من الكبراء وغيرهم كانوا يرسلون إليهم بما يتقربون به إليهم، وكان سبب خلاصهم مكاتبة جرت بينهم بالمهادنة على أن يردوا الحجر الأسود، ويطلق الأسرى، ولا يعترضوا الحاج، فجرى الأمر على ذلك.
ودخل القرمطى - فى سنة ثلاث وعشرين - إلى الكوفة والحاج قد خرج فى ذى القعدة، وعاد الحاج إلى الكوفة، ولم يقدر على مقاومتهم، فظفر بمن ظفر منهم، فلم يكثر القتل، وأخذ ما وجد.
وبلغ القرمطى أن رجلا من أصحابه قال:
«والله ما ندرى ما عند سيدنا أبى طاهر من تمزيق هؤلاء الذين من شرق الأرض وغربها، واتخاذهم ومن وراءهم أعداء، وما يفوز بأكثر أموالهم إلا الأعراب والشّذاذ من الناس، فلو أنه حين ظفر بهم دعاهم إلى أن يؤدى كل رجل منهم دينارا ويطلقهم ويؤمنهم لم يكره ذلك منهم أحد، وخفّ عليهم وسهل، وحجّ الناس من كل بلد، لأنهم ظمأى إلى ذلك جدا، ولم يبق ملك إلا كاتبه وهاداه واحتاج إليه فى حفظ أهل بلده وخاصته، وجاء فى كل سنة من المال ما لا يصير لسلطان مثله من الخراج، واستولى على الأرض وانقاد له الناس؛ وإن منع من ذلك سلطان اكتسب المذمة، وصار عند الناس هو المانع من الحج».
فاستصوب القرمطى هذا الرأى، ونادى من وقته فى الناس بالأمان، وأحضر الخراسانية،
[ ١ / ١٨٣ ]
فوطّأ أمرهم على أنهم يحجوا ويؤدوا إليه المال فى كل سنة، ويكونوا آمنين على أنفسهم وأموالهم؛ وأخرج أهل مصر أيضا عن الحاج ضرائب من مال السلطان؛ ثم ولى تدبير العراق من لم ير ذلك دناءة ولا منقصة، فصار لهم على الحاج رسما بالكوفة.
فلما كان سنة خمس وعشرين كبس أبو طاهر الكوفة، وقبض على شفيع اللؤلؤى - أميرها - بأمان، فبعثه إلى السلطان يعرفه أنهم صعاليك لا بد لهم من أموال، فإن أعطاهم مالا لم يفسدوا عليه، وخدموه فيما يلتمسه، وإلا فلا يجدوا بدا من أن يأكلوا بأسيافهم، وبرّ [أبو طاهر] شفيعا ووصله، فوصل شفيع إلى السلطان وعرّفه، فبعث إليهم رجلا فناظر القرمطى، وملأ صدره من السلطان وأتباعه، فزاده انكسارا، وسار عن البلد، فابتلاه الله بالجدرى وقتله؛ فملك التدبير بعده أخوته وابن سنبر.
فلما كان فى سنة تسع وثلاثين أرادوا أن يستميلوا الناس فحملوا الحجر الأسود إلى الكوفة، ونصبوه فيها على الاسطوانة بالجامع.
وكان قد جاء عن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب - الملقب زين العابدين (^١) -:
«أن الحجر الأسود يعلق فى مسجد الجامع بالكوفة فى آخر الزمان».
ثم قدم به سنبر بن الحسن بن سنبر إلى مكة - وأمير مكة معه - فلما صار بفناء البيت أظهر الحجر من سفط كان به (^٢) مصونا، وعلى الحجر ضباب فضّة قد عملت (^٣) عليه، تأخذه طولا وعرضا، تضبط شقوقا حدثت فيه بعد انقلاعه؛ وكان قد أحضر له صانع معه جصّ يشدّ به الحجر، وحضر جماعة من حجبة البيت، فوضع سنبر بن الحسن بن سنبر الحجر بيده فى موضعه - ومعه الحجبة - وشدّه الصانع بالجصّ - بعد وضعه - وقال لما ردّه:
«أخذناه بقدرة الله، ورددناه بمشيئته».
_________________
(١) الملقب بزين العابدين هو على بن الحسين، لا محمد ابنه.
(٢) (ج): «معه».
(٣) (ج): «حملت».
[ ١ / ١٨٤ ]
ونظر الناس إليه وقبّلوه والتمسوه (^١)، وطاف سنبر بالبيت.
وكان قلع الحجر من ركن البيت يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من ذى القعدة سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
وكان ردّه يوم الثلاثاء لعشر خلون من ذى الحجة - يوم النحر - سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
فكانت مدة كينونته عند الجنابى وأصحابه اثنين وعشرين سنة إلا أربعة أيام.
وكان فى سنة (^٢) ست عشرة وثلاثمائة (^٢) قد تحركت القرامطة بسواد الكوفة عند انصراف أبى طاهر القرمطى عن بغداد إلى نحو (^٣) الشام، وتداعوا إلى الاجتماع (^٤) فى دار هجرتهم فكثروا، وكبسوا نواحى الوسط (^٥)، وقتلوا خلقا كثيرا، وملكوا ما حواه العسكر هناك من سلاح وغيره، فقوى أمرهم، وسار بهم عيسى بن موسى والحجازى (^٦) - وهما داعيان - وكان الحجازى بالكوفة يبيع (^٧) الخبز، فصحب يزيد النقاش، واجتمع عليهما غلمان، وساروا فنهبوا وأخافوا، والبلد ضعيف لاتصال الفتن وتخريب البورانى لسواده وضعف يد السلطان، وطالبوا جميع أهل السواد بالرحيل إليهم، فاجتمعوا نحو العشرة آلاف، وفرقوا العمال، ورحلوا إلى الكوفة فدخلوها عنوة، وهرب واليها، وولوا على خراجها وعلى حربها، وأحدثوا فى الأذان ما لم يكن فيه، فأنفذ السلطان إليهم جيشا فواقعهم فانهزموا، وقتل منهم مالا يحصى، وغرق منهم وهرب الباقون، وحملت الأسرى إلى بغداد فقتلوا وصلبوا، وحبس عيسى بن موسى مدة، ثم تخلّص بغفلة السلطان وحدوث الفتن آخر أيام المقتدر، فأقام ببغداد يدعو الناس، ووضع كتبا نسبها إلى عبدان الداعى، نسبه فيها إلى الفلسفة، وأنه يعلم ما يكون قبل كونه، فصار له أتباع، وأفسد فسادا عظيما، وصار له خلفاء من بعده مدة.
_________________
(١) (ج) «واقتمسوه» ولا معنى لها.
(٢) هذه الكلمات ساقطة من (ج).
(٣) هذا اللفظ غير موجود فى (ج).
(٤) النص فى (ج): «ووافوا الى دار هجرتهم».
(٥) كذا فى الأصل، وفى (ج): «نواحى واسط»
(٦) (ج): «الحجارى».
(٧) الأصل: «يبتاع» والتصحيح عن (ج).
[ ١ / ١٨٥ ]
وأما خراسان فقدم إليها بالدعوة أبو عبد الله الخادم فأول ما ظهرت بنيسابور، فاستخلف عند موته أبا سعيد الشعرانى (^١)، وصار منهم خلق كثير هناك من الرؤساء وأصحاب السلاح.
