فى أول … (^١)
وفيها استحضر أخويه وعميه وجماعة من أهله، ورسم لهم الأكل معه على مائدته.
وفيها أرسل أفلح - أمير برقة - للعزيز هدية، فيها مائتا فرس مجلّلة (^٢)، ومائة بغل مجلّلة، ومائة وخمسون بغلا بأكف، وخمسمائة جمل، ومائة نجيب، ومائة صندوق فيها المال.
وفيها سار ناصر الدولة أبو تغلب من طبرية إلى الرّملة - فى المحرم - وبها الفضل بن صالح، وقد انضمّ إليه دغفل بن مفرّج بن الجرّاح، فقاتلا أبا تغلب قتالا كثيرا حتى لم يبق معه إلا نحو سبعمائة من غلمانه وغلمان أبيه، فولّى منهزما، وأتبعوه، فأخذ وقتل، وبعث الفضل ابن صالح برأس أبى تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان، وعدّة أسارى، فأمر العزيز بإطلاق الأسرى، وقدّم هديته - وهى:
أحمال محزومة، ومائتا فرس، وخمسون بختيا، ومائة بغل، ومائة ناقة، فخلع عليه، وأركب على فرس، وقيد بين يديه خمسة أفراس، ومائة قطعة من الثياب، وعشرون ألف دينار.
وكان من خبر الفضل بن صالح أن العزيز لما سار من الرّملة بأفتكين إلى مصر جعل بلد فلسطين لمفرّج بن دغفل بن الجرّاح الطائى، فأنفذ إلى دمشق واليا من المغرب، يقال له حميدان بن جواس العقيلى فى نحو مائتى رجل، وقد غلب عليها قسّام التراب السقاط عند ما وردت عليه كتب العزيز عند مسيره إلى محاربة أفتكين … (^٣) من ورائه فأظهر
_________________
(١) بياض بالأصل مقدار ثلاث كلمات.
(٢) جاء فى (اللسان): «جل الدابة - وجلها - (بفتح الجيم وضمها) الذى تلبسه لتصان به، والجمع جلال واجلال»، ثم قال «وجمع الجلال أجلة؛ وجلال كل شيء غطاؤه، وتجليل الفرس أن تلبسه الجل».
(٣) هنا نحو ثلاث كلمات ممحوة بالأصل.
[ ١ / ٢٤٩ ]
قسّام الكتب وقرأها فى الجامع، ووعد الرعية بالإحسان، وبترك الخراج لهم إن منعوا أفتكين من دخول البلد فقصدت يد الرياشى نائب أفتكين عنه، لقوة قسّام، وكثرة أصحابه، ودالتهم بأنهم قاتلوا جوهرا القائد ومنعوه من البلد، فأخذ الخفارة من القرى وأنفق سوق الرياشى، فتمكّن وأمن، وكثر الطامع فى البلد، فولى أفتكين رجلا يقال له «تكين» من الأتراك، فلم تنبسط يده لكثرة من غلب على دمشق من أهل الشر، فلما نزل أخوا (^١) بختيار دمشق قوى تكين، وأراد أن يقهر قسّاما، فأوقع بطائفة من أصحابه بالغوطة، ثم اصطلحا.
وكان من مجئ القرامطة ما ذكر، فنزلوا على دمشق، فمنعهم قسّام من البلد، وعمل على قتالهم، فصار له بذلك يد عند العزيز، فلما رحلوا إلى بلادهم، وتمكن ابن الجرّاح من فلسطين إلى طبرية، استولت فزارة ومرة على حوران والبثنية وخربتها حتى بطل الزرع منها، وجلا أهلها، فهلكوا من الضرّ، وصار كثير منهم إلى حمص وحماة وشيزر وأعمال حلب، فعمرت بهم البلاد.
ثم إن قسّاما وقع بينه وبين حميدان العقيلى، فثار به ونهبه، ففر منه، وقوى قسّام، وكثرت رجاله، وزاد ماله، فولى دمشق بعد حميدان أبو محمود فى نفر يسير، فكان تحت يد قسّام، لا أمر له ولا نهى.
واتفق فى هذه السنة أن ولى دمشق ظالم بن موهوب العقيلى، والقرمطى، ووشّاح، وحميدان، وأبو محمود.
