الحمد لله فاتحة كل خير، وتمام كلّ نعمة؛ وصلاة البرّ الرحيم وسلامه على محمّد أكرم خلقه، باعث معالم المجد التى حفل بها تاريخ الإسلام والمسلمين؛ ورضى الله عمّن سار على نهجه، واهتدى بهديه، وأسهم بجهده بإضافة لبنة من لبنات المعرفة إلى بناء صرح الثقافة الإسلامية، التى نتّجه إليها الآن بالنّظرة الفاحصة والعزم الدءوب، لإحياء تراثها، وكشف الأستار عن مكنون مفاخرها وذخائرها.
وتحيّة التّقدير والوفاء إلى روح الأستاذ العالم المرحوم الدّكتور جمال الدّين الشّيّال، الذى أكرمه الله بدعوته إلى سكنى رياض جنّته، فآثر أن يلبّى دعوة العزيز الكريم، تاركا من بعده أدلّة هادية على طريق الكفاح العلمىّ، يتمثّل آخر مصابيحها فى الجزء الأول من هذا الكتاب، الذى أقدّم اليوم جزءه الثانى، سائرا على دربه، ضامّا جهدى المقلّ إلى جهوده القيّمة، اعتمادا على ما يسّره الله لنا من وسائل البحث والدّرس.
***
ويشمل هذا الجزء من «اتّعاظ الحنفا» تاريخ دولة الفاطميين على امتداد مائة واثنتين والسّتين، منذ تولّى الحاكم بأمر الله شئون هذه الدّولة فى أواخر شهر رمضان، سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة، إلى نهاية سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وهى السّنة التى توفى المستنصر بالله فى ذى الحجّة آخر شهورها.
وقد شهدت هذه السنوات تداول ثلاثة من الفاطميين عرش الخلافة: الحاكم
[ مقدمة 2 / ١٠ ]
بأمر الله، والظّاهر لإعزاز دين الله، والمستنصر بالله؛ وكان لآخر الثلاثة القسم الأكبر من هذه المرحلة، إذ تولى منصبه وعمره سبع سنوات، وشغله بعد ذلك ستّين عاما كاملة. ولم يسبقه أحد من خلفاء المسلمين، من الفاطميين أو من غيرهم، يمثل هذا، إذ كان أطول زمن قضاه خليفة فى خلافته أربعة وأربعون عاما وبضعة أشهر تولّى فيها القائم بأمر الله العبّاسىّ، معاصر المستنصر بالله، زمام القسم الشّرقى من البلاد (^١).
ولا تحظى هذه السنوات الطّوال من المقريزى برعاية متكافئة أو متعادلة، إذ نجده يختصّ بعضها بحديث مسهب مطوّل، يمكّن القارئ من تتبّع أحداثها شهرا بعد شهر، بل يستطيع تتبع أحداث الشهر الواحد تتبّعا مفصّلا؛ بينما يعالج بعضا آخر فى إيجاز واختصار، يصل أحيانا إلى درجة لا يتوقّعها من يتطلع إلى إشباع حاجته إلى المعرفة المتعمقة. فمن صور النوع الأوّل الحديث عن أخبار سنة خمس عشرة وأربعمائة، إذ يقع هذا الحديث فى أربعين صفحة من هذا الجزء، ومن أمثلة النّوع الثانى أخبار سنة ستّ عشرة وأربعمائة، التى أعقبت هذه الصفحات الأربعين، إذ أنّها لم تجاوز ثلاثة أسطر؛ وحديث أنباء سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة الذى يقتصر فيه المقريزى على قوله: فيها أقيمت دعوة المستنصر بحرّان.
ولا يقف الأمر عند هذا إذ نجده يهمل سنوات أخرى فلا يذكر منها إلاّ عنوانها (^٢)، بل قد يغفل إغفالا تاما الإشارة إليها بعنوان مستقل (^٣).
لكنّ هذا كلّه لا ينقص من أهمية هذا الكتاب القيّم مصدرا رئيسيا، يتصدّر ما بين أيدينا من مؤلفات تعرضت لتاريخ الفاطميّين فى إيجاز أو فى تطويل.
_________________
(١) توفى القائم بأمر الله سنة سبع وستين وأربعمائة.
(٢) وذلك فى سنتى ٤٣٠، ٤٣٢.
(٣) وذلك فى السنوات: ٣٩٣، ٤١١ - ٤١٤، ٤١٩، ٤٤٥، ٤٧٣ - ٤٧٦، ٤٨٤.
