ولد بالمهدية فى أول ليلة من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل ولد بالقيروان (^١) فى سنة اثنتين وثلاثمائة، وقيل بل فى سنة إحدى وثلاثمائة.
وبويع له فى شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
وتوفى يوم الأحد الثالث وعشرين من شوال، وقيل يوم الجمعة مع الظهر سلخ شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وسترت وفاته إلى يوم الأحد سابع ذى الحجة منها.
وكان له من العمر إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر.
وكانت ولايته الخلافة - بعد أبيه - ثمانى سنين، وقيل: سبع سنين وعشرة أيام، وقيل: كان عمره تسعا وثلاثين سنة.
وكان فصيحا بليغا خطيبا حاد الذهن، حاضر الجواب، بعيد الغور، جيد الحدس، يخترع الخطبة لوقته؛ وأحواله التى تقدم ذكرها مع أبى يزيد وغيره تدل على شجاعته وعقله.
قال أبو جعفر أحمد بن محمد المروروذى (^٢):
«كنت مع المنصور فى اليوم الذى أظهره الله بمخلد بن كيداد أبى يزيد، وهزمه، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقبلت يده، ودعوت له بالنصر والظفر، فأمرنى بالركوب - وقد جمع عليه سلاحه وآلة حربه، وتقلد سيف جده ذا الفقار، وأخذ بيده رمحين - فحدثته ساعة، فجال به الفرس، وردّ أحدهما إلى يده اليسرى، فسقط إحدى الرمحين من يده إلى الأرض،
_________________
(١) الأصل: «بالعراق» وهو خطأ واضح، والتصحيح عن (ج).
(٢) المرورذى نسبة الى مروالروذ، وهى - كما ذكر ياقوت - مدينة قريبة من مرو الشاهجان، بينهما خمسة أيام، وينسب اليها أيضا بمروذى.
[ ١ / ٨٨ ]
فتفاءلت له بالظفر، ونزلت مسرعا، فرفعت الرمح من الأرض، ومسحته بكمى، فرفعته إليه، وقبلت يده، وقلت:
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر
فأخذ المنصور الرمح من يدى وقال:
«هلاّ قلت ما هو خير من هذا وأصدق؟».
قال، قلت: «وما هو؟».
قال: قال الله ﷿: «وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ؛ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، * فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ (^١)».
قال: فقلت: «يا مولانا: أنت ابن رسول الله ﷺ، وإمام الأمة، عليكم نزل القرآن، ومن بيتكم درجت الحكم، فقلت أنت بما عندك من نور النبوة، وقال عبدك بما بلغه من علمه ومعرفته بكلام العرب وأهل الشعر».
وكان الأمر كما قال، فما هو إلا أن أشرف على عسكر أبى يزيد حتى ضرب الله فى وجوههم، فقتلوا، وأحرق عسكرهم وخيامهم بالنار، وولى أبو يزيد فى بقية أصحابه خائبين إلى داخل المغرب.
ولما صارت الخلافة إلى المنصور فى الشهر الذى توفى أبوه فيه، لم يغيّر السكة ولا البنود، وأقام على ذلك إلى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فأظهر موت أبيه بعد أن ظفر بأبى يزيد.
وكان سبب موته: أنه خرج إلى سفاقس (^٢) وتونس، ثم إلى قابس (^٣)، وبعث يدعو
_________________
(١) الأصل: «فألقى موسى عصاه فاذا هى تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين» وهذا خلط واضح، فان الآية الأولى «فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ» هى الآية رقم ٤٥ من سورة الشعراء، والآيتان التاليتان من سورة الأعراف. وقد رويت الآيات صحيحة فى نسخة (ج) وهى الآيات ١١٧ - ١١٩ من سورة الأعراف.
(٢) ذكر ياقوت أنها مدينة من نواحى افريقية جل غلاتها الزيتون، وهى على ضفة الساحل بينها وبين المهدية ثلاثة أيام، وبين سوسة يومان، وبين قابس ثلاثة أيام»
(٣) ذكر ياقوت أنها «مدينة بين طرابلس وسفاقس ثم المهدية، على ساحل البحر، فيها نخل وبساتين غربى طرابلس الغرب، وبينها وبين طرابلس ثمانية منازل. وكان فتحها مع فتح القيروان سنة ٢٧» وقال البكرى: «وبين قابس والبحر ثلاثة أميال».
