وأمير المؤمنين المعز لدين الله.
وخليفته القائد جوهر.
والقاضى أبو طاهر محمد بن أحمد.
والخراج نصفين: إلى على بن محمد بن طباطبا، وعبد الله بن عطاء الله؛ والنصف الآخر إلى الحسن بن عبد الله، والحسين بن أحمد الروذبارى.
وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب.
وصاحب المظلة شفيع الصقلى (^١).
وطبيبه موسى بن العازار.
والشرطة السفلى إلى عروبة بن إبراهيم، وشبل المعرضى.
والشرطة العليا إلى خير [بن القاسم] (^٢).
وإمام الجامع العتيق والخطبة إلى عبد السميع بن عمر العباسى.
وإمام الصلوات الخمس الحسن بن موسى الخياط.
ولست (¬*) عشرة بقيت من المحرم قلّد المعزّ الخراج، ووجوه الأموال جميعها، والحسبة، والسواحل، والجوالى، والأحباس، والمواريث، والشرطتين، وجميع ما ينضاف إلى ذلك، وما يطوى فى مصر وسائر الأعمال أبا الفرج يعقوب بن يوسف الوزير، وعسلوج بن الحسن،
_________________
(١) ج: «الصقلبى».
(٢) أكملنا الاسم بعد مراجعة ما يلى من النص هنا، انظر ص ١٤٤ و١٤٧. (¬*) أورد المقريزى هذا الخبر وبنصه كذلك فى: (الخطط، ج ١، ص ١٣٢). وذكر هناك أنه ينقله عن سيرة المعز لدين الله لابن زولاق.
[ ١ / ١٤٤ ]
وكتب لهما بذلك سجلا. قرئ يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون؛ وقبضت أيدى سائر العمال والمتضمنين.
وجلسا غد هذا اليوم فى دار الإمارة (^١) فى جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع وسائر وجوه الأموال، وحضر الناس للقبالات، وطالبوا بالبقايا من الأموال مما على المالكين والمتقبلين والعمال *، واستقصيا فى الطلب، ونظرا فى المظالم.
وفيه تبسطت المغاربة فى نواحى القرافة والمعافر، فنزلوا فى الدور، وأخرجوا الناس من دورهم، ونقلوا السكان وشرعوا فى السكنى فى المدينة، وكان المعز أمرهم أن يسكنوا فى أطراف المدينة، فخرج الناس واستغاثوا إلى المعز، فأمر أن يسكنوا نواحى عين شمس، وركب المعز بنفسه حتى شاهد المواضع التى ينزلون فيها، وأمر لهم بمال يبنون به، وهو الموضع الذى يعرف اليوم بالخندق، وخندق العبيد؛ وجعل [لهم] واليا وقاضيا؛ وأسكن أكثرهم فى المدينة مخالطين لأهل مصر، ولم يكن جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت فيها، وحظر ذلك عليهم، وكان مناديه ينادى كل عشية: «لا يبيتن فى المدينة أحد من المغاربة».
وفى يوم عاشوراء انصرف خلق من الشيعة وأتباعهم من المشاهد من قبر كلثم بنت محمد بن جعفر بن محمد الصادق، ونفيسة (^٢)، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين، وكسروا أوانى السقائين فى الأسواق، وشققوا الروايا، وسبّوا من ينفق فى هذا
_________________
(١) يذكر المقريزى هنا أن هذه الدار كانت فى جامع ابن طولون، غير أنه عقد لها فصلا خاصا فى (الخطط، ج ٤، ص ٤٢) ذكر فيه ان هذه الدار كانت بجوار الجامع الطولونى «انشأها احمد بن طولون عند ما بنى الجامع، وجعلها فى الجهة القبلية، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه الى المقصورة بجوار المحراب والمنبر .. ولم تزل هذه الدار باقية الى أن قدم المعز لدين الله من بلاد المغرب، فكان يستخرج فيها أموال الخراج ..» ثم ذكر هذا الخبر الوارد هنا نقلا عن ابن زولاق.