[ مقدمة 2 / ١١ ]
ومعالجة المقريزى للجوانب المتعدّدة للدّراسة التاريخيّة، كما تبين فى هذا الكتاب، معالجة متوازنة، لا فضل لجانب منها على الآخر، ولا تميّز لأحدها أو لبعضها من وجهة نظر المؤلف. فهو يعامل الأحداث السياسية والعسكريّة معاملة متعادلة، ويتحدث عن التطورات الاجتماعية والاقتصادية بمثل ما يتحدّث به عن الأحداث الدينيّة أو الإداريّة، بحياد وموضوعية، دون أن يخصّ أيّا من هذه الجوانب بعناية تبرز بعضها دون البعض الآخر، أو تدلّ على ميل من جانب المؤلف إلى الاهتمام بناحية دون غيرها.
ولعلّ السرّ فى هذا التوازن فى المعالجة أن المقريزى أراد أن يكون كتابه الذى خصّصه لمرحلة بعينها شاملا للموضوعات التاريخيّة المتنوعة ليمدّ الدارس بالمادة الغزيرة التى تتيح له معرفة شاملة متنوعة تمكنه من إشباع اتّجاهه الثقافى من مورد قيّم للمعرفة، متعدّد الاهتمامات.
***
وفى ضوء هذه المادّة العلميّة الغزيرة أود أن أضع بين يدى القارئ بعض الحقائق التاريخية التى يساعد هذا الكتاب على إبرازها، والتى كان بعضها فى حاجة إلى ما يكشفه أو ما يزيده وضوحا وبيانا.
وأول هذه الإشارات يتعلّق بشخصيّة الحاكم بأمر الله وعصره. فقد ذاع بين الدّارسين والمؤرخين اتّهام الحاكم بالتقلّب فى أحواله والشّذوذ فى تصرّفاته، وأن هذا الشّذوذ وذلك التقلّب قد أدّيا إلى أن يحفل عصره بالاضطرابات، مما أفقد النّاس الاطمئنان على أنفسهم وأموالهم. لكنّ المقريزى يتيح لهؤلاء فرصة إعادة النّظر فى هذه الأحكام التى أدانت الحاكم، وجعلت منه مثالا وأنموذجا للشذوذ والاستبداد جميعا.
[ مقدمة 2 / ١٢ ]
وفى مقدّمة ما يلزم الباحث بعين فاحصة إلى شخصية هذا الخليفة وفى عصره أن يدخل فى تقديره أنّ الحاكم تولّى الخلافة وسنّه لم تجاوز الحادية عشرة إلا بقليل وأنّه وضع بسبب هذه السّنّ الصغيرة تحت وصاية تنازعته فيها قوى مختلفة من رجال الجيش وأستاذى الخلافة وسيّدات القصر، فكان لهذا تأثيره فى تصرّفاته عند ما استطاع إمساك الزّمام بيده عازما على أن يكون بشخصيّته قوّة فعّالة فى إدارة شئون الدولة، متحرّرة من الضّغوط المتباينة التى كانت لا تزال تحاول أن تتجاذبه فيما بينها لتستميله إلى جانبها وتخضعه لتأثيرها. وخير مثل لمحاولته التحرّر من هذه الضغوط موقفه من أخته سلطانة ست الملك التى كانت تتدخّل من وراء ستار فى شئون الدّولة، مستعينة ببعض رجالاتها وقادتها، مما أسخط الحاكم عليها، وحمله على تهديدها وتخويفها. لكن ستّ الملك، بإصرارها على موقفها من الدولة ومن أخيها، دبّرت مؤامرة محكمة للتخلّص منه بقتله، فنجحت فى هذه المؤامرة وأجلست ابنه الظاهر من بعده على عرش الخلافة. ولم يخفف هذا الإصرار من جانب ستّ الملك على الحاكم الذى كان على علم بتصرفاتها، والذى كان يخشى على أمّه أيضا منها، يدلّ على ذلك حديثه إلى أمّه قبيل اختفائه - ومقتله - ودفعه إليها خمسمائة ألف دينار ذخيرة لها، تستعين بها على شئونها إذ أنه كان «لا يخاف عليها أضرّ من أخته».
وقد كان للثّورة العنيفة التى تزعّمها أبو ركوة (^١) أثرها فى تحديد موقفه من رجاله الذين فشل بعضهم فى التغلّب عليها وفى إخماد نارها؛ وقد كلّفه القضاء على هذه الثورة ألف ألف دينار أنفقها فى الجيش وفى القادة الذين استعان بهم فى مواجهتها.
