هذه الدولة اتسعت أكناف مملكتها، وطالت مدتها، فنحتاج نستقصى ذكرها، فنقول:
أول من ولى منهم: أبو محمد عبيد الله، فقيل هو محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب؛ ومن ينسبه هذا النسب يجعله: عبد الله بن ميمون القداح - الذى ينسب إليه القداحية -.
وقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثانى بن محمد بن إسماعيل بن جعفر - يعنى الصادق -، وقد اختلف العلماء فى صحة نسبه (^١).
فقال: - هو وأصحابه القائلون بإمامته - إن نسبه صحيح، ولم يرتابوا فيه. وذهب كثير من العلماء بالأنساب إلى موافقتهم أيضا، وشهد بصحة هذا القول ما قاله الشريف الرضىّ (^٢).
ما مقامى على الهوان؟ وعندى … مقول صارم، وأنف حمىّ
ألبس الذلّ فى بلاد الأعادى! … وبمصر الخليفة العلوىّ؟
من أبوه أبى، ومولاه مولا … ى إذا ضامنى البعيد القصىّ
لفّ عرقى بعرقه سيّدا النا … س جميعا: محمد وعلىّ
إنّ ذلّى بذلك الحىّ عزّ، … وأوامى بذلك الرّبع رىّ
_________________
(١) ناقش موضوع النسب الفاطمى عدد كبير من المؤرخين القدامى والمحدثين، راجع أحدث ما كتبه فى هذا الموضوع B.Lewis"The Origins of Ismailism "
(٢) يوجد فى هامش نسخة الأصل تعريف بالشريف الرضى، هذا نصه: «بخطه: الشريف الرضى أبو الحسن محمد بن أبى أحمد حسين بن موسى بن محمد بن موسى بن ابراهيم بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين ابن على بن أبى طالب، ولد سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، ومات فى المحرم سنة أربع وأربعمائة».
[ ١ / ٣٥ ]
قال (أى ابن الأثير):
إنما لم يودعها ديوانه خوفا، ولا حجة فيما كتبه فى المحضر المتضمن القدح فى أنسابهم، فإن الخوف يحمل على أكثر من هذا، على أنه قد ورد ما يصدّق ما ذكرته، وهو أن القادر بالله لما بلغته هذه الأبيات أحضر القاضى أبا بكر الباقلانى (^١)، وأرسله إلى الشريف أبى أحمد الموسوى - والد الشريف الرضى - يقول له:
«قد عرفت منزلك منا، وما لا نزال عليه من صدق الموالاة، وما تقدم لك فى الدولة من مواقف محمودة، ولا يجوز أن تكون أنت على خليقة نرضاها، ويكون ولدك على ما يضادها؛ ولقد بلغنا أنه قال شعرا، وهو كذا وكذا، فيا ليت شعرى على أى مقام ذلّ أقام؟ وهو ناظر فى النقابة والحج - وهما من أشرف الأعمال - ولو كان فى مصر لكان كبعض الرعايا».
وأطال القول.
فحلف أبو أحمد أنه ما علم بذلك، وأحضر ولده، فقال له فى المعنى، فأنكر الشعر، فقال له:
«اكتب خطّك إلى الخليفة بالاعتذار، واذكر فيه أن نسب المصرى مدخول، وأنه مدّع فى نسبه».
فقال: «لا أفعل».
فقال أبوه: «أتكذبنى فى قولى؟»
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم المعروف بالباقلانى البصرى، كان أشعرى المذهب ومن أئمة علماء الكلام فى وقته، وله تصانيف كثيرة، (انظر بيانها فى: البداية والنهاية، وبروكلمان)، لم يطبع منها الا كتاب «اعجاز القرآن»، ومن أهم كتبه التى لم تصلنا كتاب يتصل بموضوع هذا الكتاب وضعه للرد على الباطنية وعنوانه: (كشف الأسرار وهتك الأستار)، وقد نقل عنه ابن تغرى بردى فى (النجوم، ج ٤، ص ٧٥) فقرات تتضمن الطعن فى نسب الفاطميين، وقد كان الباقلانى موفور الذكاء، ويروى ابن كثير أن عضد الدولة بعثه فى رسالة الى ملك الروم، وقد بدرت منه أثناء رسالته بوادر عرف منها ملك الروم وفور همته وعلو عزيمته، توفى سنة ٤٠٣ هـ. انظر: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٢٧٨ - ٢٧٩) و(ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١١، ص ٣٥٠ - ٣٥١) و(ابن تغرى بردى: النجوم، ج ٤، ص ٢٣٤) و«دائرة المعارف الاسلامية، مادة الباقلانى وما بها من مراجع).
[ ١ / ٣٦ ]
فقال: «ما أكذّبك، ولكن أخاف الديلم، وأخاف من المصرى، ومن الدعاة التى له فى البلاد».
فقال أبوه: «أتخاف من هو بعيد منك وتراقبه، وتسخط من أنت بمرأى منه ومسمع، وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك؟».
وتردد القول بينهما، ولم يكتب الرضىّ خطّه، فحرد عليه أبوه وغضب، وحلف أن لا يقيم معه فى بلد، فآل الأمر إلى أن حلف الرضىّ أنه ما قال هذا الشعر.
واندرجت القصة على هذا.
ففى (^١) امتناع الرضىّ من الاعتذار، ومن أن يكتب طعنا فى نسبهم دليل قوىّ على صحة نسبهم.
وسألت أنا جماعة من أعيان العلويين عن نسبه فلم يرتابوا فى صحته.
وذهب غيرهم إلى أن نسبه مدخول ليس بصحيح، وغلا طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبه يهوديا.
وقد كتب فى الأيام القادرية محضر يتضمن القدح فى نسبه ونسب أولاده، وكتب فيه جماعة من العلويين (^٢) وغيرهم: أن نسبه إلى أمير المؤمنين على - كرّم الله وجهه - غير صحيح.
وزعم القائلون بصحة نسبه أن العلماء ممن كتب فى المحضر إنما كتبوا خوفا وتقية، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله.
وزعم الأمير عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شدّاد بن تميم بن المعز بن باديس - صاحب تاريخ إفريقية والغرب - أن نسبه معرق فى اليهودية، ونقل فيه عن جماعة من العلماء، وقد استقصى ذلك فى ابتداء دولتهم وبالغ.