(٢) هى السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب، ولى أبوها امرة المدينة لأبى جعفر المنصور مدة، ثم قبض عليه وحبسه الى أن أطلقه المهدى ورد عليه جميع ما كان أخذه المنصور منه، ورحلت السيدة نفيسة مع زوجها اسحاق بن جعفر الصادق من المدينة الى مصر، فأقامت بها الى أن ماتت فى شهر رمضان سنة ٢٠٨، وقبرها معروف بالقاهرة يزار حتى اليوم. انظر: (النجوم الزاهرة، ج ٢، ص ١٨٥ - ١٨٦).
[ ١ / ١٤٥ ]
اليوم، وثارت إليهم جماعة، فخرج إليهم أبو محمد الحسن بن عمّار، ومنع الفريقين، ولولا ذلك لعظمت الفتنة، لأن الناس كانوا غلقوا الدكاكين وعطلوا الأسواق، وقويت أنفس الشيعة بكون المعز بمصر.
وكانت مصر لا تخلو من الفتن فى يوم عاشوراء عند قبر كلثم وقبر نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب فى الأيام الإخشيدية والكافورية، وكان سودان كافور يتعصبون على الشيعة، ويتعلق السودان فى الطرق بالناس ويقولون للرجل: «من خالك؟» فإن قال: «معاوية» أكرموه، وإن سكت لقى المكروه، وأخذت ثيابه وما معه، حتى كان كافور يوكل بأبواب الصحراء، ويمنع الناس من الخروج.
ولما جلس يعقوب بن كلّس وعسلوج بن الحسن الونهاجى لعقد الضياع توفرت الأموال، وزيد فى الضياع، وتكاشف الناس.
وفى صفر طيف بنحو مائتى رأس قدم بها من المغرب.
ومات ابن عم للمعز، فصلى عليه المعز، وكبّر سبعا، وكبّر على غيره خمسا، وهذا مذهب على بن أبى طالب: أنه يكبر على الميت على قدر منزلته.
ومات إسحاق بن موسى طبيب المعز، فجعل موضعه أخاه إسماعيل بن موسى.
وامتنع يعقوب وعسلوج أن يأخذ فى الاستخراج إلا دينارا معزيا، فاتضع الدينار الراضى وانحط، ونقص من صرفه أكثر من ربع دينار، فخسر الناس من أموالهم، وكان صرف المعزى خمسة عشر درهما ونصف.
واشتد الاستخراج، وأكّد المعز فيه ليرد ما أنفقه من أمواله على مصر، لأنه قدم مصر يظن أن الأموال مجتمعة، فوجدها قد فرقتها مؤن مصر وكثرة عساكرها، وكان الذى أنفقه المعز على مصر ما لا يضبط أو يعرفه إلا هو أو خزانه.
وحدثنى بعض كتاب بيت (^١) ماله قال:
_________________
(١) هذا اللفظ غير موجود فى (ج).
[ ١ / ١٤٦ ]
«حملنا إلى مصر أكياسا فارغة - أنفق ما كان فيها - فى أربعة أعدال على جملين».
وكدّ يعقوب وعسلوج أنفسهما فى الاستخراج، فاستخرج فى يوم نيف وخمسون ألف دينار معزية، وكان استخراجا بغير براءة ولا خرج ولا حوالة؛ واستخرج فى يوم مائة وعشرون ألف دينار معزية، وفى يوم آخر من مال تنّيس ودمياط والأشمونين أكثر من مائتى ألف وعشرين ألف دينار، وهذا لم يسمع بمثله قط فى بلد، إلا أن فى أيام العزيز استخرج خير بن القاسم، وعلى بن عمر العدّاس، وعبد الله بن خلف المرصدى فى ثلاثة أيام مائتى ألف دينار وعشرين ألف دينار عزيزية، منها فى أول يوم أربعة وسبعين ألف دينار والباقى [فى] يومين، وذلك فى سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
وفى شهر ربيع الآخر كثر الإرجاف بالقرامطة وانتشارهم فى أعمال الشام، وكان معهم عبد الله بن عبيد الله أخو أبى جعفر مسلم، فكتب إليه المعز بعد ما شكاه إلى أخيه مسلم.