_________________
(١) بدأت هذه الثورة فى برقة، وتدخل الحاكم بنفسه فى مواجهة أخطارها إذ أوحى إلى بعض رجاله بمكاتبة زعيمها وإيهامه بأنهم يؤيدونه وسيدخلون فى طاعته إذا قدم إلى البلاد لأنهم يعانون من عسف الحاكم وبطشه، فاستجاب الثائر لهم وقدم إلى الوجه البحرى ثم إلى الجيزة، ثم إلى الفيوم حيث هزم هزيمة واضحة فلجأ إلى النوبة وهناك تم التغلب عليه.
[ مقدمة 2 / ١٣ ]
ولما ذكر له أن قائدة الفضل ابن صالح كانت له جهود واضحة فى إنهائها والقبض على زعيمها، قال: وماذا فعل الفضل؟ لقد قبض عليه ملك النّوبة وأرسله إلينا.
وهكذا كانت مشكلة الحاكم الأولى أنه كان يحاول طوال عهده العمل على أن يكون بشخصه قوة فعالة فى إدارة شئون الدولة، متحررا من الضغوط التى كانت تتجاذبه من داخل القصر وخارجه على السّواء. وفى سبيل هذا كان يكثر من الرّكوب منفردا فى غير موكب، ليلا ونهارا، ويطوف بالأسواق للتعرّف بنفسه على أحوال الناس، وكان هؤلاء يتقدّمون إليه بظلاماتهم وشكاواهم، فيتسلّمها منهم بنفسه ويعمل على إنصافهم.
وقد مكنه هذا من اتخاذ قرارات عدّة تحتسب لصالحه وتعدّ من مفاخره:
١ - فمن ذلك أنّه أصدر - فى أكثر من مناسبة - قرارات بمنع ذبح البقر الولود أو العاملة، حتى يتوفّر بذلك من الإنتاج الحيوانى ما يسدّ حاجة البلاد ومن حيوانات الحقل ما يمكّن الفلاحين من العناية بالمزروعات وتحسين محصولها.
٢ - وأصدر قرارا بإنشاء دار يحتفظ فيها بأموال اليتامى الذين يشرف القضاة وأعوانهم على رعايتهم؛ ونظم طريقة الإشراف، إذ أمر «ألاّ يودع عند عدل ولا أمين شيء من أموال اليتامى، وأن يكتروا مخزنا تودع فيه هذه الأموال؛ فإذا أرادوا دفع شيء منها حضر أربعة من ثقات القاضى وجاء كلّ أمين فأطلق لمن يلى عليه رزقه بعد مشورة القاضى فى ذلك، ويكتب على الأمين وثيقة بما يقبضه من المال لمن يلى عليه» (^١). والسبب المباشر لهذا التنظيم وفاة القاضى محمد بن النعمان تاركا دينا عليه للأيتام وغيرهم قدّر بعشرين ألف دينار، أو بستة وثلاثين ألف
_________________
(١) راجع هذا فى أحداث سنة ٣٨٨.
[ مقدمة 2 / ١٤ ]
دينار، مما دعا الحاكم - إلى جانب قراره هذا - إلى مصادرة أموال القاضى المتوفّى وأموال أعوانه استيفاء لهذه الحقوق.
٣ - وعند ما تبيّن للحاكم، بعد فترة من الزمن، أن القاضى حسين بن النعمان لم يمتنع عن أكل أموال اليتامى بالباطل أمر بضرب رقبته ثمّ بإحراقه بالنار عقوبة له وردعا لغيره. ويسوق لنا المقريزى قصة هذه الحادثة - كأنّه يخشى أن نبادر إلى اتهام الحاكم بالقسوة والظلم - فيقول: «… وذلك أن متظلّما رفع رقعة إلى الحاكم يذكر فيها أن أباه توفّى وترك له عشرين ألف دينار وأنها فى ديوان القاضى، وأن القاضى عرّفه أن ماله قد نجز. فدعا (الحاكم)، وأوقفه على الرقعة، فقال كقوله للرّجل من أنه استوفى ماله من أجرة. فأمر بإحضار ديوان القاضى فأحضر من ساعته، فوجد أن الذى وصل إلى الرّجل أيسر ماله. فعدّد على القاضى حسين، ما أقطعه وأجرى له وما أزاح من علله لئلاّ يتعرض إلى ما نهاه عنه من هذا وأمثاله. فقال: العفو والتّوبة. فأمر به فضربت عنقه وأحرق» (^١).