(^٢) وانتشرت فى الرى (^٢) من رجل يعرف بخلف (^٣) الحلاج، وكان يحلج القطن، فصرف بها طائفة «الخلفية (^٤)»، وهم خلق كثير، ومال إليهم قوم من الديلم وغيرهم، وكان منهم أسفار (^٥) فلما قتل مرداويج أسفار عظمت شوكة القرامطة فى (^٦) أيامه بالرى وأخذوا (^٦) يقتلون الناس غيلة حتى أفنوا خلقا كثيرا.
ثم خرج مرداويج إلى جرجان لقتال نصر بن أحمد السامانى، فنفر (^٧) عليهم وقتلهم مع صبيانهم ونسائهم حتى لم يبق منهم أحد، وصار بعضهم إلى مفلح - غلام ابن أبى الساج - فاستجاب له، ودخل فى دعوته (^٨).
فلما كان فى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وقد استعد الحسن بن عبيد الله بن طغج بالرملة لقتال من يرد عليه من قبل جوهر القائد، فورد (^٩) عليه الخبر بأن القرامطة تقصده، ووافت (^٩) الرملة فهزموا الحسن بن عبيد الله، ثم جرى بينهم صلح، وصاهر إليهم فى ذى الحجة منها، فأقام القرمطى بظاهر الرملة ثلاثين يوما ورحل.
وسار جعفر بن فلاح من مصر فهزم الحسن بن عبيد الله بن طغج، وقتل رجاله، وأخذه أسيرا، فسار إلى دمشق فنزل بظاهرها، فمنعه أهل البلد وقاتلوه قتالا شديدا؛ ثم إنه دخلها بعد حروب، وفرّ منه جماعة - منهم ظالم بن موهوب العقيلى، ومحمد بن عصودا - فلحقا بالأحساء إلى القرامطة، وحثوهم على المسير إلى الشام، فوقع ذلك منهم بالموافقة، لأن الإخشيدية
_________________
(١) (¬١ و٢) مكان هذا اللفظ فى (ج) بياض.
(٢) (ج): «بخلق».
(٣) (ج): «فعرف بها طاعته بالخلفية».
(٤) مكان هذا الاسم فى (ج) بياض
(٥) هذه الجملة غير موجودة فى (ج).
(٦) الأصل: «فيغر» و(ج) «فيعز»، وما اثبتناه قراءة ترجيحية.
(٧) (ج): «ودخل القرامطة الشام».
(٨) هذه الجملة لا وجود لها فى (ج)، وانما مكانها بياض.
[ ١ / ١٨٦ ]
كانت تحمل إليهم (^١) فى كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، فلما صارت عساكر المعز إلى مصر مع جوهر، وزالت الدولة الاخشيدية انقطع المال عن القرامطة، فسارت … (^٢) بعد أن بعثوا عرفاءهم لجمع العرب، فنزلوا الكوفة وراسلوا السلطان ببغداد، فأنفذ إليهم خزانة سلاح، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبى تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان، ورحلوا إلى الرحبة - وعليها أبو تغلب - فحمل إليهم العلوفة والمال الذى كتبا به لهم.
وجمع جعفر بن فلاح أصحابه واستعدّ لحربهم، فتفرّق الناس عنه إلى مواضعهم، ولم يفكروا بالموكلين على الطرق، وكان رئيس القرامطة الحسن بن أحمد بن أبى سعيد الجنابى، فبعث إليه أبو تغلب يقول:
«هذا شيء أردت أن أسير أنا فيه بنفسى وأنا مقيم فى هذا الموضع إلى أن يرد علىّ خبرك، فإن احتجت إلى مسيرى سرت إليك».
ونادى فى عسكره:
«من أراد المسير من الجند الإخشيدية وغيرهم إلى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض لنا عليه؛ فقد أذنا له فى المسير، والعسكران واحد».
فخرج إلى عسكر القرمطى جماعة من عسكر أبى تغلب، وفيهم كثير من الإخشيدية الذين كانوا بمصر، صاروا إليه - لما دخل جوهر - من مصر وفلسطين؛ وكان سبب هذا الفعل من أبى تغلب أن جعفر بن فلاح كان قد أنفذ إليه من طبرية داعيا يقال له أبو طالب التنوخى - من أهل الرملة - يقول له: «إنى سائر إليك فنقيم الدعوة»، فقال له أبو تغلب - وكان بالموصل -:
«هذا ما لا يتم لأنا فى دهليز بغداد، والعساكر قريبة منا، ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرتم».
فانصرف من عنده على غير شيء.
وبلغ ذلك القرمطى فسرّه وزاده قوة، وسار عن الرّحبة، فأشار أصحاب جعفر - لما قارب
_________________
(١) الأصل: «عليهم»، والتصحيح عن (ج).
(٢) مكان هذه النقط بياض بالنسختين
[ ١ / ١٨٧ ]
القرامطة دمشق - أن يقاتلهم بطرف البرية، فخرج إليهم وواقعهم، فانهزم، وقتل لست خلون من ذى القعدة سنة ستين وثلاثمائة.
ونزل القرمطى ظاهر المزّة فجبى مالا، وسار يريد الرملة - وعليها سعادة ابن حيان - فالتجأ إلى يافا، ونزل عليه القرمطى، وقد اجتمعت إليه عرب الشام وأتباع من الجند، فناصبها القتال حتى أكل أهلها الميتة، وهلك أكثرهم جوعا [ثم سار عنها، وترك على حصارها ظالم العقيلى وأبا الهيجا (^١) بن منجا] (^٢)، وأقام القرامطة الدعوة للمطيع لله العباسى فى كل بلد فتحوه، وسوّدوا أعلامهم، ورجعوا عما كانوا يمخرقون به، وأظهروا أنهم كأمراء النواحى الذين من قبل الخليفة العباسى.
ونزل على مصر أول ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاثمائة، فقاتله جوهر على الخندق وهزمه، فرحل إلى الأحساء.
وأنفذ جوهر جيشا نحو يافا فملكوها، ورحل المحاصرون لها إلى دمشق، ونزلوا بظاهرها، فاختلف ظالم العقيلى وأبو الهيجا بسبب الخراج، فكان كل منهما يريد أخذه للنفقة فى رجاله، وكان أبو الهيجا أثيرا عند القرمطى يولج إليه أموره، ويستخلفه على تدبيره.
ورجع الحسن بن أحمد القرمطى من الأحساء فنزل الرملة ولقيه أبو الهيجا وظالم، وبلغه ما جرى بينهما من الاختلاف، فقبض على ظالم واعتقله مدة ثم خلّى عنه.
وطرح القرمطى مراكب فى البحر، وشحنها بالمقاتلة، وسيّرها إلى تنّيس وغيرها من سواحل
_________________
(١) ورد أمام هذا الاسم فى الهامش بالنسختين تعريف به، نصه: «أبو الهيجا» هو عبد الله بن على بن المنجا، أحد أصحاب أبى على الحسين بن أحمد بن الحسين بن بهرام القرمطى المنعوت بالأعصم، وكان يرجع اليه لرأيه وسياسته، واستخلفه على دمشق حين رحل الى الأحساء بعد انهزامه من أبى محمود ابراهيم بن جعفر الكتامى، فقصده ظالم بن موهوب العقيلى من بعلبك بمراسلة، فاستأمن الى ظالم عدة من أصحاب أبى الهيجا لمنعه عنهم العطاء وقلة ماله، فأسره ظالم يوم السبت لعشر خلون من رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وجهزه أبو محمود هو وابنه فى قفصين الى مصر فحبسا بها».