وكانت واقعة فنّاخسرو مع بختيار بالعراق، فكان ممن انهزم أبو تغلب فضل الله بن ناصر الدولة ابن حمدان، فسارت خلفه عساكر فنّاخسرو، وكتب فيه إلى الأكراد والروم أن لا يجيره أحد، ففر أبو تغلب إلى آمد، وسار منها إلى الرّحبة، وكتب إلى العزيز أن يقيم فى عمله، وسار فى البر إلى حوران، فنزل على دمشق، وكتب العزيز إلى قسّام يمنعه من البلد، فمنعه، ثم أذن أن يتسوّق أصحابه من المدينة.
وطمع أبو تغلب فى ولاية دمشق من قبل العزيز، فخافه قسّام، وأشير على العزيز فى مصر
_________________
(١) الأصل: «أخوى».
[ ١ / ٢٥٠ ]
أن لا يمكّن ابن حمدان من دمشق، فإنه إن مكّن عظم شرّه، فكوتب بكل ما يحب، وكتب إلى قسّام بأن لا يمكّنه.
هذا وأبو تغلب بن حمدان نازل بظاهر المزّة، فأقام شهورا، وثقل على قسّام مقامه، وخاف أن يلى البلد، فأكمن لأصحابه فى البلد، وأخذ منهم سبعين، وقتل جماعة، وسلب الباقى، فلحقوا بأبى تغلب، فلم يطق فعل شيء، وكتب إلى العزيز، وكتب قسّام أيضا:
«بأن أبا تغلب قد حاصر البلد، ومدّ يده إلى الغوطة، وقتل رجالى، ونحن على الحرب معه»، فخرج الفضل بن صالح - كما تقدّم - ونزل الرملة، وبعث إلى ابن الجرّاح من مصر بسجلّ فيه ولايته على الرملة.
وكان أبو تغلب قد سار عن دمشق، وسار الفضل، فنزل طبرية، واجتمع به أبو تغلب بمكاتبة، وقرّر معه أن يكون على الرملة، وقدم الفضل دمشق.
فجبى (^١) الخراج، وزاد فى العطاء، واستكثر من الرجال، وخرج عنها، فأخذ طريق الساحل.
وكان أبو تغلب قد استولى على أهراء (^٢) كانت بحوران والبثنية، فاجتمعت إليه العرب من بنى عقيل، فيهم شبل بن معروف العقيلى، فسار بهم إلى الرملة فخرج منها ابن الجرّاح، وأخذ فى جمع العرب، وهو واثق بأن الفضل معه على أبى تغلب، وفى ذهن أبى تغلب أن الفضل معه على ابن الجرّاح، ونزل الفضل عسقلان، فواقع ابن الجراح بجموعه أبا تغلب، وأدركه الفضل، فاجتمع العسكران، وفرّ من كان مع أبى تغلب، فلحقوا بالفضل، ووقع القتال، فانهزم أبو تغلب، وأدركه القوم، فأخذ وحمل إلى ابن الجراح، فأركبه جملا، وشهّر بالرملة، ونزع جميع ما عليه حتى بقى بثوب رقيق، وحبسه، فطلب شيئا يتوسد عليه، فقال ابن الجرّاح:
_________________
(١) الأصل: «فجبا».
(٢) عرف صاحب القاموس الهرى (ج: أهراء) بأنه بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان والذى جرى عليه مصطلح الدول الاسلامية أن الاهراء هى الاماكن التى تخزن بها الغلال والأتبان الخاصة بالخليفة أو السلطان احتياطا للطوارئ وكانت لا تفتح الا عند الضرورة؛ والأهراء غير الشون (مفرد: شونة) التى كان يخزن بها ما يستهلك طول السنة من غلال وأحطاب وأتبان انظر: (المقريزى: اغاثة الأمة، ص ٢٨، حاشية ٤).
[ ١ / ٢٥١ ]
«اجعلوا تحته شوكا يتوسده».
فحمل إليه، وقالوا له:
«توسّد بهذا».
فأغلظ فى القول، وشتم ابن الجراح، فبلغه ذلك، فغضب، وأمر بقتله، فقتل، وأحرق ليومين بقيا من صفر سنة تسع وستين. وبعث برأسه إلى العزيز مع الفضل، وخلة الديار لابن الجرّاح، فأتت طىّ عليها فتعطلت الزروع من القرى.
