فى المحرم ردّت الحسبة إلى الوبرة النصرانى ضمانا مع السواحل، فأمر أبو محمد الحسن ابن عمار بالنظر فى الظلامات وحوائج الناس، وتدبير الأموال، ومحاسبة أرباب الدواوين، فجلس لذلك، ثم أعفى منه، وأمر القائد الفضل بن صالح بالجلوس لذلك، فجلس بالقصر ومعه القاضى محمد بن النعمان.
وقدم سابق الحاج فخلع عليه، وطيف به.
ويخرج العزيز إلى الجيزة لصيد سبع، وعاد وهو بين يديه على بغل.
وظهر بمصر جراد لم يعهد مثله، فبيع بالأسواق منه شيء يجلّ عن الوصف، وكان يباع أربعة أرطال بدرهم.
ووصلت قافلة الحاج لأربع بقين من صفر.
وعرض على العزيز عمل الخراج ووجوه الأعمال وتقدير ذلك، وابتدئ فيه بمصروف مئونته ومطابخه وموائده فحذفه، ولعن من عمله، وقال:
«أشبع أنا وتجوع الناس، أطلقوا أرزاق الناس على الأدوار، فقد كدت أن أعطل المائدة»
وفى أول ربيع الأول أمر العزيز الكتّاب كلّهم أن يمتثلوا ما يأمر هو به أبو الفضل جعفر ابن الفرات، فركبوا إليه، وأمر ونهى، وتكلم فى الدواوين.
وكانت وقعة فى البحر مع الروم بنواحى الإسكندرية، وأسر فيها من الروم سبعون.
وأمر بنصب أزيار الماء على الحوانيت مملوءة ماء؛ ووقود المصابيح على الدور وفى الأسواق.
وقرئ سجلّ بألا يؤخذ على الموازين والأرطال حقّ طبع، وألا يأخذ أعوان المحتسب من أحد شيئا.
[ ١ / ٢٧٧ ]
ووردت مراكب الروم إلى الإسكندرية، فسار إليها العسكر فى البر، والأسطول فى البحر، فولوا من غير حرب إلى الشام، فسار الأسطول إليهم، وزيد فيه ثمانية عشر مركبا، مشحونة بالسلاح والمقاتلة.
وذكر عند العزيز كتاب العين فى اللغة، فأخرج منه نيفا وثلاثين نسخة من خزائنه، منها واحدة بخط الخليل بن أحمد مؤلفها.
وحملت إليه نسخة من تاريخ الطبرى اشتراها بمائة دينار، فأمر الخزّان فأخرجوا من خزائنه عشرين نسخة، منها نسخة بخط محمد بن جرير جامعه.
وذكرت عنده جمهرة ابن دريد فأخرج منها مائة نسخة
وفيها ركب العزيز (^١) لفتح الخليج بزيّه.
وظهر رجل من الرسيّين يقال له القاسم بن على يطلب الخلافة بأعمال الحجاز.
وفى جمادى وردت هدية منصور بن يوسف بن زيرى من المغرب، وهى:
مائة وخمسون فرسا (^٢).
وخمس عشرة بغلة مسرجة.
ومائة وثمانون فرسا ذكورا.
وخمسون حجرة.
وخمسون بغلة بأجلّة (^٣).
وثلاثمائة بغل بأكف، منها مائة بغل تحمل صناديق المال.
وخمسمائة وخمسة وثلاثون جملا تحمل البر (^٤) (؟) وغيره،؟؟؟ مائة عليها أحمال المال.
_________________
(١) الاصل: «المعز» وهو خطأ واضح.
(٢) الاصل: «فرسخا» وهو خطأ واضح
(٣) انظر ما فات هنا ص ٢٤٩ هامش ٢.
(٤) هذه الكلمة شبه ممحوة فى الاصل، وما أثبتناه قراءة ترجيحية، ومن المحتمل أن تقرأ «التبر».
[ ١ / ٢٧٨ ]
وكلاب الصيد.
وخمسة أفراس بسروجها لولد العزيز، وعشرون فرسا بأجله.
وخمسة عشر خادما صقالبة.
وجلس العزيز عند المصلى وعلى رأسه المظلة، وسارت العساكر بين يديه قبيلة قبيلة، وعرضت عليه الخيول والرجال على الرسم فى كل سنة.