_________________
(١) الأصل «فبقى»، والتصحيح عن ابن الأثير، وبه يستقيم المعنى
(٢) ذكر (ابن الأثير: الكامل، ج ٨، ص ١٠) أسماء العلويين الذين وقعوا على المحضر، فراجعها هناك وراجع كذلك (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١١، ص ٣٤٦) و(ابن تغرى بردى: النجوم، ج ٤، ص ٢٣٠ - ٢٣١).
[ ١ / ٣٧ ]
وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنه فى نسبه، وما عداه فقد أحسن فيما ذكر، قال:
«لما بعث الله محمدا ﷺ عظم ذلك على اليهود والنصارى والروم والفرس وسائر العرب، لأنه سفّه أحلامهم، وعاب أديانهم، فاجتمعوا يدا واحدة عليه، فكفاه الله كيدهم، وأسلم منهم من هداه الله، فلما قبض ﷺ نجم النفاق، وارتدّت العرب، وظنوا أن أصحابه يضعفون بعده، فجاهد أبو بكر ﵁ فى سبيل الله، فقتل مسيلمة وأهل الردّة، ووطّأ جزيرة العرب، وغزا فارس والروم، فلما حضرته الوفاة ظنوا أن بوفاته ينتقض الإسلام، فاستخلف عمر بن الخطاب ﵁ فأذلّ فارس والروم، وغلب على ممالكهما، فدسّ عليه المنافقون أبا لؤلؤة فقتله، ظنا منهم أن بقتله ينطفئ نور الإسلام، فولى عثمان ﵁، فزاد فى الفتوح، فلما قتل وولى على ﵁ قام بالأمر أحس قيام، فلما يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة أخذوا فى وضع الأحاديث الكاذبة، وتشكيك ضعفة العقول فى دينهم، بأمور قد ضبطها المحدثون، وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه.
وكان أول من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبى زينب - مولى بنى أسيد (^١)، وأبو شاكر، ميمون بن ديصان، وغيرهما، فألقوا إلى كل من وثقوا به أن لكل شيء من العبادات باطنا، وأن الله لم يوجب على أوليائه ومن عرف [من] الأئمة والأبواب صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك، ولا حرّم عليهم شيئا، وأباحوا لهم نكاح الأمهات والأخوات، وقالوا: هذه قيود للعامة، وهى ساقطة عن الخاصة، وكانوا يظهرون التشيع لآل النبى ﷺ ليستروا أمرهم، ويستميلوا العامة.
_________________
(١) كذا فى الأصل، وعند ابن الأثير: «بنى أسد»، انظر تفصيل الحديث عن ابن الخطاب وعن الخطابية فى: (الكشى: معرفة الرجال، ص ١٨٧ - ١٩٩) و(الرازى: اعتقادات المسلمين، ص ٥٨) و(النوبختى: فرق الشيعة، ص ٤٢ و٤٤ و٦٩). (B.Lewis:Op.Cit.P .٣٢ - ٤٣) و(الاسفرايينى: التبصير فى الدين، ص ٧٣ - ٧٤). و(المقريزى: الخطط، ج ٤ ص ١٧٤ - ١٧٥).
[ ١ / ٣٨ ]
وتفرق أصحابهم فى البلاد، وأظهروا الزهد والعبادة، يغرون الناس بذلك وهم على خلافه، فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة، وكان أصحابه قالوا له: «إنا نخاف الجند» فقال لهم: «إن أسلحتهم لا تعمل فيكم».
فلما ابتدءوا فى ضرب أعناقهم، قال له أصحابه:
«ألم تقل إن سيوفهم لا تعمل فينا؟»
فقال: «إذا كان قد بدا لله فما حيلتى؟»
وتفرقت هذه الطائفة فى البلاد، وتعلموا الشعبذة (^١)، والنارنجيات (^٢)، والنجوم، والكيمياء، فهم يحتالون على كل قوم بما ينفق عليهم، وعلى العامة بإظهار الزهد.
ونشأ لابن ديصان ابن يقال له «أبو عبد الله القداح (^٣)» علّمه الحيل، وأطلعه على أسرار هذه النحلة، فحذق وتقدم.
وكان بنواحى أصبهان (^٤) رجل يعرف بمحمد بن الحسين، ويلقب بدندان (^٥)، يتولى
_________________
(١) يقال شعوذ وشعبذ، والشعوذة أو الشعبذة خفة فى اليد، وأخذ كالسحر، يرى الشئ بغير ما عليه أصله فى رأى العين، وهو مشعوذ ومشعوذ، والشعوذى رسول الأمراء على البريد (القاموس).
(٢) النارنجيات أو النيرنجيات عرفها (Dozy:Supp.Dict.Arab) بأنها الرقى أو الطلاسم أو السحر (enchantements)، وجاء فى القاموس أن النيرنج أخذ كالسحر وليس به، انظر الفصل الذى عقده (ابن النديم فى الفهرست، ص ٤٢٩ - ٤٣٥) عن أخبار المعزمين والمشعبذين والسحرة، وأصحاب النارنجيات والحيل والطلسمات.
(٣) كذا فى الأصل وفى ج، وعند ابن الأثير «عبد الله القداح».
(٤) جاء فى (معجم البلدان لياقوت) نقلا عن حمزة بن الحسن أن أصبهان اسم مشتق من الجندية لأنه اذا رد الى أصله بالفارسية كان «أسباهان»، وهى جمع أسباه أى الجند، ويقال لها أيضا أصفهان، وقد اختلفت الروايات عند ذكر السنة التى فتحها فيها المسلمون، فهى سنة ١٩ أو ٢١ أو ٢٣، انظر أخبارها بالتفصيل فى: (أبو نعيم: أخبار أصفهان، جزءان) و(دائرة المعارف الاسلامية، مادة أصفهان وما بها من مراجع).