وكان فنّاخسرو البويهى قد عزم على إرسال العساكر إلى مصر، فخالف عليه أخ له، واستنجد بصاحب خراسان، فأمدّه بعساكر عظيمة، فسيّر إليه فنّاخسرو العساكر من بغداد، فشغل بذلك عن مصر.
وفيها ولد للوزير يعقوب بن كلّس ولد ذكر فأرسل إليه العزيز مهدا من صندل مرصّعا (^١) وثلاثمائة ثوب، وعشرة آلاف دينار عزيزية، وخمسة عشر فرسا بسروجها ولجمها، منها اثنان ذهب، وطيب كثير، فكان مقدار ذلك مائة ألف دينار.
وعقد العزيز على امرأة فأصدقها مائتى ألف دينار، وأعطى الذى كتب الكتاب ألف دينار، وخلع على القاضى والشهود، وحملهم على البغال، فطافوا البلد بالطبول والبوقات.
وبعث متولى برقة هدية، وهى: أربعون فرسا بتجافيف (^٢)، وأربعون بغلا بسروجها ولجمها، وستة عشر حملا من المال، ومائة بغلة، وأربعمائة جمل.
وجهّز الحاج وكسوة الكعبة (^٣)، وصلات الأشراف، والطيب والشمع والزيت فبلغ مصروف ذلك مائة ألف دينار
_________________
(١) الأصل: «مرصع».
(٢) التجفاف - والجمع تجافيف - ما جلل به الفرس من سلاح وآلة تقيه الجراح - وفرس مجفف عليه تجفاف (اللسان).
(٣) لاحظ أن الكسوة كانت ترسل الى الكعبة من مصر منذ أوائل العصر الفاطمى، راجع: (المقريزى: الذهب المسبوك بذكر من حج من الخلفاء والملوك، نشر وتحقيق جمال الدين الشيال، القاهرة، ١٩٥٥).
[ ١ / ٢٥٢ ]
وكثر حلف الناس برأس أمير المؤمنين، فنودى:
«برئت الذمة من أحد قال هذا، وحلّت به العقوبة، فلا يحلفن إلا بالله وحده».
فانتهى الناس.
وفيها قدم كتّاب ومغنين (^١) ابنا زيرى بن مناد إلى القاهرة فارّين من سجن أخيهما الأمير أبى الفتوح يوسف بن زيرى، فأكرمهما العزيز، وخلع عليهما، ووصلهما.
وفيها أخرج العزيز باديس بن زيرى من القاهرة فى خيل كثيرة إلى مكة مع الحاج، فلما وصل إلى مكة أتاه الطرّارون (^٢) فقالوا:
«نتقبل هذا الموسم بخمسين ألف درهم».
فقال لهم:
«اجمعوا أصحابكم حتى أعقد هذا على جميعهم».
فلما اجتمعوا أمر بقطع أيديهم، وكانوا نيفا وثلاثين رجلا، فقطعوا أجمعين.
وأما الشام فإن العزيز بعث سلمان بن جعفر بن فلاح فى أربعة آلاف، فنزل الرملة - وبها ابن الجرّاح - فتباعد، وقد استوحش كلّ منهما من صاحبه، فأقام أياما، ورحل إلى دمشق، فوجد قسّاما قد غلب عليها، فنزل بظاهر البلد، وقد ثقل على قسّام، وأراد سلمان يأمر وينهى فى البلد فلم يقدر على ذلك، وطال مقامه فى غير شيء، وقلّ المال عنده، وأراد إقامة الحرمة فأمر قسّاما ألا يحمل أحد السلاح، فأبوا عليه، وبعث إلى الغوطة ينهاهم عن حمل السلاح:
«وأن لا يعارضوا السلطان فى بلده، ومن وجدناه بعد هذا يحمل السلاح ويأخذ الخفارة ضربنا عنقه».
فقال لهم قسّام: «لا نفكر فيه، كونوا على ما أنتم عليه»، وطاف العسكر الغوطة، فوجدوا قوما يحملون السلاح، ويأخذون الخفارة، فقطعوا رءوسهم، فثار قسّام ومن معه إلى
_________________
(١) كذا فى الأصل، وليس فى المراجع ما يعين على ضبط الاسم.
