﷽
فى سنة عشرين من تاريخ الهجرة، تمّ للقائد العربىّ، والصحابىّ الجليل، عمرو ابن العاص، فتح مصر؛ ومن ذلك الحين دخل هذا الإقليم فى الدولة الإسلامية وتلوّن بالصّبغة العربية؛ وأخذ يتوافد إليه أعيان الصحابة والتّابعين، وأعلام الفقهاء والمحدّثين؛ حيث وجدوا الظلّ الوارف، والمورد العذب السّائغ، والمقام المحمود؛ ولم يلبث أن دخلت الجمهرة من المصريّين فى دين الإسلام أفواجا، وانتشر فى كلّ النواحى من أقصى الصعيد إلى بلاد الشمال؛ حتى أصبحت مصر بمعالمها وحضارتها ووفرة مواردها من أهم الأقطار الإسلامية، بل إنها حملت لواء الزعامة فى كثير من عصورها التاريخية؛ مما دوّنه المؤرخون كابن عبد الحكم والقضاعىّ والمسبّحىّ وأبو عمر الكندىّ وابن ميسّر وغيرهم.
وكانت الدولة الفاطمية من أعظم الدول التى عاشت فى مصر أكثر من قرنين من الزّمان؛ وكان لها تاريخ حافل، ولخلفائها فى الحضارة الإسلامية أثر بعيد؛ فهم الّذين أسسوا القاهرة المعزّية؛ فكانت قبّة الإسلام، وحاضرة الأنام، وغرّة جبين الزمان، وأنشئوا الجامع الأزهر؛ فكان منبعا للعلوم الإسلامية ومنارة للمعارف والآداب على مر الزمان، كما أقاموا دور الكتب والخزائن، وجلبوا إليها الكتب والأسفار، وأرصدوا لها الأموال، وأعدوا لطلاّب المعرفة القوّام والنّساخ، وهوت إليها أفئدة العلماء من شتّى الجهات، ينهلون العلم من أعذب مورد وأصفاه؛ هذا إلى ما كان لهم من أثر فى بناء المساجد والقصور والبساتين فى جنبات القاهرة وعلى ضفاف النيل، وما تجردت له همتهم من إعداد الجيوش وإنشاء
[ مقدمة 1 / ٥ ]
الأساطيل تجوب المياه، فضلا عما كان لهم من عادات فى المواسم والأعياد؛ تميّزت بها دولتهم، وما زالت تتصل بحياتنا الاجتماعية إلى اليوم.
وقد كان تاريخ هذه الدولة موزّعا فى كتب التاريخ والأدب والعقائد، ممتزجا بغيره من تاريخ الدول، إلى أن جاء الإمام تقى الدين أحمد بن على المقريزى، فجمع أشتاته، وضم ما تفرق منه، وأضاف إليه ما اجتمع اليه من ثمرات مطالعاته، وما تهيأ له من المناصب التى تولاها، ووضع هذا الكتاب الذى أسماه «اتّعاظ الحنفا، بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء» أداره على تاريخ من ملك القاهرة من الخلفاء وعلى جملة أخبارهم وسيرهم، وجعله حلقة من سلسلة كتبه الّتى وضعها فى تاريخ مصر والقاهرة.
والمقريزىّ شيخ مؤرخى الإسلام غير مدافع، وفارس هذه الحلبة غير معارض فى كلّ ما ألّف وصنّف، وفى جميع ما نقل وروى؛ مما جعل كتبه المصدر الأصيل فى تاريخ مصر الإسلامية وحضارتها وخططها وآثارها ومعارفها وفنونها وآدابها وعلمائها وأعيانها.
هذا وقد سبق للمستشرق هوجو بونز أن قام بنشر هذا الكتاب سنة ١٩٠٩ م على نسخة مخطوطة ناقصة محفوظة بمكتبة جوتا بألمانيا، وهى النسخة الوحيدة التى كانت معروفة فى ذلك الحين. وفى سنة ١٩٤٥ قام الدكتور جمال الدين الشيال باعادة نشره عن هذه النسخة أيضا بعد أن رجع إلى الأصول التى أخذ المقريزىّ عنها كتابه. ومع مضىّ الأيام وتتابع البحث، وجد من هذا الكتاب نسخة أخرى كاملة محفوظة بمكتبة سراى أحمد الثالث باستانبول، فجد معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية فى تصويرها، ثم قام الدكتور جمال الدين الشيال باعادة تحقيق الكتاب عليها مرة ثانية، بعد أن أضاف إلى جهده السابق مزيدا من التحرير والتحقيق، وشرح المصطلحات، والتّعريف بالأعلام، ما شاءت له معارفه التّاريخية وأمانته العلمية واطّلاعه الغزير الوافر.
[ مقدمة 1 / ٦ ]
والدكتور جمال الدين الشيال يعدّ فى الرّعيل الأول من أساتذة التاريخ الإسلامىّ فى العصر الحاضر، وأعظمهم إخلاصا ونشاطا، وأكثرهم خصبا وإنتاجا، فيما حقّق وصنّف، وألقى من محاضرات، وشهد من مؤتمرات، ونشر من بحوث ومقالات؛ وكانت له عناية خاصة بتراث المقريزىّ، فحقق منها كتاب «الذّهب المسبوك بذكر من حجّ من الخلفاء والملوك»، وكتاب «نحل عبر النّحل»، وكتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة»، كما حقق كتاب «مفرج الكروب فى دول بنى أيوب» لابن واصل، وألّف كتابا فى أعلام الاسكندرية، وآخر فى تاريخ دمياط فضلا عن بحوثه المتنوعة فى نواحى التاريخ الإسلامىّ.
وتقديرا للجهد الّذى بذله فى تحقيق هذا الكتاب، ورغبة فى إحياء آثار المقريزىّ، رأت لجنة إحياء التراث أن تقوم بنشره، وتيسير الانتفاع به.
وإنه لمن كمال التوفيق، وجميل الصّنع أن يظهر هذا الكتاب، والقاهرة توشك أن تحتفل بعيدها الألفىّ منذ أنشأها الفاطميون … إنها تحية طيبة لهذه الذكرى الكريمة.
ومن الله العون والتوفيق.
محمد أبو الفضل ابراهيم
[ مقدمة 1 / ٧ ]