(٥) فى الأصل: «ديدان»، وقد اختلفت المراجع فى رسم هذا الاسم، فهو زيدان، وزندان، وذيذان .. الخ، كذلك اختلفت المراجع السنية والشيعية عند التعريف به، فهو فى المراجع السنية: محمد بن الحسين الملقب بدندان أو ذيذان، كان رجلا ثريا يعيش بنواحى كرخ وأصفهان، كما كان فارسيا شعوبيا، كارها للعرب، اجتمع وعبد الله بن ميمون فى سجن -
[ ١ / ٣٩ ]
تلك المواضع، وكان يبغض العرب، ويجمع مساويهم، فسار إليه القداح، وعرّفه من ذلك ما زاد به محله، وأشار إليه أن لا يظهر ما فى نفسه ويكتمه، ويظهر التشيع والطعن على الصحابة، فاستحسن قوله، وأعطاه مالا ينفقه على الدعاة إلى هذا المذهب، فسيّر دعاته إلى كور الأهواز، والبصرة، والكوفة، والطالقان (^١)، وخراسان، وسلمية من أرض حمص.
وتوفى القدّاح ودندان، فقام من بعد القدّاح ابنه أحمد، وصحبه انسان يقال له أبو القاسم رستم بن الحسين بن فرج (^٢) بن حوشب بن زاذان النجار، من أهل الكوفة، وألقى إليه مذهبه فقبله، وسيّره إلى اليمن، وأمره بلزوم العبادة والزهد، ودعا الناس إلى المهدى، وأنه خارج
_________________
(١) = - والى العراق حيث أسسا مذاهب الباطنية، ثم قدم دندان لعبد الله ألفا ألف دينار ليصرف منها على نشر الدعوة، ثم بدأ دندان ينشر دعوته فى منطقة الجبل، فتبعه جماعة من الأكراد، انظر (الفهرست لابن النديم، ص ٢٦٧) و(البغدادى: الفرق بين الفرق، ص ٢٧٠) و(الاسفرايينى: التبصير فى الدين، ص ٨٣) .. الخ وهو فى المراجع الشيعية أبو جعفر أحمد بن الحسين بن سعيد بن حماد بن سعيد بن مهران من الأهواز، وكان من الغلاة، وله تصانيف كثيرة، وكان أبوه الحسين من الثقات، روى الكثير عن على الرضا (٢٠٢ - ٨١٧) ومحمد الجواد (٢٢٠ - ٨٣٥) وعلى الهادى (٢٤٥ - ٨٦٨)، وهو أصلا من الكوفة، ثم رحل الى الأهواز حيث ولد له أحمد، ثم ارتحل الى قم حيث مات بها. انظر مثلا: (الفهرست للطوسى، ص ٢٦، ١٠٤) و(ابن شهرآشوب: معالم العلماء، ص ١٠ و٣٥)، ولتوضيح حقيقة دندان انظر: (Lewis:Op.Cit.P .١٢،٥٦ - ٥٨،٦٩ - ٧١):
(٢) الطالقان بلدتان احداهما بين قزوين وأبهر، والثانية بخراسان بين مروالروذ وبلخ، ولعل الثانية هى التى يقصدها النص هنا. انظر (معجم البلدان لياقوت).
(٣) فى ابن الاثير: «ابن الحسين بن حوشب بن دادان»، وهناك اختلافات كبيرة عند ذكر اسمه فى المراجع المختلفة، كما يتبين عند مقارنة نصى الأصل وابن الأثير، وهو فى الخطط للمقريزى: «أبو القاسم الحسين بن فرج بن حوشب الكوفى» ويسمى أيضا منصور اليمن، ويرى (Key:Op.Cit.P .٣٢٣) أن هذه الكنية ليست جزءا من اسمه الحقيقى، وانما هى صفة يقصد بها أنه الرجل الذى انتصر على يده المذهب فى اليمن، وقد ذكر (البهاء الجندى: تاريخ القرامطة الملحق بتاريخ اليمن لعمارة، ص ١٤١) - نقلا عن ابن الجوزى - أن ابن حوشب وصل مع على بن الفضل الى اليمن فى سنة ٢٧٩، وقد قارن (Kay:P .٢٢٥) نصوص المراجع المختلفة وأثبت أنهما وصلا الى اليمن سنة ٢٦٨، وقد روى (الجندى، ص ١٥٠) أن ابن حوشب توفى سنة ٣٠٢ بعد وصوله بأربع وثلاثين سنة، انظر أيضا: (ابن مالك: كشف أسرار الباطنية، ص ٢٢ - ٢٨) و(Kay:Op.Cit.P.١٩١،٢٨٢ ctc .)
[ ١ / ٤٠ ]
فى هذا الزمان، فنزل بعدن بقرب قوم من الشيعة يعرفون ببنى موسى، فأظهر أمره، وقرّب أمر المهدى، وأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح.
واتصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق، فساروا إليه، وكثر جمعهم، وعظم بأسهم، وأغاروا على من جاورهم، وسبوا، وجبوا الأموال، وأرسل إلى من بالكوفة من ولد القداح هدايا عظيمة.
وأوفدوا إلى المغرب رجلين: أحدهما الحلوانى، والآخر أبو سفيان (^١)، وقالوا لهما:
«إن المغرب أرض بور، فاذهبا فاحرثا حتى يجئ صاحب البذر».
فسارا، ونزل أحدهما بأرض كتامة، فمالت قلوب أهل تلك النواحى إليهما، وحملوا إليهما الأموال والتحف، فأقاما سنين كثيرة وماتا، وكان من إرسال أبى عبد الله الشيعى إلى المغرب ما كان.
فلما توفى عبد الله بن ميمون القداح ادّعى ولده أنه من ولد عقيل بن أبى طالب، وهم مع هذا يسترون أمرهم، ويخفون أشخاصهم.
وكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم، فتوفى وخلّف ولده محمدا، ثم توفى محمد وخلّف أحمد والحسين، فسار الحسين إلى سلمية، وله بها ودائع من جهة جده عبد الله القداح، ووكلاء وغلمان.
وبقى ببغداد من أولاد القداح أبو الشلعلع، وكان الحسين يدّعى أنه الوصىّ وصاحب الأمر، والدعاة باليمن المغرب يكاتبونه، واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية،
_________________
(١) يوجد بالهامش فى نسخة الأصل ونسخة (ج) تعريف بالحلوانى وأبى سفيان منقول عن المؤلف وخطه، ونصه: «بخطه: الحلوانى وأبو سفيان أنفذهما جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين السبط بن أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵈ الى بلاد المغرب فى سنة خمس وأربعين ومائة، وقال لهما: انكما تدخلان أرضا بورا لم تحرث قط، فاحرثاها وكرماها وذللاها حتى يأتى صاحب البذر، فيضع فيها حبه، فنزل أبو سفيان من أرض المغرب مدينة مرماجنة، ونزل الحلوانى بموضع يسمى سوق حماد، فلم يزالا يدعوان الناس لطاعة آل البيت حتى استمالا قلوب جمع كثير من كتامة وغيرها الى محبة آل البيت، وصاروا شيعة لهم الى أن دخل اليهم صاحب البذر أبو عبد الله الشيعى بعد مائة وخمس وثلاثين سنة، وكان من أمره ما كان».