٤ - وفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة أمر الحاكم بضرب جماعة من الخبازين وتشهيرهم لتعذر وجود الأخباز بالعشايا، ولأنهم كانوا يغشون الخبز ويبيعونه مبلولا، إذ كان التّعامل فيه بالوزن.
٥ - وعند ما صدر قراره بقتل القضاة مالك بن سعيد الفارقى، فى سنة خمس وأربعمائة، لاتهامه بموالاة ست الملك وتدخله فى شئون الدولة بتحريضها، «وكان الحاكم قد انفلق منها»، استدعى أولاد القاضى وأرضاهم، «ولم يتعرّض لشيء من تركة أبيهم، وأمر ابنه أبا الفرج أن يركب فى الموكب، وأقره على إقطاعه ومبلغه فى السنة خمسة عشر ألف دينار».
_________________
(١) انظر أحداث سنة ٣٩٥.
[ مقدمة 2 / ١٥ ]
٦ - وأصدر الحاكم قرارات بإلغاء كثير من المكوس التى كانت قد ابتدعت، من ذلك مكس الرّطب ومكس دار الصابون ومكس بعض التجارات التى كانت تصل بحرا إلى مدينة القلزم، والمكوس التى كانت تجبى لدارى الشرطة بالقاهرة ومصر. ويتحدث المقريزى عن هذا كله فى مناسباته ..
٧ - وفى سنة عشر وأربعمائة ورد على مصر رجل من سجلماسة يريد الحج، فأودع ماله عند رجل فى السّوق. فلمّا عاد من الحج طلب ماله فأبى أن يدفعه إليه؛ فتوصّل إلى أن أطلع الحاكم على أمره، فقال له: «اجلس فى دكان مقابلا لدكانه، فإذا جزت فى ذلك السّوق فاعمل كأنك تعرفنى وكأنى أعرفك. فلمّا مرّ الحاكم وقف على الرّجل وسأل عن حاله وأكثر معه الوقوف، وانصرف. فجاء الرجل الذى عنده الوديعة إلى الرجل وأكبّ عليه وسأله الصفح عمّا سلف منه، وأحضر إليه جميع ماله. فعرف الحاكم بذلك، فأصبح الذى أنكر الوديعة مقتولا معلّقا برجله».
٨ - أما من الناحية المذهبيّة، فقد اتّهم الحاكم بتنكيله بأهل السنّة بعد أن كان قد خفف عنهم القيود، وأباح لهم دراسة مذاهبهم، ومكّنهم من ذلك فى دار العلم التى أنشأها للدّرس والبحث. وهذا الاتّهام يعوزه شيء من تعرّف الظّروف التى أقدم الحاكم فيها على تقريب المالكية ثم على العدول إلى مذهبه القديم. ذلك أن المعزّ بن باديس صاحب القيروان كتب إليه يستنكر بعض أفعاله، فأراد الحاكم أن يسترضيه ويستميله إليه، فأظهر اهتمامه بدراسة مذهب المالكية، وأحضر العلماء لمناظرتهم فى مذهبهم، وأمر بمحو سبّ الصحابة من المساجد والأسواق، ونهى عن ذكرهم بغير ما يجب لهم من الإعزاز والتقدير. ثم تغيّرت الأحوال فعاد الحاكم إلى مذهبه القديم الذى نشأ أسلافه عليه والذى تمسك خلفاؤه به إلى أن قضى الله بزوال دولة
[ مقدمة 2 / ١٦ ]
الفاطميّين. فالحاكم بهذا لم يقدم على ما أقدم عليه إلاّ بدافع سياسىّ، ولم يعدل عنه إلاّ بعد أن تبيّن زوال أسبابه وخطورة الإبقاء على موقفه من تأييد السنّة فى دولة تحول كلّ تنظيماتها العقديّة والمذهبية والعسكرية دون هذا. وما أشبه هذا بما فعله المأمون العبّاسى - مع مراعاة فارق العصر والظروف - حين قرّب منه العلويين ولبس شعارهم وخلع السواد شعار العباسيين، وبايع بولاية عهده لعلىّ الرضا وتزوج ابنته؛ ثم لم يلبث أن عدل عن هذا الاتجاه العلوى بتأثير تحرّك بغداد ضدّه وتغيّر موقف البيت العباسىّ منه.
٩ - وخير ما نختم به هذه الملحوظات عن الحاكم وعصره ما قاله المقريزى:
«وكان الأمر فى مدّة العزيز، فيه انحلال وعفو كبير عن الناس، فظنّوا أن ذلك يجوز فى مدّة الحاكم وجروا على رسمهم؛ فتجرّد لهم منه مطّلع على جميع أمورهم، غير مطّرح لعقوبة، فهلك الجمّ الغفير منهم».