(٢) هكذا فى الأصل، ولم أجد لهذا اللفظ معنى فى المعاجم، ولعلها «الطوافون».
[ ١ / ٢٥٣ ]
الجامع، وثار الغوغاء، وأخرج إلى سلمان قوما فقاتلوه، وأقام بالجامع ومعه شيوخ البلد، وكتب محضرا أشهد فيه على نفسه أنه متى جاء عسكرا من قبل فنّاخسرو (^١)، وأغلق البلد وقاتلهم، وكتب بما جرى، وسيّر ذلك إلى العزيز، فبعث إلى سلمان أن يرحل عن دمشق، فرحل بعد ما أقام شهورا.
وقدم أبو محمود من طبرية بعد مسير ابن فلاح فى نفر، وخرج الفضل بن صالح من عند العزيز ليحتال على ابن الجرّاح وعلى قسّام، وأظهر أنه يريد حمص وحلب، ليأخذ تلك البلاد، فنزل على دمشق، وفطن ابن الجرّاح لما يريده، فأخذ حذره، وسار عن الفضل، فرحل فى طلبه، ومعه شبل بن معروف، فكانت بينه وبين ابن الجراح وقعة فى صفر سنة سبعين، فأوقع ببنى سنبس، فقتل شبل بن معروف، طعنه بعض بنى سنبس، فمات.
وبعث ابن الجرّاح إلى العزيز يتلطف به، ويسأله العفو، فأرسل إلى الفضل يأمره بالكفّ عن ابن الجرّاح، وأن لا يعرض له، فوافاه ذلك وهو يجهّز العساكر خلف ابن الجرّاح، فكفّ عن قتاله، وعاد إلى مصر.
ورجع ابن الجرّاح إلى بلاد فلسطين على ما كان، فأهلك العمل حتى كان الإنسان يدخل الرملة لطلب شيء يأكله فلا يجده وهلك الفلاحون وغيرهم من الضرّ، ومات أكثرهم.
هذا ودمشق تمتار من حمص، وكان عليها بكجور من قبل أبى المعالى شريف بن سيف الدولة ابن حمدان، وقد عمّر حمص بعد خرابها من الروم لما دخلوها فى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
واتفق خراب دمشق كما تقدّم، فرحل أهل القوافل من حمص إلى دمشق، ودمشق قد طمع فى عملها العرب حتى كانت مواشيهم تدخل الغوطة، وأبو محمود إبراهيم بن
_________________
(١) كذا بالأصل، والجملة ناقصة غير مفهومة والنص عند (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق، ص ٢٣) - ولعله المرجع الذى يأخذ عنه المقريزى هنا لتشابه النصين - واضح، ولهذا آثرنا نقله هنا للمقارنة والايضاح: «وثار قسام ومعه الى الجامع؛ ولم يشهد الحرب مع أصحابه، وقد أحضر المشايخ وكتب بما جرى الى مصر؛ وعمل محضرا على نفسه أنه «متى جاء للملك عضد الدولة عسكر أغلق الأبواب وقاتله ليكون لك معونة على ما يريده» فلما وقف عليه العزيز وافق غرضه وأنفذ رسله وكتابه الى سليمان بن فلاح يأمره بالرحيل من دمشق … الخ».
[ ١ / ٢٥٤ ]
جعفر واليا عليها تحت مذلة قسّام، فهلك فى صفر سنة سبعين، فكاتب بكجور العزيز، فوعده بولاية دمشق، فورد الخبر بموت فنّاخسرو، فأمن العزيز ممّا كان يخاف، وجهّز عسكرا عليه رشيق المصطنع.
وكان بشارة الخادم الإخشيدى قد فسد أمره مع أبى المعالى بحلب، ففرّ منه فى مائة رجل إلى مصر، فأكرمه العزيز، وولاّه طبرية، فاستمال رجالا من أهل حلب، وضبط البلد وعمّره فقوى أمره، وابن الجرّاح بفلسطين يخرّب ويأخذ الأموال.
وقدم أيضا على العزيز رخا الصّقلى فى ثلاثمائة غلام من الحمدانية، فولاّه عكّا، وقدم رخا فى عدة منهم، فولاه أيضا قيسارية.
[ ١ / ٢٥٥ ]