[ ١ / ٤١ ]
فوصفوا له امرأة رجل يهودى حداد مات عنها زوجها [وهى فى غاية الحسن] (^١) ولها ولد من الحداد يماثلها فى الجمال، فأحبها وحسن موقعها منه، وأحب ولدها، وأدّبه وعلمه، فتعلم العلم، وصارت له نفس عظيمة، وهمة كبيرة، فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول إن الإمام الذى كان بسلمية - وهو الحسين - مات ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهودى (^٢) الحداد
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج)
(٢) اعتاد المؤرخون السنيون أن يرددوا هذا الرأى القائل بانتساب الفاطميين الى أصل يهودى، وترداد هذا الرأى - الى جانب القول بانتمائهم الى ميمون القداح - دليل قوى على بعده عن الحقيقة، وعلى أنه وضع لتجريح الفاطميين والتشكيك فى صحة نسبهم، مما دفع (Lacy O'Leary:The Fatimid Caliphate،P .٣٣ - ٣٤) أن يسمى هذا الرأى «الخرافة اليهودية «The Jewish Legend، وقد اتخذت هذه الخرافة فى تلك المراجع أشكالا أربعة:
(٣) أول اشارة اليها توجد فى (ابن مالك: كشف أسرار الباطنية، ص ١٧ وما بعدها)، وقد نقلها عنه باختصار (الجندى: أخبار القرامطة، ص ١٤٠)، وخلاصة رأى ابن مالك أن عبد الله بن ميمون «كان يعتقد اليهودية ويظهر الاسلام، وهو من اليهود من ولد الشلعلع من مدينة سلمية، وكان من أحبار اليهود، وأهل الفلسفة، وكان صائغا يخدم شيعة اسماعيل ابن جعفر الصادق، وكان حريصا على هدم الشريعة المحمدية .. الخ».
(٤) وتروى بعض المراجع الأخرى. انظر مثلا (Maqrizi،Quatremere P .١١٥) و(ابن الأثير: الكامل، ج ٨) و(أبو الفداء، ج ٢ ص ٦٣ - ٦٤) نفس الرواية المذكورة هنا فى المتن، وخلاصتها أن الحسين - من نسل ميمون - وقد تزوج امرأة يهودى وتبنى ولدها، ونقل اليه الدعوة، وقد روى هذه القصة أيضا عبد العزيز بن شداد، ورواها منسوبة الى القاضى عبد الجبار البصرى كل من (أبى المحاسن: النجوم، ٤، ص ٧٥) و(السيوطى: تاريخ الخلفاء، ص ٣).
(٥) أما الشكل الثالث لهذه الرواية فيتلخص فى أن سعيدا كان ابنا لجارية من جوارى جعفر الصادق، وقد أولدها اياه رجل يهودى كان يحبها. انظر: (ابن عذارى: البيان المغرب، ج ١، ص ١٥٨).
(٦) أما الشكل الرابع فيتلخص فى أن سعيدا قتل فى سجنه بسلمية، وحفظا للدعوة أظهر أبو عبد الله - مكان سعيد - عبدا يهوديا، ونادى به خليفة. انظر: (Maqrizi،Quatermere،P .١٠٨) ومن الواضح أن هذا الاختلاف فى الروايات دليل آخر على ضعف هذه القصة وبعدها عن الصحة، ويرى (B.Lewis:Op.Cit.P .٦٨) أن استعانة الفاطميين باليهود وتوليتهم الوظائف الكبرى فى الدولة مما دفع أعداءها الى ابتداع هذه القصة، واتهامهم بالانتماء الى أصل يهودى، ويؤيد لويس رأيه هذا بأن ابن مالك - وهو أول راو لهذه القصة - كان يعيش فى عهد المستنصر، وقد تولى الوزارة فى عهد هذا الخليفة اثنان من اليهود، هما: ابن سهل التسترى، وصدقة الفلاحى. انظر: (ابن -
[ ١ / ٤٢ ]
- وهو عبيد الله -، وعلّمه أسرار الدعوة من قول وفعل، وأين الدعاة، وأعطاه الأموال والعلامات، وتقدّم إلى أصحابه بطاعته وخدمته، وأنه الإمام والوصىّ، وزوّجه ابنة عمه أبى الشلعلع، وجعل لنفسه نسبا، وهو:
عبيد الله بن الحسين بن على بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب.
وبعض الناس يقول: إن عبيد الله هذا من ولد القداح».
وقال [أى ابن الأثير]: هذه الأقوال فيها ما فيها، فيا ليت شعرى، ما الذى حمل أبا عبد الله الشيعى وغيره ممن قام فى إظهار هذه الدعوة حتى يخرجوا الأمر من أنفسهم ويسلموه إلى ولد يهودى؟! وهل يسامح نفسه بهذا الأمر [من] يعتقده دينا يثاب عليه؟!
قال: فلما عهد الحسين إلى عبيد الله قال له: إنك ستهاجر بعدى هجرة بعيدة، وتلقى محنا شديدة» فتوفى الحسين، وقام بعده عبيد الله، وانتشرت دعوته، وأرسل إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة من المغرب ليخبروه بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه.
وشاع خبره عند الناس أيام المكتفى، فطلب، فهرب هو وولده أبو القاسم - الذى ولى بعده وتلقب بالقائم - وهو يومئذ غلام، وخرج معه خاصته ومواليه يريد المغرب، وذلك أيام زيادة الله بن الأغلب.».
انتهى ما ذكره ابن الأثير.