(٢) هذه الجملة وردت فى نسخة الأصل بعد لفظى «الخليفة العباسى» أى بعد السطرين التاليين وهذا مكانها فى نسخة (ج) وهو أنسب للمعنى والسياق.
[ ١ / ١٨٨ ]
مصر، وجمع من قدر عليه من العرب وغيرهم، وتأهّب للمسير إلى مصر، هذا بعد أن كان القوامطة أولا يمخرقون بالمهدى، ويوهمون أنه صاحب المغرب، وأن دعوتهم إليه، ويراسلون الإمام المنصور إسماعيل بن محمد القائم بن عبيد الله المهدى، ويخرجون إلى أكابر أصحابهم أنهم من أصحابه إلى أن افتضح كذبهم بمحاربة القائد جوهر لهم، وقتله كثيرا منهم، وكسره القبة التى كانت لهم.
فلما نزل المعز لدين الله القاهرة عند ما قدم من المغرب وقد تيقن أخبار القرامطة كتب إلى الحسن بن أحمد القرمطى كتابا عنوانه:
«من عبد الله ووليّه، وخيرته وصفيه، معد أبى تميم المعز لدين الله، أمير المؤمنين، وسلالة خير النبيين، ونجل على أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد»:
﷽
رسوم النطقاء، ومذاهب الأئمة والأنبياء، ومسالك الرسل والأوصياء، السالف والآنف منا، صلوات الله علينا وعلى آبائنا، أولى الأيدى والأبصار، فى متقدم الدهور والأكوار، وسالف الأزمان والأعصار، عند قيامهم بأحكام الله، وانتصابهم لأمر الله، الابتداء بالإعذار، والانتهاء بالإنذار، قبل إنفاذ الأقدار، فى أهل الشقاق والإصار لتكون الحجة على من خالف وعصى، والعقوبة على من باين وغوى، حسب ما قال الله جلّ وعزّ:
«وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (^١).
و«وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ» (^٢).
وقوله سبحانه: «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي، وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (^٣).
_________________
(١) الآية ١٥، السورة ١٧ (الاسراء)
(٢) الآية ٢٤، السورة ٣٥ (فاطر)
(٣) الآية ١٠٨، السورة ١٢ (يوسف).
[ ١ / ١٨٩ ]
«فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ» (^١).
أما بعد، أيها الناس فإنا نحمد الله بجميع محامده، ونمجده بأحسن مماجدة، حمدا دائما أبدا، ومجدا عاليا سرمدا، على سبوغ نعمائه، وحسن بلائه، ونبتغى إليه الوسيلة بالتوفيق والمعونة على طاعته، والتسديد فى نصرته، ونستكفيه ممايلة الهوى والزيغ عن قصد الهدى، ونستزيد منه إتمام الصلوات، وإفاضات البركات، وطيب التحيات، على أوليائه الماضين، وخلفائه التالين، منا ومن آبائنا الراشدين المهديين المنتخبين، الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون.
أيها الناس: «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» (^٢) ليذكر من يذكر، وينذر من أبصر واعتبر.
أيها الناس: إن الله جلّ وعزّ إذا أراد أمرا قضاه، وإذا قضاه أمضاه، وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحا، وأبرزنا أرواحا، بالقدرة مالكين، وبالقدوة قادرين، حين لاسماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا شمس تضئ، ولا قمر يسرى، ولا كوكب يجرى، ولا ليل يجن، ولا أفق يكن، ولا لسان ينطق، ولا جناح يخفق، ولا ليل ولا نهار، ولا فلك دوّار، ولا كوكب سيّار.
فنحن أول الفكرة وآخر العمل، بقدر مقدور، وأمر فى القدم مبرور، فعند تكامل الأمر وصحة العزم، وإنشاء الله - جلّ وعزّ - المنشآت، وإبداء الأمهات من الهيولات، طبعنا أنوارا وظلما، وحركة وسكونا.
وكان من حكمه السابق فى علمه ما ترون من فلك دوّار، وكوكب سيّار، وليل ونهار، وما فى الآفاق من آثار معجزات، وأقدار باهرات، وما فى الأقطار من الآثار، وما فى النفوس من الأجناس والصور والأنواع، من كثيف ولطيف، وموجود ومعدوم، وظاهر وباطن، ومحسوس وملموس، ودان وشاسع، وهابط وطالع.
_________________
(١) الآية ١٣٧، السورة ٢ (البقرة).
(٢) الآية ١٠٤، السورة ٦ (الانعام).
[ ١ / ١٩٠ ]
كلّ ذلك لنا ومن أجلنا، دلالة علينا، وإشارة إلينا، يهدى به الله من كان [له] لب سجيح، ورأى صحيح، (^١) قد سبقت له منا (^٢) الحسنى، فدان بالمعنى.
ثم إنه - جلّ وعلا - أبرز من مكنون العلم ومخزون الحكم، آدم وحوا أبوين ذكرا وأنثى، سببا لإنشاء البشريّة، ودلالة لإظهار القدرة القويّة؛ وزواج بينهما فتوالدا الأولاد، وتكاثرت الأعداد، ونحن ننتقل فى الأصلاب الزكيّة، والأرحام الطاهرة المرضية، كلما ضمنا صلب ورحم أظهر منا قدرة وعلم، وهلم جرّا إلى آخر الجدّ الأول، والأب الأفضل، سيد المرسلين، وإمام النبيين، أحمد ومحمد صلوات الله عليه وعلى آله فى كل ناد ومشهد، فحسن آلاؤه، وبان غناؤه، وأباد المشركين، وقصم الظالمين، وأظهر الحق، واستعمل الصدق، وظهر بالأحديّة، ودان بالصمدية؛ فعندها سقطت الأصنام، وانعقد الإسلام، وانتشر الإيمان، وبطل السحر والقربان، وهربت الأوثان، وأتى بالقرآن، شاهدا بالحق والبرهان، فيه خبر ما كان وما يكون إلى يوم الوقت المعلوم، منبئا عن كتب تقدمت، فى صحف قد تنزلت، تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة ونورا وسراجا منيرا.
وكل ذلك دلالات لنا، ومقدمات بين أيدينا، وأسباب لإظهار أمرنا، هدايات وآيات وشهادات، وسعادات قدسيات، إلهيات أزليات، كائنات منشآت، مبدئات معيدات،
فما من ناطق نطق، ولا نبى بعث، ولا وصىّ ظهر، إلا وقد أشار إلينا، ولوّح بنا، ودلّ علينا فى كتابه وخطابه، ومنار أعلامه، ومرموز كلامه، فيما هو موجود غير معدوم، وظاهر وباطن، يعلمه من سمع الندا، وشاهد ورأى، من الملأ الأعلى؛ فمن أغفل منكم أو نسى، أو ضلّ أو غوى، فلينظر فى الكتب الأولى، والصحف المنزلة، وليتأمل آى (^٣) القرآن، وما فيه من البيان، وليسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم، فقد أمر الله ﷿ بالسؤال، فقال:
«فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (^٤).