وفيه دخل الناس إلى قصر المعز وفيهم: الأشراف، والعمال، والقواد، وسائر الأولياء من كتامة وغيرهم، فقال إنسان لبعض الأشراف: «اجلس يا شريف»، فقال بعض الكتاميين:
«وفى الدنيا شريف غير مولانا؟! لو ادعى هذا غيره قتلناه».
خرج الإذن للناس، وبلغ المعز هذا، فلما جلس على سريره وأذن للناس بالجلوس قال:
«يا معشر الأهل وبنى العم من ولد فاطمة: أنتم الأهل، وأنتم العدة، وما نرضى بما بلغنا من القول، وقد أخطأ من تكلم بما قيل لنا، لكم بحمد الله الشرف العالى، والرحم القريبة، ولئن عاود أحد لمثل ما بلغنا لننكلن به نكالا مشهورا».
فقبّلت الجماعة الأرض، ودعوا وشكروا، وكان المتكلم حاضرا فانقمع وندم.
وحدّث المعز أنه رأى فى منامه رسول الله ﷺ كان جالسا وبين يديه سيوف منها ذو الفقار، فأخذ على بن أبى طالب ذا الفقار فضرب به عنق القرمطى الأعسم، وضرب حمزة عنق أخى الأعسم، وضرب جعفر عنق آخر؛ وانكبّ المعز يقبّل رجل النبى ﷺ، فنسخ الناس هذه الرؤيا.
[ ١ / ١٤٧ ]
وحمل مال الأحباس من المودع (^١) إلى بيت المال الذى لوجوه البرّ، وطولب أصحاب الأحباس بالشرائط ليحملوا عليها.
ولما وقف المعز على حبس عمرو بن العاص، وأن محمد بن أبى بكر كان قبضه وضرب عليه صافية لأمير المؤمنين على بن أبى طالب - أهل الحق -، وأن عمرو بن العاص إنما حبسه لما عاد إلى مصر فى أيام معاوية، أخرج ذلك - من كتاب أبى عمر الكندى (^٢) - القاضى النعمان بن محمد، فحمله إلى المعز فقال: «هذا مال لنا، فليحمل إلينا مفردا من مال الأحباس»، ففعل ذلك.
وفى ربيع الآخر ثارت المغاربة فى صحراء المقابر، ونهبوا الناس، فأنكر المعز ذلك، وقبض على جماعة.
وفيه اعتلّ المعز واحتجب، فاضطربت الرعية، ولم يره أحد.
وفى جمادى الأولى أرجف بالقرامطة، وقوى الاستخراج، ومنع الناس من الحضور فى الديوان لئلا يقفوا على مبلغه؛ وجلس المعز للناس، فسرّوا بسلامته.
وحمل أبو جعفر مسلم إلى المعز المصحف الكبير الذى كان يذكر أنه كان ليحيى بن خالد ابن برمك، وكان شراؤه أربعمائة دينار على مسلم، فلما رآه المعز قال:
«أراك معجبا به، وهو يستحق الإعجاب، ولكن نفاخرك نحن أيضا».
_________________
(١) المودع: صندوق كان يعد لحفظ مال مخصص لجهة معينة أو لغرض معين، ويعهد بحفظه الى القاضى، وأول ما استعمل فى مصر الاسلامية لحفظ أموال اليتامى، وأول من استحدثه القاضى عبد الرحمن بن عبد الله العمرى (١٨٥ - ١٩٤)، وكان هذا المودع يسمى ايضا «تابوت القضاة». انظر (الكندى: القضاة، ص ٤٠٥) حيث يذكر أن العمرى: «أول من عمل تابوت القضاة الذى كان فى بيت المال .. أنفق عليه أربعة دنانير، كانت تجمع فيه أموال اليتامى ومال من لا وارث له، وكان مودع القضاة بمصر» وذكر المقريزى (الخطط، ج ٣، ص ١٤٩) أن «مودع الحكم الذى فيه أموال اليتامى والغياب» كان فى عهده فى فندق مسرور. انظر أيضا: (المقريزى: السلوك، ج ١، ص ٨٦٤) و(Dozy:Sup.Dict.Arab)
(٢) هو المؤرخ المصرى المعروف، ولعله يقصد هنا كتابه «الولاة والقضاة».