قال المؤلف (^١) - رحمة الله عليه -: وأما المحضر فنسخته:
«هذا ما شهد به الشهود:
_________________
(١) = - منجب الصيرفى: الاشارة الى من نال الوزارة ص ١٩ - ٢٣ و٣٧ و٥٢) و(صبح الأعشى، ج ٣، ص ٤٨٦)، فأثار هذا العمل شعور المسلمين، ولا يعتمد لويس عند ابداء رأيه هذا على استقراء الحوادث فقط، وانما يستعين بقول ابن مالك نفسه (ص ١٩ - ٢٠) وهو، «والدليل على أنهم من اليهود استعمالهم اليهود فى الوزارة والرئاسة، وتفويضهم اليهم تدبير السياسة، ما زالوا يحكمون فى دماء المسلمين وأموالهم .. الخ».
(٢) ج: «قال كاتبه»
[ ١ / ٤٣ ]
أن معدّ بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد ينسب إلى ديصان بن سعيد الذى تنسب إليه الديصانية.
وأن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والخزى والدمار - ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله -.
وأن من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين - أدعياء خوارج، لا نسب لهم فى ولد على بن أبى طالب ﵁:
وأن ما ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل.
وأن هذا الناجم فى مصر - هو وسلفه - كفّار، فساق، زنادقة، ملحدون، معطلون، وللإسلام جاحدون، أباحوا الفروج، وأحلّوا الخمور، وسبّوا الأنبياء، وادعوا الربوبية».
وفى آخره: «وكتب فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة».
وقال العلامة أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون (^١) فى كتاب: «العبر وديوان المبتدأ والخبر»:
ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين فى العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة، من نفيهم عن أهل البيت - صلوات الله عليهم - والطعن فى نسبهم إلى إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، يعتمدون فى ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بنى العباس، تزلفا إليهم بالقدح فيمن ناصبهم، وتفننا فى الشمات بعدوهم، حسب ما تذكر بعض هذه الأحاديث فى أخبارهم؛ ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات، وأدلة الأحوال التى اقتضت
_________________
(١) من المعروف أن المقريزى كان تلميذا لابن خلدون، وقد تأثر به تأثرا كبيرا. انظر (مقدمة اغاثة الأمة للمقريزى نشر الدكتورين زيادة والشيال)، وهو هنا ينقل عنه دفاعه عن الفاطميين وتأييده لصحة نسبهم، غير أن (السخاوى: الضوء اللامع، ج ٤، ص ١٤٧ - ١٤٨) يقول: «والعجب أن صاحبنا المقريزى كان يفرط فى تعظيم ابن خلدون، لكونه كان يجزم بصحة نسب بنى عبيد الى على، ويخالف غيره فى ذلك، ويدفع ما نقل عن الأئمة من الطعن فى نسبهم، ويقول: انما كتبوا ذلك المحضر مراعاة للخليفة العباسى، وكان صاحبنا - أى المقريزى - ينتمى الى الفاطميين، فأحب ابن خلدون لكونه أثبت نسبهم، وغفل عن مراد ابن خلدون، فانه كان لانحرافه عن آل على يثبت نسب الفاطميين اليهم لما اشتهر من سوء معتقد الفاطميين، وكون بعضهم نسب الى الزندقة وادعى الالهية .. الخ» انظر أيضا: (السخاوى: الاعلان بالتوبيخ، ص ٩٤) و(عنان: ابن خلدون، حياته وتراثه الفكرى).
[ ١ / ٤٤ ]
خلاف ذلك من تكذيب دعواهم، والرد عليهم، فإنهم متفقون فى حديثهم عن مبدأ دولة الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعا - بكتامة - للرضى من آل محمد، واشتهر خبره، وعلم تحويمه على عبيد الله المهدى، وابنه أبى القاسم خشيا على أنفسهما، فهربا من المشرق - محل الخلافة -، واجتازا بمصر.
وأنهما خرجا من الاسكندرية فى زىّ التجار، ونمى خبرهما إلى عيسى (^١) النوشرى - عامل مصر - فسرّح فى طلبهما الخيّالة، حتى إذا أدركا خفى حالهما على تابعهما بما لبسوا من الشارة والزىّ، فأقبلوا إلى المغرب.
وأن المعتضد أوعز إلى الأغالبة - أمراء إفريقية بالقيروان -، وبنى مدرار (^٢) - أمراء سجلماسة - بأخذ الآفاق عليهما، وإذكاء العيون فى طلبهما، فعثر اليسع (^٣) - صاحب سجلماسة ابن آل مدرار - على خفىّ مكانهما ببلده، واعتقلهما مرضاة للخليفة.
هذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة بالقيروان.
ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بإفريقية والمغرب، ثم باليمن، ثم بالاسكندرية، ثم بمصر والشام والحجاز؛ وقاسموا بنى العباس فى ممالك الإسلام شق الأبلمة (^٤)، وكادوا (^٥) يلجون عليهم مواطنهم، ويديلون من أمرهم.
_________________
(١) الأصل: «موسى»، وهو خطأ واضح.
(٢) بنو مدرار أمراء سجلماسة حكموا هذه المدينة قرنين من الزمان (١٥٥ - ٣٥٢ - ٧٧٢ - ٩٦٣) ألا ثلاث فترات استولى فيها الفاطميون على هذه المدينة، المرة الاولى فى ٢٩٦ ولبثوا فيها الى ٢٩٨، وكان ذلك فى عهد اليسع الثانى المستنصر، والمرة الثانية فى سنة ٣٠٩ فى عهد أحمد بن ميمون، والمرة الثالثة فى سنة ٣٤٧ وهى آخر سنة من حكم محمد الشاكر لله. انظر: (Zambaur:Op.Cit.P .٦٤ - ٦٥)
(٣) هو اليسع الثانى المستنصر ثامن حكام سجلماسة من آل مدرار، حكمها بين سنتى (٢٧٠ - ٢٩٦ - ٨٨٣ - ٩٠٩)، وهو الذى قبض على عبيد الله المهدى وأودعه السجن الى أن أطلق سراحه واستولى على المدينة أبو عبد الله الشيعى.
(٤) شق الأبلمة أى نصفين
(٥) فى الأصل: «وكانوا» وما هنا صيغة ابن خلدون.
[ ١ / ٤٥ ]
ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيرى (^١) - من موالى الديلم المتغلبين على خلفاء بنى العباس - فى مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم، وخطب لهم على منابرها حولا كاملا.
وما زال بنو العباس يغصّون بمكانهم ودولتهم، وملوك بنى اميه - وراء البحر - ينادون بالويل والحرب منهم.