_________________
(١) أضيف ما بين الحاصرتين عن (ج)، وبه يستقيم المعنى.
(٢) هذا اللفظ غير موجود فى (ج).
(٣) (ج): «الى»
(٤) الآية ٤٣، السورة ١٦ (النحل)
[ ١ / ١٩١ ]
وقال ﷾: «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^١)».
ألا تسمعون قول الله حيث يقول: «وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٢)» وقوله تقدست أسماؤه: «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (^٣).
وقوله له العزة: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ» (^٤).
ومثل ذلك فى كتاب الله تعالى جده كثير، ولولا الإطالة لأتينا على كثير منه
ومما دل به علينا، وأنبأ به عنا،، قوله ﷿:
«كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (^٥).
وقوله فى تفضيل الجد الفاضل والأب الكامل محمد - صلى الله عليه، وعليه السلام - إعلاما بجليل قدرنا، وعلو أمرنا:
«وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» (^٦).
هذا مع ما أشار ولوّح، وأبان وأوضح، فى السرّ والإعلان، من كل مثل مضروب، وآية وخبر وإشارة ودلالة، حيث يقول:
«وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ» (^٧).
_________________
(١) الآية ١٢٢، السورة ٩ (التوبة)
(٢) الآية ٢٨، السورة ٤٣ (الزخرف).
(٣) الآية ٣٤، السورة ٣ (آل عمران).
(٤) الآية ١٣، السورة ٤٢ (الشورى).
(٥) الآية ٣٥، السورة ٢٤ (النور).
(٦) الآية ٨٧، السورة ١٥ (الحجر).
(٧) الآية ٤٣، السورة ٢٩ (العنكبوت).
[ ١ / ١٩٢ ]
وقال ﷾:
«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (^١)».
وقوله جل وعز:
«سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (^٢)».
فإن اعتبر معتبر، وقام وتدبر ما فى الأرض وما فى الأقطار والآثار، وما فى النفس من الصور المختلفات، والأعضاء المؤتلفات، والآيات والعلامات، والاتفاقات والاختراعات، والأجناس والأنواع، وما فى كون الإبداع من الصور البشرية، والآثار العلوية، وما يشهد به حروف المعجم، والحساب المقوّم، وما جمعته الفرائض والسنن، وما جمعته السنون من فصل وشهر ويوم، وتصنيف القرآن من تحزيبه وأسباعه، ومعانيه وأرباعه، وموضع الشرائع المتقدمة، والسنن المحكمة، وما جمعته كلمة الإخلاص فى تقاطيعها وحروفها وفصولها، وما فى الأرض من إقليم وجزيرة، وبرّ وبحر، وسهل وجبل، وطول وعرض، وفوق وتحت، إلى ما اتفق عليه فى جميع الحروف من أسماء المدبرات السبعة النطقا، والأوصياء والخلفاء، وما صدرت به الشرائع من فرض وسنة وحدوثة (^٣)، وما فى الحساب من أحاد وأفراد، وأزواج وأعداد، تثاليثه وترابيعه واثنى عشريته وتسابيعه، وأبواب العشرات والمئين والألوف، وكيف تجتمع وتشتمل على ما اجتمع عليه ما تقدم من شاهد عدل وقول صدق، وحكمة حكيم وترتيب عليم.
فلا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والأمثال العلى.
«وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها» (^٤).
«وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» (^٥).
_________________
(١) الآية ١٩٠، السورة ٣ (آل عمران).
(٢) الآية ٥٣، السورة ٤١ (فصلت).
(٣) (ج): «وحدوسة».
(٤) الآية ٣٤، السورة ١٤ (ابراهيم).
(٥) الآية ٧٦، السورة ١٢ (يوسف).
[ ١ / ١٩٣ ]
«وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ﴾ ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ» (^١).
وليعلم من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أنا كلمات الله الأزليات، وأسماؤه التامات، وأنواره الشعشعانيات، وأعلامه النّيّرات، ومصابيحه البينات، وبدائعه المنشآت، وآياته الباهرات، وأقداره النافذات، لا يخرج منا أمر، ولا يخلو منا عصر.
وإنا لكما قال الله ﷾: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (^٢).
فاستشعروا النظر فقد نقر فى الناقور، وفار التنور، وأتى النذير بين يدى عذاب شديد، فمن شاء فلينظر، ومن شاء فليتدبر، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
وكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت مذكور، فلا نرفع قدما ولا نضع قدما إلا بعلم موضوع، وحكم مجموع، وأجل معلوم، وأمر قد سبق، وقضاء قد تحقق.
فلما دخلنا وقد قدّر المرجفون من أهلها أن الرجفة تنالهم، والصعقة تحلّ بهم، تبادروا وتعادوا شاردين، وجلوا عن الأهل والحريم والأولاد والرسوم، وإنا لنار الله الموقدة، التى تطّلع على الأفئدة، فلم أكشف لهم خبرا، ولا قصصت لهم أثرا، ولكنى أمرت بالنداء، وأذنت بالأمان، لكل باد وحاضر، ومنافق ومشاقق، وعاص ومارق، ومعاند ومسابق، ومن أظهر صفحته وأبدى لى سوءته، فاجتمع الموافق والمخالف، والبائن والمنافق، فقابلت الولىّ بالإحسان، والمسئ بالغفران، حتى رجع النادّ والشارد، وتساوى الفريقان، واتفق الجمعان، وانبسط القطوب، وزال الشحوب، جريا على العادة بالإحسان، والصفح والامتنان، والرأفة والغفران، فتكاثرت الخيرات، وانتشرت البركات.
_________________
(١) الآية ٢٧، السورة ٣١ (لقمان).
(٢) الآية ٧، السورة ٥٨ (المجادلة).
[ ١ / ١٩٤ ]
كلّ ذلك بقدرة ربانية، وأمرة برهانية، فأقمت الحدود، بالبينة والشهود، فى العرب والعبيد، والخاص والعام، والبادى والحاضر، بأحكام الله ﷿ وآدابه، وحقه وصوابه، فالولى آمن جذل، والعدو خائف وجل.
فأما أنت الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدى آبائه وأجداده، المنسلخ عن دين أسلافه وأنداده، والموقد لنار الفتنة، والخارج عن الجماعة والسنة، فلم أغفل أمرك، ولا خفى عنى خبرك، ولا استتر دونى أثرك، وإنك منى لبمنظر ومسمع، كما قال الله جلّ وعزّ:
«إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ (^١)»، «ما كانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (^٢)».
فعرفنا على أى رأى أصلت، وأى طريق سلكت: أما كان لك بجدك أبى سعيد أسوة، وبعمل أبى طاهر قدوة؟
أما نظرت فى كتبهم وأخبارهم ولا قرأت وصاياهم وأشعارهم؟
أكنت غائبا عن ديارهم وما كان من آثارهم؟
ألم تعلم أنهم كانوا عبادا لنا أولى بأس شديد، وعزم سديد، وأمر رشيد وفعل حميد، يفيض إليهم موادنا، وينشر عليهم بركاتنا، حتى ظهروا على الأعمال، ودان لهم كلّ أمير ووال، ولقبوا بالسادة فسادوا، منحة منا واسما من أسمائنا، فعلت أسماؤهم، واستعلت هممهم، واشتد عزمهم، فسارت إليهم وفود الآفاق، وامتدت نحوهم الأحداق، وخضعت لهيبتهم الأعناق، وخيف منهم الفساد والعناد، وأن يكونوا لبنى العباس أضداد، فعبئت الجيوش، وسار إليهم كل خميس بالرجال المنتجبة، والعدد المهذبة، والعساكر الموكبة، فلم يلقهم جيش إلا كسروه (^٣)، ولا رئيس إلا أسروه، ولا عسكر إلا كسروه، وألحاظنا ترمقهم، ونصرنا يلحقهم، كما قال الله جلّ وعزّ:
«إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (^٤)»، «وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (^٥)»، وإن حزبنا لهم المنصورون.