ونحن لا ندّعى بعد هذا أن الحاكم خير كلّه، لكننا ندعو إلى الاقتصاد فى اتهامه والحكم عليه دون تقدير كامل لظروفه وظروف عصره، فبمثل هذا التقدير ننصف الحاكم المفترى عليه، ونبيّن مدى الجهد الذى بذله فى محاولة الإصلاح، ولا نبخسه أجره الذى يستحقه لهذا الجهد الذى استغرقه، خمسا وعشرين سنة كاملة هى مدة خلافته
***
ويتولى الظاهر لإعزاز دين الله خلافة الفاطميين عقب غيبة الحاكم التى ذاع بعدها أنه قتل، وكان الظاهر إذ ذاك قد جاوز السادسة عشرة من عمره، وبقى فى منصبه حتى توفّى سنة سبع وعشرين وأربعمائة، بعد نحو ستّ عشرة سنة من خلافته. وفى مناسبة وفاته يقول المقريزى: «وكانت أيامه كلّها سكونا ولينا،
[ مقدمة 2 / ١٧ ]
وهو مشغول بلذاته ونزهه وسماع المغنى». لكن استعراض الأحداث التى جرت فى عصره والتى فصّل المقريزى الحديث عنها، لا يؤيد القسم الأول من حكم المقريزى بأن «أيّامه كانت كلّها سكونا ولينا».
١ - فقد أسلم الظاهر أمره فى السنوات الأولى من خلافته إلى عمّته ست الملك التى نجحت فى قتل الحاكم وإقامة الظاهر مقامه، ولم تلبث أن أخضعته لسلطانها وأدارت الدّولة بوساطة أعوانها، ونكّلت بكل من اعترض طريقها. وكان من أوائل من نكلت بهم أولئك الذين ساعدوها فى التخلّص من أخيها بإحكام التّدبير ثم بإتقان التنفيذ.
وفى ظل سيطرة ست الملك تولّى أبو الفتوح موسى بن الحسن الوساطة - الوزارة - فى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، بعد أن كان يشرف على ديوان الإنشاء، ولم يلبث أن نكب بعد تسعة أشهر إذ صدر أمر ستّ الملك بإخراجه من مجلس الوزارة مسحوبا وبسجنه، ثم قتل بعد ذلك بأمرها.
٢ - وبعد وفاة ست الملك استسلم الظاهر لوزرائه ورجال دولته، فتنافس هؤلاء على مركز الصدارة، وقرر ثلاثة منهم: «أن يكون دخولهم على الخليفة الأخير فى كل خلوة، وأنهم يكفونه أمر الاهتمام بالدولة ليتوفّر على لذاته وينفردوا بالتدبير». فتم لهم ذلك، ولم يعترض الظاهر على تدبيرهم.
٣ - وشهد عصر هذا الخليفة بدء تفلّت البلاد الشامية من قبضة الدولة وتحرّك الثورات المحلية بها، وعجز الإدارة المركزية بالقاهرة عن حسم خطر هذه الثورات إذ كيف تستطيع القاهرة ذلك ورجال الدولة والقصر يتنافسون فى محاولاتهم إخضاع الخليفة لنفوذهم والخليفة فى شغل بملذاته ومواكبه الرسمية التى يتنقل
[ مقدمة 2 / ١٨ ]
بها بين القاهرة ومصر للتنزّه والترويح. أين هذا مما كان يفعله الحاكم من الخروج منفردا، ليلا أو نهارا، للتعرّف على أحوال الناس وتلقى ظلاماتهم وشكاياتهم، وعمله على إرضائهم وإنصافهم.
٤ - وفى سنة عشرين وأربعمائة «كانت فتنة بمصر بين المغاربة والأتراك، وكان الظفر للأتراك، ثم استظهرت المغاربة بمعاونة العامّة لهم، فقتلوا عدة كثيرة منهم، وأخرجوا من بقى منهم عن مصر».
٥ - وفى سنة أربع عشرة وأربعمائة غلت الأسعار وقلت. الأخباز. وحدث مثل هذا مرة أخرى فى السنة التالية إذ اشتدّ الغلاء والقحط، وعدمت الأقوات، فلم يصرف هذا الظّاهر عن الخروج فى موكبه التقليدى إلى الفسطاط للنزهة والترويح «وخلفه المقوّدون والمصطنعة، وبين يديه الرّقّاصون؛ فاستغاث الناس بضجة واحدة: الجوع يا أمير المؤمنين، الجوع!! لم يصنع بنا هكذا أبوك ولا جدّك». ولما جاء عيد الأضحى «مدّ السّماط بحضرة الظاهر؛ فلمّا جلس أهل الدولة عليه للأكل كبس العبيد القصر وهم يصيحون: الجوع! نحن أحق بسماط مولانا. ونهبوا جميع ما على السماط، وضرب بعضهم بعضا، والصقالبة تضربهم فلا يبالون».