وكيف يقع هذا كله لدعىّ فى النسب، يكذب فى انتحال الأمر؟!
واعتبر حال القرمطى إذ كان دعيّا فى انتسابه، كيف تلاشت دعوته، وتفرّق اتباعه، وظهر سريعا على خبثهم ومكرهم، فساءت عاقبتهم، وذاقوا وبال أمرهم، ولو كان أمر العبيدين كذلك لعرف ولو بعد مهلة.
(٦ - ب)
فمهما تكن عند امرئ من خليقة … وإن خالها تخفى على الناس تعلم
فقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا مقام إبراهيم ومصلاه، وموطن الرسول ومدفنه، وموقف الحجيج، ومهبط الملائكة، ثم انقرض أمرهم وشيعتهم فى ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم (^٢)، والحب فيهم، واعتقادهم ينسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق.
ولقد خرجوا مرارا - بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها - داعين إلى بدعتهم، هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم، يزعمون استحقاقهم للخلافة، ويذهبون إلى تعيينهم بالوصية ممن سلف قبلهم من الأئمة، ولو ارتابوا فى نسبهم لما ركبوا أعناق الأخطار فى الانتصار لهم، فصاحب البدعة لا يلبس [فى] أمره، ولا يشبه فى بدعته، ولا يكذب نفسه فيما ينتحله.
_________________
(١) هو أبو الحارث أرسلان - الملقب بالمظفر - البساسيرى، وهذا الاسم نسبة شاذة الى المدينة الفارسية «بسا» أو (فسا). انظر (ياقوت: معجم البلدان)، وكان البساسيرى أحد القواد العباسيين آخر أيام بنى بويه، ثم حدث نزاع بينه وبين ابن مسلمة وزير الخليفة العباسى القائم بأمر الله، لأنه طلب مساعدة السلاجقة للتخلص من بنى بويه، فلما دخل طغرل بك بغداد سنة ٤٤٧ (١٠٥٥ م) اضطر البساسيرى الى الفرار، ثم كاتب الخليفة المستنصر الفاطمى، فأمده هذا بالمال والسلاح، وفى سنة ٤٥٠ (١٠٥٨ م) دخل بغداد ظافرا، وأقام الخطبة للمستنصر، وبعث البشائر الى مصر، وفى سنة ٤٥١ تغلب عليه ثانية طغرل بك وقتله، وأعاد الخطبة للخليفة العباسى، انظر تفصيل هذه الثورة وأخباره فى (النجوم الزاهرة، ج ٥، ص ٥ - ١٢) و(الوفيات لابن خلكان، ج ١، ص ١٠٧) و(دائرة المعارف الاسلامية).
(٢) فى الأصل: «الصاغية اليهم»، وما هنا عن ابن خلدون.
[ ١ / ٤٦ ]
والعجب فى القاضى أبى بكر الباقلانى - شيخ النظار من المتكلمين - يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة، ويرى هذا الرأى الضعيف، فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد فى الدين، والتعمق فى الرافضية، فليس ذلك بدافع فى صدد بدعتهم، وليس إثبات منتسبهم بالذى يغنى عنهم من الله شيئا فى كفرهم، وقد قال تعالى لنوح ﵇ فى شأن ابنه:
«إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (^١) [و] قال ﷺ لفاطمة يعظها: «يا فاطمة: اعملى، فلن أغنى عنك من الله شيئا».
ومتى عرف امرؤ قضية، أو استيقن أمرا، وجب عليه أن يصدع به «وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» (^٢).
والقوم كانوا فى مجال لظنون الدول بهم، وتحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم، وانتشارهم فى القاصية بدعوتهم، وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى، فلاذت رجالاتهم بالاختفاء، ولم يكادوا يعرفون. كما قيل:
فلو تسأل الأيام ما اسمى ما درت … وأين مكانى؟ ما عرفن مكانى
حتى لقد سمى محمد بن إسماعيل الإمام - جد عبيد الله المهدى - بالمكتوم، سمّته بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من اخفائه حذرا من المتغلبين عليهم، فتوصّل شيعة آل العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن فى نسبهم، وازدلفوا بهذا الرأى الفائل (^٣) إلى المستضعفين من خلفائهم، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم، المتولون لحروبهم مع الأعداء، يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر والحجاز من البربر الكتاميين - شيعة العبيديين وأهل دعوتهم -، حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم من هذا النسب، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة، منهم:
_________________
(١) السورة ١١، الآية ٤٦.
(٢) السورة ٤، الآية ٣٣.
(٣) الرأى الفائل أى الخاطئ أو الضعيف، فقد جاء فى القاموس: «قال رأيه يفيل فيولة وفيلة أخطأ وضعف».
[ ١ / ٤٧ ]
الشريف الرضى (^١).
وأخوه المرتضى (^٢).
وابن البطحاوى.
ومن العلماء:
أبو حامد الاسفرايينى (^٣).
والقدورى (^٤).
والصميرى (^٥).
_________________
(١) أبو الحسن محمد الشريف الرضى، ولد سنة ٣٥٩، وتوفى سنة ٤٠٦ ببغداد، ولى نقابة الطالبيين والنظر فى المظالم والحج بالناس نيابة عن أبيه ثم وليها وحده سنة ٣٨٨ - وأبوه حى - وكان شاعرا ممتازا، وله ديوان كبير طبع أكثر من مرة. انظر ترجمته بالتفصيل فى: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٣٦٢ - ٣٦٧) و(النجوم الزاهرة، ج ٣ و٤) و(ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣ - ٤).
(٢) أبو القاسم على الشريف المرتضى، ولد سنة ٣٥٥، وتوفى سنة ٤٣٦، تولى نقابة الطالبيين نيابة عن أبيه - مدة حياته - ثم وليها وحده فى سنة ٤٠٦ بعد وفاة أخيه الشريف الرضى، كان شاعرا مجيدا كأخيه، وله ديوان ومؤلفات فى المذهب الشيعى، ويقول ابن خلكان: «وقد اختلف الناس فى كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الامام على بن أبى طالب، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضى، وقد قيل انه ليس كلام على، وانما الذى جمعه ونسبه اليه هو الذى وضعه». انظر: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ١٤ - ١٧) و(ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٣ و٤، الصفحات المذكورة بالفهرس) و(ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٥٣). انظر أيضا بيان مؤلفاته فى: (معجم سركيس).