_________________
(١) الآية ٤٦، السورة ٢٠ (طه).
(٢) الآية ٢٨، السورة ١٩ (مريم).
(٣) فى النسختين: «كروه».
(٤) الآية ٥١، السورة ٤٠ (غافر)
(٥) الآية ١٧٣، السورة ٣٧، (الصافات)
[ ١ / ١٩٥ ]
فلم يزل ذلك دأبهم، وعين الله ترمقهم، إلى أن اختار لهم ما اختاره (^١) من نقلهم من دار الفناء، إلى دار البقاء، ومن نعيم يزول إلى نعيم لا يزول، فعاشوا محمودين، وانتقلوا مفقودين، إلى روح وريحان وجنّات النعيم، فطوبى لهم وحسن مآب.
ومع هذا فما من جزيرة فى الأرض ولا إقليم إلا ولنا فيه حجج ودعاة يدعون إلينا، ويدلون علينا، ويأخذون بيعتنا، ويذكرون رجعتنا، وينشرون علمنا، وينذرون بأسنا، ويبشرون بأيامنا، بتصاريف اللغات واختلاف الألسن، وفى كل جزيرة وإقليم رجال منهم يفقهون، وعنهم يأخذون، وهو قول الله ﷿.
«وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (^٢)».
وأنت عارف بذلك.
فيا أيها الناكث الحانث ما الذى أرداك وصدّك؟
أشيء شككت فيه؛ أم أمر استربت به، أم كنت خليا من الحكمة، وخارجا عن الكلمة، فأزالك وصدّك، وعن السبيل ردّك؟ إن هى إلا فتنة لكم ومتاع إلى حين.
وأيّم لله لقد كان الأعلى لجدك، والأرفع لقدرك، والأفضل لمجدك، والأوسع لوفدك، والأنضر لعودك، والأحسن لعذرك، الكشف عن أحوال سلفك وإن خفيت عليك، والقفو لآثارهم وإن عميت لديك، لتجرى على سننهم، وتدخل فى زمرهم، وتسلك فى مذهبهم، أخذا بأمورهم فى وقتهم، وزيهم (^٣) فى عصرهم، فتكون خلفا قفا سلفا بجد وعزم مؤتلف، وأمر غير مختلف.
لكن غلب الران على قلبك، والصدى على لبك، فأزالك عن الهدى، وأزاغك عن البصيرة والضيا، وأمالك عن مناهج الأولياء، وكنت من بعدهم كما قال الله ﷿:
«فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» (^٤).
_________________
(١) ج: «اختاره لهم ما اختاروه».
(٢) الآية ٤، السورة ١٤ (ابراهيم).
(٣) (ج) «وزمرهم».
(٤) الآية ٥٩، السورة ١٩ (مريم).
[ ١ / ١٩٦ ]
ثم لم تقنع فى انتكاسك، وترديتك فى ارتكاسك، وارتباكك وانعكاسك، من خلافك الآباء ومشيك القهقرى، والنكوص على الأعقاب، والتسمى بالألقاب، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، وعصيانك مولاك، وجحدك ولاك، حتى انقلبت على الأدبار، وتحملت عظيم الأوزار، لتقيم (^١) دعوة قد درست، ودولة قد طمست، إنك لمن الغاوين، وإنك لفى ضلال مبين.
أم تريد أن ترد القرون السالفة، والأشخاص الغابرة؟
أما قرأت كتاب السفر، وما فيه من نص وخبر؟
فأين يذهبون إن هى إلا حياتكم الدنيا، تموتون وتظنون أنكم لستم بمبعوثين، «قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ» (^٢).
أما علمت أن المطيع آخر ولد العباس، وآخر المترايس فى الناس؟
أما تراهم «كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» (^٣)؟
ختم والله الحساب، وطوى الكتاب، وعاد الأمر إلى أهله، والزمان إلى أوله، وأزفت الآزفة، ووقعت الواقعة، وقرعت القارعة، وطلعت الشمس من مغربها، والآية من وطنها، وجئ بالملائكة والنبيين وخسر هنالك المبطلون، هنالك الولاية لله الحق والملك لله الواحد القهار، فله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر الله من يشاء، «يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ» (^٤).
فقد ضلّ عملك، وخاب سعيك، وطلع نحسك، وغاب سعدك (^٥)، حين آثرت الحياة
_________________
(١) أمام هذا اللفظ بالهامش فى النسختين: «يعنى أنه يريد اقامة دولة بنى العباس بكونه أخذ منهم السلاح والمال من أبى تغلب بن حمدان، وقدم يقاتل المعز نصرة لهم».
(٢) الآية ٧، السورة ٦٤ (التغابن).
(٣) الآيتان ٧ و٨، السورة ٦٩ (الحاقة)
(٤) الآية ٢، السورة ٢٢ (الحج).
(٥) ج: «سعيك».
[ ١ / ١٩٧ ]
الدنيا على الآخرة، ومال بك الهوى، فأزالك عن الهدى، فإن تكفر أنت ومن فى الأرض جميعا فإن الله هو الغنى الحميد.
ثم لم يكفك ذلك - مع بلائك وطول شقائك - حتى جمعت أرجاسك وأنجاسك، وحشدت أوباشك وأقلاسك، وسرت قاصدا إلى دمشق وبها جعفر بن فلاح فى فئة قليلة من كتامة وزويلة، فقتلته وقتلتهم، - جرأة على الله وردّا لأمره -، واستبحت أموالهم، وسبيت نساءهم، وليس بينك وبينهم ترة ولا ثأر، ولا حقد ولا أضرار، فعل بنى الأصفر والترك والخزر؛ ثم سرت أمامك ولم ترجع، وأقمت على كفرك ولم تقلع، حتى أتيت الرملة وفيها سعادة بن حيان فى زمرة قليلة وفرقة يسيرة، فاعتزل عنك إلى يافا، مستكفيا شرك، وتاركا حربك، فلم تزل ماكثا على نكثك باكرا وصابحا، وغاديا ورائحا، تقعد لهم بكل مقعد، وتأخذ عليهم بكل مرصد، وتقعدهم بكل مقصد، كأنهم ترك وروم وخزر، لا ينهك عن سفك الدماء دين، ولا يردعك عهد ولا يقين، قد استوعب من الردى حيزومك، وانقسم على الشقاء خرطومك.