[ ١ / ٨٩ ]
أهل جربة (^١) إلى الطاعة فأجابوه، وأخذ منهم رجالا وعاد، وكانت سفرته شهرا.
وعهد إلى ابنه معدّ وجعله ولى عهده.
فلما كان شهر رمضان سنة إحدى وأربعين خرج متنزها إلى مدينة جلولاء (^٢) - وهو موضع كثير الثمار، وفيه من الأترج ما لا يحمل الجمل منه غير أربع أترجّات لعظمه - فحمل منه إلى قصره، وكانت له حظيّة (^٣) يحبها، فلما رأت الأترج استحسنته، وأحبت أن تراه فى أغصانه، فأجابها إلى ذلك، ورحل بها فى خاصته، وأقام بها أياما ثم عاد إلى المنصورية، فأصابه فى الطريق ريح شديد، وبرد ومطر أقام أياما، وكثر الثلج، فمات جماعة ممن معه.
واعتلّ المنصور علّة شديدة، ووصل المنصورية، فأراد عبور الحمام فنهاه طبيبه إسحاق ابن سليمان الإسرائيلى عن ذلك، فلم يقبل، ودخل الحمام ففنيت الحرارة الغريزية منه، ولازمه السهر، فأخذ طبيبه يعالج المرض دون السهر، فاشتد ذلك على المنصور وقال لبعض خواصه:
«أما فى القيروان طبيب غير إسحاق؟»
فأحضر إليه شاب من الأطباء يقال له: «أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبى خالد بن الجزار»، فجمع له أشياء مخدّرة (^٤)، وكلّفه شمّها، فنام، وخرج وهو مسرور بما فعله، فجاء إسحاق ليدخل على المنصور، فقيل له إنه نائم، فقال: «إن كان صنع له شيء ينام منه فقد مات»، فدخلوا عليه فإذا هو ميّت، فدفن فى قصره.
وأرادوا قتل ابن الجزار الذى صنع له المنوّم، فقام معه إسحاق، وقال:
_________________
(١) جربة - بكسر الجيم أو فتحها - جزيرة بالمغرب من ناحية افريقية قرب قابس انظر: (ياقوت: معجم البلدان).
(٢) هناك مدينتان تحملان هذا الاسم «جلولاء، الأولى طسوج من طساسيج السواد فى طريق خراسان، بينهما وبين خانقين سبعة فراسخ، والثانية - وهى المقصودة هنا مدينة بافريقية بينها وبين القيروان أربعة وعشرون ميلا، راجع: (ياقوت: معجم البلدان).
(٣) ذكر (ابن خلكان، ج ١، ص ١٣٥) أن هذه الجارية كانت تسمى «قضيب».
(٤) فى ابن الأثير وابن خلكان: «منومة»
[ ١ / ٩٠ ]
«لا ذنب له، إنما داواه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض، وما عرّفتموه، وذلك أننى فى معالجته أقصد تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات».
وكان نقش خاتمه: «بنصر الباطن الظاهر، ينتصر الإمام أبو الطاهر».
وكان يشبّه بأبى جعفر المنصور - من خلفاء بنى العباس - لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت (^١) عليه الحروب، وكاد يسلّ من الخلافة، فهبّ له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف.
وأولاده:
أبو تميم المعز لدين الله:
وحيدرة - مات بمصر فى جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وصلى عليه العزيز بالله -.
وهاشم - مات بمصر فى ربيع الأول سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وصلى عليه العزيز بالله -.
وطاهر - مات فى المحرم سنة تسع وخمسين وثلاثمائة بالمغرب -.
وأبو عبد الله الحسين - مات بالمغرب -.
وخمس بنات:
هبة، وأروى، وأسماء - متن بمصر أيام المعز لدين الله.
وأمّ سلمة - ماتت بمصر أيام العزيز بالله -.
ومنصورة - ماتت بالمغرب -.
وكان له أمهات أولاد ثلاث.
وقضاته:
أحمد بن محمد بن أبى الوليد.
_________________
(١) أصفقت أى أطبقت (القاموس).
[ ١ / ٩١ ]
ثم محمد بن أبى المنصور.
ثم عبد الله بن قاسم (^١).
ثم على بن أبى سفيان.
ثم أبو محمد زرارة.
ثم أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمى.
وحاجبه: جعفر بن على.
_________________
(١) ج: ابن هاشم
[ ١ / ٩٢ ]