[ ١ / ١٤٨ ]
فدعا بمصحف نصفين ما رؤى أحسن منهما خطا وإذهابا وتجليدا، فقال:
«هذا خط المنصور، وإذهابه وتجليده بيده».
فقال له مسلم:
«فثمّ مصحف بخط مولانا المعز لدين الله ﵇؟».
فقال: «نعم».
وأخرج له نصفين.
فقال: «ما رأيت أصبح من هذا الخط».
فقال المعز: «بعد مشاهدتك لخط المنصور تقول: ما رأيت أصبح من هذا الخط، ولكنه أصبح من خطك».
ثم ضحك وقال: «أردت مداعبتك».
وكان أبو جعفر مسلم إذا ذكر المعز يقول:
«وددت أن أبى وجدي شاهداه ليفتخرا به، فما أقدر أن أقرن به أحدا من خلفاء بنى أمية ولا بنى العباس».
وتوفى محمد بن الحسن بن أبى الحسين - أحد خواص المعز -، فخرج المعز وهو فى بقايا علته، وتقدّم إلى القاضى النعمان بن محمد بغسله وبكفنه، وصلى عليه المغرب، وفتح تابوته وأضجعه.
وبعد تسعة عشر يوما توفى القاضى النعمان بن محمد أول رجب، فخرج المعز يبين الحزن عليه، وصلى عليه، وأضجعه فى التابوت، ودفن فى داره بالقاهرة.
وفى شعبان دخل أبو جعفر مسلم علي المعز، فلما توسّط صحن الإيوان قال له أخوه عيسى:
«إن الأمير عبد الله فى المجلس فسلّم عليه».
وكان فى المجلس جماعة، فدخل أبو جعفر على المعز وقبّل الأرض، وقام قائما، وقال:
«يا أمير المؤمنين: حدثنى أبى عن أبيه عن جده عن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد قال: «دخلت أنا وأخى عبد الله على يعقوب بن صالح بن المنصور - وهو يومئذ
[ ١ / ١٤٩ ]
أمير المدينة - فقال: من أين أقبل الشيخان؟ فقالا: من عند رسول الله ﷺ، سلمنا عليه وأتيناك، فقال: سلمتما على صاحبيه؟ فقلنا: لا، فقال سبحان الله، كيف لم تسلما على صاحبيه؛ فقال له أخى عبد الله: سألتك بالله أيها الأمير أيهما أقرب؟ ابنك هذا منك أو صاحبى رسول الله من رسول الله؟ فقال: ابنى هذا، فقال: ما سلمنا على ابنك فى مجلسك إجلالا لك، فنسلم على صاحبى رسول الله بحضرة رسول الله؟ فقال: والله ما قصرتما»، ثم قال مسلم: «تأذن يا أمير المؤمنين فى السلام على الأمير عبد الله؟» فأذن له، قال عيسى: «وكان المعزّ لمسلم مكرما».
وفيه كثر الإرجاف بالقرامطة ودخول مقدمتهم أرياف مصر وأطراف المحلة، [وأنهم] ونهبوا واستخرجوا الخراج ثم رجعوا إلى أعمال الشام.
وأمر المعزّ المغاربة بالخروج من مصر والسكنى بالقاهرة ففعلوا.
وردّ المعز الشرطة العليا إلى خير بن القاسم فاستقصى على المغاربة فى الخروج إلى القاهرة.
وعاودت المعز العلة فاحتجب أياما لا يراه أحد، ثم جلس للناس فهنوه، وعرضوا أنفسهم للقتال، فشكرهم على ذلك.
ووصلت سريّة القرامطة إلى أطراف الحوف، وأنفذ القرمطىّ عبد الله بن عبيد الله - أخا مسلم - إلى الصعيد، فنزل فى نواحى أسيوط وإخميم، وحارب العمال، واستخرج الأموال، فثقل ذلك على المعز، وعاتب أبا جعفر مسلم، فاعتذر إليه، وتبرّأ من أفعاله، ونزل الأعسم القرمطى بعسكره بلبيس، وتأهّب المعزّ لمنعه وردّه.
وقد أحببت أن أورد هنا جملة من أخبار القرامطة لتكرر دخولهم إلى مصر:
[ ١ / ١٥٠ ]