أما كان لك مذكر، وفى بعض أفعالك مزدجر؛ أو ما كان لك فى كتاب الله ﷿ معتبر حيث يقول:
«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا» (^١)؟
فحسبك بها فعلة تلقاك يوم ورودك وحشرك حين لا مناص، ولا لك من الله خلاص، ولم تستقبلها، وكيف تستقبلها وأنى لك مقيلها؟
هيهات، هيهات، هلك الضالون، وخسر هنالك المبطلون، وقلّ النصير، وزال العشير؛ ومن بعد ذلك تماديك فى غيّك، ومقامك فى بغيك، عداوة لله ولأوليائه، وكفرا لهم وطغيانا، وعمى وبهتانا.
أتراك تحسب أنك مخلّد أم لأمر الله راد؟
_________________
(١) الآية ٩٣، السورة ٤ (النساء).
[ ١ / ١٩٨ ]
أم «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ[يَأْبَى] اللهُ [إِلاّ أَنْ] يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (^١).
هيهات لا خلود لمذكور، ولا مردّ لمقدور، ولا طافئ لنور، ولا مقر لمولود، ولا قرار لموعود، لقد خاب منك الأمل، وحان لك الأجل، فإن شئت فاستعد للتوبة بابا، وللنقلة جلبابا، فقد بلغ الكتاب أجله، والوالى أمله، وقد رفع الله قبضته عن أفواه حكمته، ونطق من كان بالأمس صامتا، ونهض من كان هناك خائفا، ونحن أشباح فوق الأمر والنفس، دون العقل وأرواح فى القدس، نسبة ذاتية، وآيات لدنية، نسمع ونرى، «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا» (^٢)، «وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» (^٣).
ونحن معرضون ثلاث خصال - والرابعة أردى لك، وأشقى لبالك، وما أحسبك تحصل إلا عليها - فاختر:
إما قدت نفسك لجعفر بن فلاح، وأتباعك بأنفس المستشهدين معه بدمشق والرملة من رجاله ورجال سعادة بن حيّان، ورد جميع ما كان لهم من رجال وكراع ومتاع إلى آخر حبة من عقال ناقة وخطام بعير - وهى أسهل ما يرد عليك -.
وإما أن تردهم أحياء فى صورهم وأعيانهم وأموالهم وأحوالهم - ولا سبيل لك إلى ذلك ولا اقتدار -.
وإما سرت ومن معك بغير زمام ولا أمان فأحكم فيك وفيهم بما حكمت، وأجريك على إحدى ثلاث: إما قصاص، وإما منا بعد؟ وإما فدى، فعسى أن يكون تمحيصا لذنوبك، وإقالة لعثرتك.
_________________
(١) الآية ٣٢، السورة ٩ (التوبة)
(٢) الآية ٥٢، السورة ٤٢ (الشورى)
(٣) الآية ١٩٨، السورة ٧ (الأعراف).
[ ١ / ١٩٩ ]
وإن أبيت إلا فعل اللعين: «فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (^١)».
أخرج منها فما يكون لك أن تتكبر (^٢) فيها، وقيل اخسئوا فيها ولا تكلمون، فما أنت إلا كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فلا سماء تظلك ولا أرض تقلك، ولا ليل يجنك، ولا نهار يكنك، ولا [علم يسترك] (^٣)، ولا فئة تنصرك؛ قد تقطعت بكم الأسباب، وأعجزكم الذهاب، فأنتم كما قال الله ﷿: «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ (^٤)».
فلا ملجأ لكم من الله يومئذ ولا منجى منه؛ وجنود الله فى طلبك قافية، لا تزال ذو أحقاد، وثوار أهجاد، ورجال أنجاد، فلا تجد فى السماء مصعدا، ولا فى الأرض مقعدا، ولا فى البر ولا فى البحر منهجا، ولا فى الجبال مسلكا، ولا إلى الهواء سلما، ولا إلى مخلوق ملتجا.
حينئذ يفارقك أصحابك، ويتخلى عنك أحبابك، ويخذلك أترابك، فتبقى وحيدا فريدا، وخائفا طريدا، وهائما شريدا، قد ألجمك العرق، وكظك القلق، وأسلمتك ذنوبك، وازدراك خزيك، «كَلاّ لا وَزَرَ، * إِلى رَبِّكَ (^٥) يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (^٦)»، «هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ» (^٧)، «و-ُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ» (^٨).
واعلم أنا لسنا بممهليك ولا مهمليك إلا ريثما يرد كتابك، ونقف على فحوى
_________________
(١) الآيتان ٣٤ و٣٥، السورة ١٥ (الحجر).
(٢) ج: «تنكب».
(٣) أضيف ما بين الحاصرتين عن (ج)
(٤) الآية ١٤٣، السورة ٤ (النساء)
(٥) بهذا اللفظ تنتهى نسخة (ج)، وكل ما أتى بعد ذلك تنفرد به نسخة الأصل وهى نسخة وحيدة لا ثانى لها فى العالم - فيما نعلم حتى الآن.
(٦) الآيتان ١٠ و١١، السورة ٧٥ (القيامة).
(٧) الآيتان ٣٤ و٣٥، السورة ٧٧ (المرسلات).
(٨) الآيتان ٤٠ - ٤٢،، السورة ٨٠ (عبس).
[ ١ / ٢٠٠ ]
خطابك، فانظر لنفسك يا شقى ليومك ومعادك قبل انغلاق باب التوبة، وحلول وقت النوبة، حينئذ لا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا.
وإن كنت على ثقة من أمرك، ومهل فى أمر عصرك وعمرك، فاستقر بمركزك، وأربع على ضلعك، فلينالنّك ما نال من كان قبلك من عاد وثمود، «وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ، كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ» (^١)، فلنأتينكم بجنود لا قبل لكم بها ولنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون بأولى بأس شديد، وعزم سديد، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، بقلوب نقية، وأرواح تقية، ونفوس أبية، يقدمهم النصر، ويشملهم الظفر، تمدهم ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
فما أنت وقومك إلا كمناخ نعم، أو كمراح غنم؛ فإما نرينك الذى وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون، وأنت فى القفص مصفودا، ونتوفينك فإلينا مرجعهم فعندها تخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، «فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظّى، * لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (^٢)»، «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ»﴾.
فليتدبر من كان ذا تدبر، وليتفكر من كان ذا تفكر، وليحذر يوم القيامة من الحسرة والندامة، «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (^٣)»، ويا حسرتنا على ما فرطنا، ويا ليتنا نردّ فنعمل غير الذى كنا نعمل، هيهات غلبت عليكم شقاوتكم وكنتم قوما بورا.
والسلام على من اتبع الهدى، وسلم سن عواقب الردى، وانتمى إلى الملأ الأعلى، وحسبنا الله وكفى، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا النبى [الأمى] والطيبين من عترته، وسلم تسليما.
فأجاب [الحسن بن الأعصم] بما نصه:
«من الحسن بن أحمد القرمطى الأعصم:
_________________
(١) الآية ١٤، السورة ٥٠ (ق).
(٢) الآيات ١٤ - ١٦، السورة ٩٢ (الليل)
(٣) الآية ٥٦، السورة ٣٩ (الزمر).
[ ١ / ٢٠١ ]
﷽
وصل إلينا كتابك الذى كثر تفصيله، وقلّ تحصيله، ونحن سائرون على إثره، والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل» (^١).
وسار الحسن بن أحمد القرمطى بعد ذلك إلى مصر، فنزل بعسكره بلبيس، وبعث إلى الصعيد بعبد الله بن عبيد الله أخى الشريف مسلم، وانبثت سراياه فى أرض مصر، فتأهب المعزّ وعرض عساكره فى ثالث رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وأمر بتفرقة السلاح على الرجال، ووسّع عليهم فى الأرزاق، وسيّر معهم الأشراف والعرب.