وحضر الفقهاء وغيرهم فى رجب بجامع القاهرة فى ليالى الجمع، وفى ليلة النصف على العادة.
وفى تاسع عشر شعبان ركب العزيز فوقف على فرسه تحت شراع نصب له، ومرّت العساكر بالخيل والجواشن والخوذ، فمروا قائدا قائدا، كل واحد بعسكره فى حجّابه وشاكريته (^١) وبنوده، وكانوا مائة وستين قائدا، فيهم من عسكره ثلاثة آلاف إلى ألفين، وكان الغرض بهذا العرض أن يرى رسول منصور بن زيرى العساكر.
واستعفى جعفر بن الفرات من النظر فى الأموال، فأعفى وحوسب، وضمن عدة من الكتاب القيام بوجوه الأموال، وألزم ابن الفرات بمال.
وخطب العزيز فى رمضان بجامعه، وصلى بالناس صلاة الجمعة، ومعه ابنه منصور، فجعلت المظلّة على الأمير منصور بن العزيز، وصار العزيز بغير مظلة، وصلى أيضا صلاة عيد الفطر، ومعه ابنه على الرسم.
وسارت قافلة الحاج للنصف من ذى القعدة بالكسوة للكعبة والصّلات، فخرج حاجّ كبير، وخرج معهم ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل، وبلغت النفقة على الكسوة والصلات ثلاثمائة ألف دينار.
ووصل البقط (^٢) من النوبة على العادة، ومعهم فيل وزرافة.
_________________
(١) الشاكرى معناها الساعى أو الرسول، ومن معانيها كذلك السيف العريض المنحنى ذو الحدين. راجع (Dozy:Supp.Dict.Arab .)
(٢) البقط اسم أطلق على الهدنة التى عقدت بين عبد الله بن سعد بن أبى السرح وملك النوبة بعد غزوه لها سنة ٣١ هـ، وكانت بمثابة معاهدة سياسية وتجارية بين مصر ومملكة النوبة المسيحية، ومن شروطها ألا يعتدى أحدهما على الآخر، وأن تؤدى النوبة الى مصر عددا معينا من الرقيق كل سنة، وأن ترسل مصر الى النوبة قدرا معينا من القمح والعدس وغيرهما من محاصيل مصر كل سنة. أما اللفظ من الناحية اللغوية فيقال انه مأخوذ من الكلمة اللاتينية Pactum، ومعناها عقد أو اتفاق، ويقال كذلك أنها مأخوذة عن الكلمة المصرية القديمة Bakt بمعنى عبد. انظر (Enc.Isl.art.Bakt)
[ ١ / ٢٧٩ ]
وفيها كثر بخس الباعة فى البيع من المكاييل والموازين، فكتب سجلّ فى الأسواق بالنهى عن ذلك، وخوّفوا بأن من وجدت عنده صنجة أو كيل أو ميزان بعد ثلاث وفيها عيب حلّت به العقوبة، كائنا من كان من ساكن فى عقار الدواوين الخاصة والأملاك أو فى رباع أحد من خواص الدولة، أو ظهر عليه بأنه بخس الناس أو غشّ.
وحمل سماط العيد، وخطب العزيز بالمصلى بعد ما صلى صلاة عيد النحر بزيّه، وفرّق الضحايا ونحر.
وخرّج على جعفر بن الفرات خراج ضياعه بالشام مبلغ خمسة وخمسون ألف دينار، فألزم بذلك، وتسلمت ضياعه المذكورة حتى استوفى ذلك منها، فأصابه عنت عظيم.
وعمل عيد الغدير على العادة.
وفى هذه السنة كسفت الشمس بأجمعها فى سلخ جمادى الآخرة، فأظلمت الدنيا وظهرت النجوم حتى لم ير الإنسان كفّه، ثم انجلى الكسوف آخر النهار.
وفيها حمل من تنّيس صبىّ يعرف بحسين بن عمر إلى القاهرة لم يبل قطّ، فاعتبر حاله بها فكان كذلك، وسقى أدوية مدرّة للبول فلم يبل، فأحسن إليه، وأعيد إلى تنّيس، وأقام بها مدة حتى مات.
[ ١ / ٢٨٠ ]