٦ - وفى سنة خمس عشرة وأربعمائة اجتمع الناس بقنطرة المقس للاحتفال بعيد الفصح «فى لهو وتهتّك قبيح، واختلط الرجال بالنساء وهم يعاقرون الخمر، حتى حملت النّساء فى قفاف الحمّالين من شدة السكر، فكان المنكر شديدا». وقد شرب الظاهر الخمر فى سنة ثمانى عشرة وأربعمائة «وترخّص فيه للناس وفى سماع الغناء وشرب الفقّاع. فأقبل الناس على اللهو».
وبعد؛ فأظننا لا نستطيع أن نتّفق مع المقريزى فى قوله عن الظاهر: «وكانت أيامه كلّها سكونا ولينا»، وإن كنا نؤيده فى قوله: «وهو مشغول بملاذّه ونزهه
[ مقدمة 2 / ١٩ ]
وسماع المعنى»؛ وفى كلتا الحالتين نستند إلى الأحداث التى سجّلها المقريزى نفسه فى كتابه هذا بتفصيل وتطويل.
***
أمّا الشدة العظمى التى حدثت أيام المستنصر بالله فيكفى فى توضيح بعض ظروفها أن نقتبس قول المقريزى: «… ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مدّ النّيل فقط، وإنما كان من اختلاف الكلمة ومحاربة الأجناد بعضهم مع بعض، وكان الجند عدّة طوائف مختلفة الأجناس: فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحرى، وتغلب السّودان على أرض الصّعيد، وتغلّب الملثّمة والأتراك بمصر والقاهرة، وتحاربوا فكانت السبع سنين المذكورة يمدّ فيها النيل ويطلع وينزل فى أوقاته، فلا يوجد فى الإقليم من يزرع الأراضى، ولا من يقيم جسوره، من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب.
ولم يوجد ما يبذر فى الأراضى للزراعة، فإن القمح ارتفع الأردب منه من ثمانين دينارا إلى مائتى دينار، ثم نفد فلم يقدر عليه».
١ - فكيف يستطيع المستنصر مواجهة هذه المشكلة وهو الذى كان قد بدأ عهده فى الخلافة طفلا صغيرا، فى السابعة من عمره، خاضعا لوصاية الأوصياء المتنافسين فيما بينهم، الحريصين على الاحتفاظ بالنفوذ والسّلطان فى قبضة أيديهم؛ ولم يستطع الخليفة التصرّف فى الدّولة إلاّ بعد أن أفلت الزّمام من أيديهم، وعند ما حدث هذا لم يجد من رجال الدولة القادرين من يعينه على الإصلاح، فاضطرّ إلى تغيير وزرائه أربعين مرة فى تسع سنوات.
٢ - وكيف يستطيع بدر الجمالى، أمير الجيوش، الّذى استغاث المستنصر به واستقدمه من الشام أن يباشر سلطاته إلاّ إذا اطمأنّ إلى قدرته على التصرّف بحرية فى مواجهة مشكلات الجيش والقصر وتدهور الاقتصاد؟ ولقد طمأنه الخليفة ومنحه الحريّة التى كان يطمع فيها، و«فوّضه» فى التصرف بما يرى فيه صالح الدّولة والخلافة. ونجح الجمالى فى مهمته وتوّج نجاحه بأن «استناب ابنه وجعله
[ مقدمة 2 / ٢٠ ]
ولىّ عهده فى السلطنة» - أى الوزارة - وبدأت السلطة تنتقل فعلا ورسميّا من أيدى الوزراء إلى أيدى الخلفاء، وأصبح هؤلاء ألعوبة فى أيدى أولئك يحجرون عليهم ويتحكمون فى مصائرهم كما يريدون.