(٣) أحمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الاسفرايينى امام الشافعية فى زمانه، ولد سنة ٣٤٤، له مصنفات كثيرة، وكان يتوسط بين الخليفة القادر وبين السلطان محمود بن سبكتكين، توفى سنة ٤٠٦، انظر: (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ح ٤، ص ٢٤٩) و(ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢ - ٣).
(٤) أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان أبو الحسن القدورى الحنفى، انتهت اليه رئاسة أصحاب أبى حنيفة فى بغداد، وكان ثبتا مناظرا، وهو الذى تولى مناظرة الشيخ أبى حامد الاسفرايينى شيخ الشافعية توفى سنة ٤١٨ عن ست وخمسين سنه. انظر: (أنساب السمعانى) و(البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٤) و(النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٢٣٠).
(٥) الحسين بن على بن محمد بن جعفر أبو عبد الله الصيمرى - نسبة الى نهر بالبصرة يقال له صيمر - ولد سنة ٣٥١، انتهت اليه رئاسة الحنفية ببغداد، وولى قضاء المدائن ثم قضاء ربع الكرخ، توفى فى شوال سنه ٤٣٦ عن خمس وثمانين سنة. انظر: (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٥٢) و(ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٥، ص ٣٨).
[ ١ / ٤٨ ]
وابن الاكفانى (^١).
والأبيوردى (^٢).
وأبو عبد الله بن النعمان (^٣) - فقيه الشيعة -.
وغيرهم من أعلام الأئمة ببغداد، فى يوم مشهود وذلك سنة اثنتين وأربعمائة فى أيام القادر؛ وكانت شهادتهم فى ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد، وغالبها شيعة بنى العباس، الطاعنون فى هذا النسب، فنقله الأخباريون - كما سمعوه -، ورووه - حسبما وعوه -، والحق من ورائه.
وفى كتاب المعتضد - فى شأن عبيد الله - إلى ابن الأغلب بالقيروان، وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد، وأوضح دليل على صحة نسبهم، فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من كل أحد، والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع، وتلتمس فيه ضوال الحكم، وتحدى إليه ركائب الروايات والأخبار، وما نفق فيها نفق عند الكافة، فإن تنزهت الدولة عن التعسف والميل والأفن والشقشقة، وسلكت النهج الأمم، ولم تجر عن قصد السبيل، نفق بأسواقها الإبريز الخالص، واللجين المصفى، وإن ذهبت مع الأغراض والحقود، وماجت
_________________
(١) عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو محمد المعروف بابن الأكفانى، قاضى قضاة بغداد، ولد سنة ٣١٦، وتوفى سنة ٤٠٥ عن خمس وثمانين سنة، ولى الحكم منها أربعين سنة نيابة واستقلالا. انظر: (البداية والنهاية، ج ١١، ص ٣٥٤) و(النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٢٣٧)
(٢) أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد أبو العباس الأبيوردى، أحد أئمة الشافعية من تلاميذ أبى حامد الاسفرايينى، كانت له حلقة فى جامع المنصور للفتيا، وولى الحكم ببغداد نيابة عن ابن الأكفانى، وكان يقول الشعر الجيد، توفى سنة ٤٢٥. انظر: (البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٧) و(النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٢٧٩).
(٣) محمد بن محمد أبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة، قال ابن كثير: «شيخ الامامية الروافض والمصنف لهم، والمحامى عن حوزتهم»، كانت له منزلة عند بنى بويه وملوك الأطراف لميلهم الى المذهب الشيعى، وكان يحضر مجلسه خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف، ومن تلاميذه الشريفان الرضى والمرتضى، توفى سنة ٤١٣. انظر: (ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ١٥ - ١٦) و(أبو المحاسن: النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٢٥٨).
[ ١ / ٤٩ ]
بسماسرة البغى والباطل، نفق البهرج (^١) والزائف، والناقد البصير قسطاس نظره، وميزان بحثه وملتمسه» (^٢).
قال (أى ابن خلدون):
«وكان الإسماعيلية من الشيعة يذهبون إلى أن الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه من بعده، وأن الإمام بعده ابنه محمد المكتوم، وبعده ابنه جعفر المصدق، وبعده ابنه محمد الحبيب، وكانوا أهل غلو فى دعاويهم فى هؤلاء الأئمة.
وكان محمد بن جعفر هذا يؤمل ظهور أمره والظفر بدولته.
وكان باليمن من هذا المذهب كثير بعدن فى قوم يعرفون ببنى موسى؛ وكذلك كان بإفريقية من لدن جعفر الصادق بمرماجنة، وفى كتامة، وفى نفزة (^٣) وسماتة، تلقوا ذلك من الحلوانى (^٤) وابن بكار (^٥) - داعيتى جعفر الصادق -، وقدم على جعفر بن محمد - والد عبيد الله -
_________________
(١) البهرج الباطل أو الردئ أو الزائف، وأكثر ما يوصف به الدرهم الذى فضته رديئة، أو الدينار الذى ذهبه ردئ. انظر: (المقريزى: اغاثة الأمة بكشف الغمة، ص ٦٢، حاشية ١، ص ٦٧، حاشية ٣).
(٢) الى هنا ينتهى ما نقله المقريزى عن مقدمة ابن خلدون، ثم ينقل بعد ذلك عن تاريخه مع اختلاف فى النصين ايجازا واضافة، انظر: (تاريخ ابن خلدون، ج ٤، ص ٣١ - ٣٣، ج ٣، ص ٣٦٠ - ٣٦١).
(٣) قال (ياقوت فى معجم البلدان) «انها مدينة بالمغرب بالأندلس»، وفى (الحميرى: الروض المعطار، ص ٩) ما يفيد أن نفزة ليست بالأندلس، وانما على الشاطئ المقابل لها فى المغرب الأقصى.
(٤) المتواتر هنا وفى المراجع المختلفة أن الداعيتين اللذين أرسلا الى المغرب هما الحلوانى وأبو سفيان، ولم أجد فى غير هذا المكان ذكرا لابن بكار هذا، ولعل هذه كنية أخرى لأبى سفيان.