وسيّر معهم المعزّ ابنه الأمير عبد الله، فسار بمظلته وبين يديه الرجال والسلاح والكراع والبنود وصناديق الأموال والخلع، وسيّر معه أولاده وجميع أهله وجمعا من جند المصريين خلا الشريف مسلم، فإنه أعفاه من ذلك.
وانبسطت سرية القرمطى فى نواحى أسفل الأرض (^٢)، فأنفذ المعز عبده ريّان الصقلبى فى أربعة آلاف، فأزال القرامطة عن المحلة ونواحيها وقتل وأسر.
ولثمان خلون منه قدمت سرية القرامطة إلى الخندق، فبرز إليهم المغاربة فهزموهم، ثم كرّوا على المغاربة فقتلوا منهم جماعة وأسروا؛ وفر إليهم علىّ بن محمد الخازن فالتحق بالقرامطة.
وورد الخبر بأن عبد الله بن عبيد الله أخا مسلم أوغل فى الصعيد، وقتل، واستخرج الأموال، وأسرف فى قتل المغاربة وأسرهم، ثم كر راجعا إلى خميم.
ولست عشرة خلت منه جمع المعزّ أولاد الإخشيدية وغيرهم من الجند واعتقلهم.
وفى سلخه طيف بتسعة من القرامطة على الإبل بالبرانس ومعهم ثلاث رءوس؟
_________________
(١) انظر كذلك نص هذا الرد فى: (على بن ظافر الأزدى: الدول المنقطعة، مخطوطة دار الكتب المصرية، ص ٤٩ ا).
(٢) أى الوجه البحرى.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وفيه سار عسكر المعز مع ابنه عبد الله فنزل جبّ عميرة، ونزلت عسكر القرمطى نصفين:
نصف مع النعمان أخى الحسن بن أحمد الأعصم مواجهة لعبد الله بن المعز، ونصف مع الحسن بسطح الجب.
فبعث عبد الله العساكر، فأحاطت بالحسن بن أحمد، وعسكر وزحف إلى النعمان فقاتله فانهزم، وقتل من أصحابه، وواقع الآخرون الحسن حتى كاد أن يؤخذ، فإنهم أحاطوا به، وصار فى وسطهم؛ فاغتنم فرجة مضى منها على وجهه؛ ونهب سواده وأخذت قبته (^١)، وأسر رجاله، وأخذ من عسكره وعسكر أخيه خلق كثير، وأخذ جماعة ممن كان مع المصريين.
ووصل الكتاب مع الطائر إلى عبد الله بن عبيد الله أخى مسلم بهزيمة القرامطة - وهو بالصعيد -، فعدّى إلى الجانب الشرقى لينقلب إلى الشام، فبلغه مسير عساكر المعز فعاد إلى الجانب الغربى.
_________________
(١) ورد فى ورقة منفصلة بين الصفحتين شرح للقبة هذا نصه: «فى ورقة ملصوقة بهذا المحل بخطة ما مقاله»: كان من محاريق القرامطة القبة، وهى ان أبا طاهر بن أبى سعيد الجنابى كانت عادته فى الحرب أن يفرد طائفة من عسكره - فرسانا ورجالة - عن القتال، يقفون معه ولا يقاتل .. ولا يقاتلون، فاذا كل المقاتلة عن القتال حمل هو بنفسه فى الطائفة المستريحة التى لم تحضر القتال، فقاتل وقد كلوا منهزمين عنه، فلما مات ضعفت هيبة القرامطة بعده عن .. رجالهم، وترتيب وقوفهم - كما ذكرنا -، فرجعوا الى المحرقة، وأقاموا قبة كالعمارية على جمل وقالوا: «ان النصر ينزل من هذه القبة فى وقت معلوم»، وأخذوا من حب الكحل ومن اللؤلؤ الكبار وجعلوه فى صرة مع فحمة ومدخنة بداخل القبة، واذا أرادوا الحمل على عسكر من يحاربوه صعد رجل منهم الى القبة، وقدح النار فى المجمرة، وأخبر حب الكحل، وأرى القواد والناس بياضه (كذا) من بعيد وهم لا يعرفونه، ثم يطرحه على النور، فيفرقع فرقعة شديدة، ويبعد من غير دخان، فيظن القوم ذلك شيئا، ويحملون على أعدائهم ومعهم القبة، ولا .. منها شيء، ولا يوقد ذلك الا عند ما يقول صاحب العسكر: «قد نزل النصر» وذلك أنه يقف مع القبة قطعة من الجيش مستريحة لا تقاتل، وهو مستخف معهم، وأكثر القوم يقاتلون وهم بالقبة من وراء المقاتلة، فمن انهزم من مقاتلتهم وحل دمه وقتل فاذا أحس بأنهم قد كلوا أمر بعمل ما قلنا فى القبة، وحمل بها فى الطائفة المستريحة فهزم من عساه يكون، وما زالت محرقتهم هذه يموهون بها الى أن كسرت هذه القبة فى الرملة، ثم أخذها عبد الله بن المعز خارج القاهرة، فقلت عند ذلك مهابة القرامطة بما ذهب من قيمتهم، وبهذا قدروا على قتل جعفر بن فلاح، وانهم كانوا لا يسيرون بالقبة الا كمن يسير الى أمر ممهد، فيقولون: نزل النصر، وتشد قلوبهم وتقوى، فلما سارت القبة من غير معارضة حتى يكون الظفر لهم».
[ ١ / ٢٠٣ ]
وورد كتاب الطائر إلى المعز من الأمير عبد الله ابنه بأنّ عبد الله أخا مسلم قد أخذ، فأرسل المعز إلى أخيه أبى جعفر مسلم يخبره، فخلع على البشير.
وكانت فى البرية سرية للمعز قد أخذوا الطريق على عبد الله أخى مسلم، فوقع فى أيديهم فى الليل رجل بدوى، فقال: «أنا عبد الله أخو مسلم» فجاء إلى الأمير عبد الله، فكتب إلى الطائر يأخذ عبد الله، فلما جئ بالبدوى من الغد إلى الأمير عبد الله وهو فى معسكره - وكان فى مجلسه عبد الله بن الشويخ - فقال للأمير عبد الله:
«ما هذا عمى عبد الله».
فبطل القول.
وكان خبر هذا البدوى أنه كان معه عبد الله أخى مسلم بالصعيد، وعبر معه يريد الشام، فأراد أن يسقى دوابه، فقال له البدوى:
«ما نأمن أن يكون على الماء طلب، فدعنى أتقدمك، فإن لم أجد أحدا جئتك، وإن أبطأت عليك فاعلم أنى أخذت».
فلما وافى البدوى البئر أخذ فقال لهم: «أنا عبد الله أخو مسلم» ليشغلهم عن طلبه، فلما أبطأ البدوى على عبد الله علم أن الطلب قد أخذوه، فكرّ راجعا وعاد إلى الجانب الغربى، وركب البحر إلى عينونا، ومضى إلى الحجاز.