٣ - ولا ينتظر فى ظلّ الاضطرابات التى عمّت البلاد فى القسم الأكبر من عصر المستنصر، ثم فى ظل المحاولات التى بدأها الجمالى للإصلاح الداخلى فى مصر أن تستطيع الدولة الاحتفاظ بقبضتها قويّة على الشام أو بنفوذها محسوسا واضحا فى المغرب. إنّ منطق التطوّر فى ظلّ هذه الظروف يقضى انحسار النفوذ الفاطمىّ تدريجيا عن هذه البلاد وتلك الأقاليم. وهذا ما حدث فعلا، إذ تقدّم السّلاجقة من الشّرق، ومدّوا سلطانهم إلى بلاد الشام، واستقرّوا فى معظم أنحائها، ولم يبق فى أيدى الفاطميين إلاّ بعض المدن الساحلية (^١).
وآخر النّقاط التى تلفت النّظر بفضل المقريزى الّذى أشار إليها فى مناسباتها نقطة ذات شعبتين.
أولاهما مظهر من مظاهر إقامة شعائر المذهب الفاطمى فى صورة من صوره، هى طريقة إعلان بدء الشهور القمريّة وبخاصة فى مواسم رمضان والعيدين، ذلك أنّ الفاطميين كانوا لا يتقيّدون برؤية الهلال ولا يحكّمونها فى إعلان دخول الشهر الجديد وإنما كانوا يحتكمون معها إلى الحساب ويقولون: الرؤية والحساب كالظاهر والباطن، فالهلال كالظاهر لأنه مشاهد، والحساب كالباطن لأنّه معقول. وقضيّة «الظاهر والباطن» هذه قضية أساسية فى مذاهب الشيعة جميعا، ولها فى الدعوة الإسماعيليّة والفاطميّة أهمية بالغة.
وتطبيقا لهذه القاعدة نجد المقريزى يذكر فى هذا الكتاب:
_________________
(١) ثم تقع الأحداث الخطيرة التى يأتى تفصيلها - بعون الله - فى الجزء الثالث من هذا الكتاب، والتى تتمثل فى الصدام العنيف بين الشرق والغرب فى شكل الحروب الصليبية.
[ مقدمة 2 / ٢١ ]
١ - أن شهر رجب من سنة ست وتسعين وثلاثمائة استهل بيوم الأربعاء، فصدر أمر الخليفة بتأريخه بيوم الثلاثاء.
٢ - وفى شعبان من سنة إحدى وأربعمائة وقّع قاضى القضاة سجلاّ يعلن فيه خروج «الأمر العالى المعظّم» بأن يكون الصّوم يوم الجمعة والعيد يوم الأحد.
٣ - واستهلّ شعبان فى سنة اثنتين وأربعمائة يوم الاثنين فأمر الخليفة بأن يكون أول الشهر يوم الثلاثاء.
وثانى الشعبتين تبيّن مدى تحكّم بعض رجال الدّولة - فى فترات ضعف الخلفاء - واستبدادهم فى مجال نفوذهم. فقد ذكر المقريزى من أمثلة ذلك:
١ - فى أخبار سنة ست عشرة وأربعمائة، على زمن الخليفة الظاهر، أن شابّا حدثا قد غرق فى النيل فى عشية أحد أيام السبت، فى منطقة دار الصناعة (^١) فمنع رجال الشريف أبى طالب العجمى، متولّى الصّناعة، تسليمه لأهله إلا بعد دفع «واجب» الصناعة «من حقّ من غرق فى النّيل»، وطالبوهم عنه بدينارين وقيراطين؛ فدفع إليهم ذلك، وحمل الرجل وغسل ودفن فى يوم الأربعاء.
٢ - وفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة، فى خلافة المستنصر بالله، كان لعريف الخبازين (^٢) بأحد أسواق مصر (الفسطاط) دكان يبيع فيه الخبز، وبحذائها دكّان خباز «صعلوك»، وكان سعره يومئذ أربعة أرطال بدرهم وثمن؛ فخاف الصعلوك كساد خبزه لأنّه كاد يبرد، «ومن عادة الأخباز فى أزمنة المساغبة متى بردت لا يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغشّ به» فخفض الصعلوك سعر خبزه «فغضب العريف ووكل به عونين من الحسبة أغرماه دراهم».
_________________
(١) دار صناعة الأسطول (الترسانة).
(٢) نقيب الخبازين.
[ مقدمة 2 / ٢٢ ]
ولا يبقى بعد هذا إلاّ أن أشير إلى طريقة التحقيق والتّعليق، فقد اتبعت فى هذا أسلوب محاولة إبراز المتن فى صورته السليمة الواضحة التى أرادها له مؤلفه، جاعلا نصب عينى العمل على توضيح ما يحتاج إلى توضيح، وتصحيح ما يبدو أن المؤلف، أو النّاسخ، سها عنه بمعاونة المراجع المختلفة التى تعالج نفس المرحلة التاريخية التى يشملها هذا الكتاب. أمّا ما ورد فى المتن من أخبار أعلام السياسة والحرب، والعلم والأدب، فقد نال نصيبه - قدر الطاقة - من التعليقات التى تعرّف به وتشير إلى المصادر التى قد يحتاج إليها فى طلب المزيد من التعريف. ومثل هذا حدث فى الألفاظ الاصطلاحية التى يحتاج القارئ إلى فهم مدلولاتها، وللأماكن التى جرت بها الأحداث وتردّد ذكرها فى هذا الكتاب. وقد جرى ذلك كله فى قصد ودون تفريط.
وهنا أودّ أن يتكرّم القارئ فيلحظ فى التعريف بالأماكن خاصة أننى لجأت إلى أسلوب العصر الذى يتناوله الكتاب بالحديث المفصّل حتى تتلاءم التعليقات الموضّحة مع الأحداث فى عصرها الذى ظهرت فيه. ولهذا نجد فى التعريف بمدينة سرت، على سبيل المثال، أنها تقع على عشر «مراحل» من طرابلس وعلى ستّ «مراحل» من أجدابية، وفى التّعريف بمدينة سنجار أنها تبعد عن الموصل ثلاثة «أيام».
وقد أدرك القلقشندى - من كتاب الانشاء وأساتذة إدارة الأعمال - كما أدرك غيره من علماء الجغرافيا المسلمين أهمية تقدير المسافات بين البلدان بهذا الأسلوب فى عصورهم - لشدة حاجة الناس، على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم ووظائفهم، إلى هذا النوع من التقدير. والقلقشندى الذى أراد لكتابه أن يكون وثيقة علمية فى أيدى كتاب الإنشاء وموظّفى الدّواوين يلاحظ على كتاب «التعريف بالمصطلح الشريف» أن مؤلّفه أحمد بن فضل الله العدوى العمرى «قد أهمل من مقاصد المصطلح أمورا لا يسوغ تركها، ولا ينجبر بالفدية لدى الفوات نسكها، كالبطائق والملطّفات والمطلقات … فلم يقع الغنى به عمّا سواه». ولهذا فصّل هو الكلام
[ مقدمة 2 / ٢٣ ]
على هذه الجوانب التى يحتاج إليها فى الرسائل والمكاتبات والتنقلات، فذكر أن «البريد» مسافة معلومة مقدرة باثنى عشر ميلا، أو بأربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف بذراع بالهاشمى. وكان لهذا البريد «مراكز» بين كل اثنين منها مسافة «بريد»، وقد تطول أو تقصر إذا ألجأت الضرورة لذلك لبعد ماء أو للأنس بقرية. كما ذكر أن المسافرين كانوا يضبطون تنقلاتهم ويحتسبونها «بالمراحل»؛ وكان الحجاج منهم فى كل يوم وليلة «مرحلتين» من مراحل البريد (^١). وهنا تتضح أهمية اتّباع هذا الأسلوب، فإذا كانت المسافة بين بلدين «ثلاثة أيام» كان معنى هذا أن بينهما ستّ مراحل أو اثنين وسبعين ميلا. وهذا التّصور ييسر تتبع حركات الجيوش وتنقلات الولاة ورسائل الملوك والحكام وغير ذلك.
ومن أجل هذا حرصت على أن أهيّئ للقارئ، بالتمسك بهذا الأسلوب فى التعريف، أن يعيش مع الأحداث فى عصرها، ليتمكّن من تفهم ظروفها وتصوّر تطوراتها.
***
وأخيرا أرجو أن أكون بهذا الجهد قد أسهمت فى تحقيق رغبة الأستاذ المرحوم الدكتور جمال الدين الشيال فى كشف الأستار عن هذا الكتاب، تلك الرغبة التى هيّأت لجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ظروف تحقيقها حين مكّنت سيادته من إخراج الجزء الأول منه، ثم عهدت إلىّ، بعد رحيله، بإتمام مهمته.
فللأستاذ الراحل الكريم الرضوان، وللّجنة الموقّرة موفور الشّكر لثقتها التى وضعتها فىّ؛ وأرجو أن أكون قد حققت ظنّها.
«وما توفيقى إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب».
محمد حلمى محمد أحمد
دار العلوم فى ٢٠ من ذى القعدة ١٣٩٠
١٩ من يناير ١٩٧١
_________________
(١) انظر خاتمة كتاب صبح الأعشى: ١٤.
[ مقدمة 2 / ٢٤ ]
﷽