وكان هاروق على عسكر للمعز، فرأى أصحابه عبد الله، فأفلت منهم على فرس دهماء عربية بعد ما حط قبته وقطعها بسيفه، فظفر هاروق بنوقه، ووصل عبد الله إلى المدينة النبوية، وجلس يتحدث فى المسجد، فقبل له:
«إن الكتب قد سبقتك، وبذلك فيك مال عظيم».
فنهض لوقته، وتوجه إلى الأحساء، فاستنهض القرامطة، فلم يكن فيهم نهضة، فوبخهم لما رأى من عجزهم، وقال:
«أرونى ما عندكم من القوة التى تقاومون بها صاحب مصر».
فأوقفوه على ما عندهم من المال والسلاح والكراع، فاستقلّه وقال:
[ ١ / ٢٠٤ ]
«بهذا تقاومون صاحب مصر والشامات والمغرب؟».
وانصرف عنهم إلى العراق، فأتبعوه برجل يقال إنه من بنى سنبر، فسمّه فى لبن بموضع يقال له النصيرية - على ميلين من البصرة - فقام مائتى مجلس فى ليلة ومات بموضعه، فغسّل وكفن وأدخل البصرة، فصلى عليه ودفن بها إلى أن جاء حسن بن طاهر بن أحمد فحمله إلى المدينة.
وورد الخبر بذلك إلى المعز، فأخبر الناس بموته وموت المطيع، فإنّ ابنه سمّه أيضا، كما سمت القرامطة عبد الله أخا مسلم.
وأما أخبار القرامطة ففى كتب المؤرخين من المشارقة المتعصبين على الدولة الفاطمية أن سبب انهزام الحسن بن أحمد القرمطى من عساكر المعز أن العرب لما أنكت بمسير سراياها بأرض مصر رأى المعز أن يفل عساكر القرامطة وجموعهم بمخادعة حسّان (^١) بن الجراح الطائى - أمير العرب ببلاد الشام -، وكان قدم مع القرمطى فى جمع عظيم قوى به عسكر القرمطى؛ فبعث المعز إلى ابن الجراح وبذل له مائة ألف دينار على أن يفل عسكر القرمطى، فأجاب إلى ذلك، وأن المعز استكثر المال، فعمل دنانير من نحاس وطلاها بالذهب، وجعلها فى أكياس، ووضع على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب ليغطى ما تحتها، وشدت الأكياس وحملت إلى ثقة من ثقات ابن الجراح بعد ما كانوا استوثقوا منه وعاهدوه أنه لا يغدر بهم، فلما وصل إليه المال تقدّم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا تواقف العسكران وقامت الحرب، فلما اشتد القتال ولى ابن الحراج؟؟؟ منهزما واتبعه أصحابه - وكان فى جمع كبير -
فلما رآه القرمطى - وقد انهزم تحيّر، فكان جهده أن قاتل بمن معه حتى تخلص،
_________________
(١) ورد فى الهامش بالأصل تعريف بهذا الرجل، نصه: «حسان بن على بن مفرج بن دغفل بن حرام بن شبيب بن مسعود بن سعيد بن … بن … بن … بن علقى بن حوط بن عمرو بن خالد بن معدان بن … أفلت بن سلسلة بن عمرو بن سلسلة بن غانم بن ثور بن معن بن … بن عنين بن سلامان بن … بن عمرو بن الغوث بن طى.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وكانوا قد أحاطوا به من كل جانب، فخشى على نفسه وانهزم، واتبعوه ودخلوا عسكره، فظفروا منه بنحو من (ص ٣٥ ا) ألف وخمسمائة رجل، فأخذوهم أسرى، وانتهبوا العسكر.
ولما كان لخمس بقين من شعبان أنفذ المعز أبا محمود إبراهيم بن جعفر إلى الشام خلف القرمطى فى عسكر يقال مبلغه عشرون ألفا، فظفر فى طريقه بجماعة من أصحاب القرمطى، فبعث بهم إلى مصر.
وسار الحسن بن أحمد القرمطى فنزل أذرعات، وأنفذ أبا الهيجا فى طائفة إلى دمشق.
وبعث المعز إلى ظالم بن موهوب العقيلى (^١) لما بلغه ما وقع بينه وبين القرمطى، فاستماله ليكون عونا على القرمطى، فسار يريد بعلبك، فوافاه الخبر بهزيمة القرمطى ونزول أبى الهيجا دمشق، فسار القرمطى ودخل البرية يريد بلده وفى نيته العود.
وكان للحسن بن أحمد القرمطى هذا شعر، فمنه فى أصحاب المعز لدين الله:
زعمت رجال الغرب أنّى هبتها … فدمى إذا ما بينهم مطلول
يا مصر إن لم أسق أرضك من دم … يروى ثراك، فلا سقاك النيل
ولما كان فى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحاق وجعفر الهجريان من القرامطة فملكا الكوفة، وخطبا لشرف الدولة، فانزعج الناس لذلك لما فى النفوس من هيبتهم وبأسهم، وكان من الهيبة ما أنّ عضد الدولة بن بويه وبختيار أقطعاهم الكثير، وكان لهم ببغداد نائب يعرف بأبى بكر بن ساهويه يتحكّم تحكم الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة بن عضد الدولة، فلما ورد القرامطة الكوفة كتب إليهما صمصام الدولة يتلطفهما ويسألهما عن سبب حركتهما،
_________________
(١) توجد بهامش الأصل أمام هذا اللفظ اضافة نصها: «بخطه: فبعث عضد الدولة فناخسرو الديلمى من العراق عسكرا الى الأحساء، وبها يومئذ أبو يعقوب بن أبى سعيد الجنابى، عم الحسن بن أحمد الأعصم، ففر أبو يعقوب، وأخذ العسكر ما كان فى الأحساء، فقدم الاعصم منهزما من الشام فيمن بقى معه، فانضم اليه عمه، وسار وأوقع بالعسكر، واستباحه قتلا ونهبا، فقويت نفسه، وكاتب العرب فأتوه، وبعث رسولا الى المعز يطلب الموادعة».
[ ١ / ٢٠٦ ]
فذكرا أنّ قبض نائبهم هو السبب فى قصدهم البلاد، وبثّا أصحابهما فجبوا المال، فأرسل صمصام الدولة العساكر ومعهم العرب، فعبروا الفرات إليه وقاتلوه وأسروا، فانجلت الوقائع بينهم وبين العساكر عن هزيمة القرامطة، وقتل مقدمتهم فى جماعة، وأسر عدة، ونهب سوادهم، فرحل من بقى منهم من الكوفة، وتبعهم العساكر إلى القادسية فلم يدركوهم، وزال من حينئذ بأسهم.
وفى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة جمع شخص يعرف بالأصفر من بنى المتفق جمعا كثيرا [وكان] بينه وبين جمع من القرامطة وقعة شديدة قتل فيها مقدم القرامطة، وانهزم أصحابه وقد قتل منهم وأسر كثير، فسار الأصفر إلى الأحساء وقد تحصّن منه القرامطة بها، فعدّى إلى القطيف وأخذ ما كان فيها من مال وعبيد ومواشى، وسار بها إلى البصرة (^١).
_________________
(١) يوجد بهامش الأصل أمام هذا اللفظ: «بياض نحو نصف صفحة» مما يدل على أن المؤلف كان يريد أن يضيف هنا معلومات أخرى تملأ نصف صفحة.
[ ١ / ٢٠٧ ]