(٥) توجد بالهامش فى النسختين فقرة ايضاحية، هذا نصها: «كان بعث أبى عبد الله جعفر بن محمد الصادق بأبى سفين (كذا) وبالحلوانى الى المغرب فى سنة خمس وأربعين ومائة، وأمرهما أن يبسطا علم الأئمة، ولا يتجاوزا افريقية، ثم يفترقان فينزل كل واحد منهما ناحية، فامتثلا ذلك، وكان الحلوانى يقول: بعثت أنا وأبو سفين، فقيل لنا: اذهبا الى المغرب فانكما تأتيان أرضا بورا، فاحرثاها وكرماها وذللاها، الى أن يأتيها صاحب البذر فيجدها مذللة فيبذر حبه فيها، وكان بين دخولهما المغرب ودخول صاحب البذر - وهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا - مائة وخمس وثلاثون سنة» انظر ما فات هنا ص ٤٠، هامش ٢.
[ ١ / ٥٠ ]
من أهل اليمن رجل من أولئك الشيعة، يعرف بعلى بن الفضل، فأخبره بأخبار اليمن، فبعث معه أبا القاسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب الكوفى - من رجالات الشيعة -، وقال له: «ليس لليمن إلا أنت»، فخرجا من القادسية سنة ثمان وستين ومائتين، ودخلا اليمن، على حين انخلع محمد بن يعفر (^١) من الملك، وأظهر التوبة، فدعوا للرضى من آل محمد، وظهرت الدعوة سنة سبعين، وتسمى أبو القاسم بالمنصور، وابتنى حصنا بجبل لاعة (^٢)، وزحف بالجيوش، وفتح مدائن اليمن، وملك صنعاء، وأخرج بنى يعفر، وفرّق الدعاة فى اليمن والبحرين، واليمامة، والسند، والهند، ومصر والمغرب.
وكان أبو عبد الله المحتسب داعى المغرب، وأصله من الكوفة، واسمه الحسين بن أحمد ابن محمد بن زكريا، من رام هرمز (^٣) وكان محتسبا بسوق الغزل من البصرة، وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس محمد.
ويعرف أبو عبد الله بالمعلم، كان يعلّم الناس مذهب الإمامية الباطنية، واتصل بالإمام محمد بن جعفر، ورأى أهليته، فأرسله إلى ابن حوشب - صاحب اليمن -، وأمره بامتثال أمره، والاقتداء بسيرته، ثم يذهب بعدها إلى المغرب، ويقصد بلد كتامة، فلما بلغ إلى ابن حوشب لزمه، وشهد مجالسه، وأفاد علمه، ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة حتى أتى الموسم، ولقى به رجالات كتامة واختلط بهم، ووجد لديهم بذرا من ذلك المذهب - كما قدمنا -، فاشتملوا عليه، وسألوه الرحلة فارتحل معهم إلى بلدهم، ونزل بها، وجاهر
_________________
(١) محمد بن يعفر ثانى ولاة اليعفريين على صنعاء والجند، ولى من ٢٥٩ الى ٢٧٩ (٨٧٢ - ٨٩٢).
(٢) فى المراجع الجغرافية مدينة عدن لاعة، ووادى لاعة، وليس بها جبل لاعة، وعلى كل فقد كانت منطقة لاعة باليمن من المواضع الأولى التى ظهرت بها الدعوة الفاطمية، وقد كانت مقرا للداعيتين على بن الفضل، وأبى عبد الله الشيعى. انظر «معجم البلدان لياقوت» و(Kay:Op.Cit.P .٢٣٢ - ٢٣٣)
(٣) رسمها ياقوت متصلة، وذكر أنها مركبة من لفظين: رام لفظة فارسية ومعناها مقصود أو مراد، وهرمز أحد الأكاسرة، وقال حمزة: رامهرمز اسم مختصر من رامهرمز أردشير، وقال ياقوت انها «مدينة مشهورة بنواحى خوزستان، والعامة يسمونها رامز كسلا منهم عن تتمة اللفظ».
[ ١ / ٥١ ]
بمذهبه، وأعلن إمامة أهل البيت، ودعا للرضى من آل محمد - على عادة الشيعة -، وأطاعته قبائل كتامة بعد فتن وحروب، ثم اجتمعوا على تلك الدعوة.
ثم هلك الإمام محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بعد أن عهد لابنه عبيد الله المهدى، وشاع خبر دعاته باليمن وإفريقية، وطلبه المكتفى، وكان يسكن عسكر مكرم، فانتقل إلى الشام، ثم طلب ففر بنفسه وبابنه أبى القاسم - وكان غلاما حدثا -، وبلغ مصر، وأراد قصد اليمن، فبلغه أن على بن المفضل أحدث فيها الأحداث من بعد ابن حوشب، وأساء السيرة، فكره دخول اليمن، واتصل به شأن أبى عبد الله، وما فتح الله عليه بالمغرب، فاعتزم على اللحاق به؛ وسرّح عيسى النوشرى - عامل مصر - فى طلبه، وكانوا خرجوا من الإسكندرية فى زىّ التجار، فلما أدركت الرفقة خفى حالهم، بما اشتبه من الزى، فأفلتوا إلى المغرب».
انتهى كلام ابن خلدون ﵀
قال المؤلف - رحمة الله عليه -:
وأنت إذا سلمت من العصبية والهوى، وتأملت ما قد مرّ ذكره من أقوال الطاعنين فى أنساب القوم علمت ما فيها من التعسف والحمل مع ظهور التلفيق فى الأخبار، وتبيّن لك منه ما تأبى الطباع السليمة قبوله، ويشهد الحسّ السليم بكذبه، فإنه قد ثبت أن الله تعالى لا يمد الكذاب المفتعل بما يكون سببا لانحراف الناس إليه، وطاعتهم له على كذبه.
قال تعالى عن نبيه محمد ﷺ؛ «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» (^١).
وقال تعالى فى الدلالة على صدقه: «أَ فَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ» (^٢).
وقد علم أن الكذب على الله تعالى، والافتراء عليه فى دعوى استحقاق الخلافة النبوية على الأمة، والإمامة لهم شرعا بكونه من ذرية رسول الله ﷺ وآل بيته، من
_________________
(١) السورة ٦٩ (الحاقة) الآيات ٤٤ - ٤٦
(٢) السورة ٢١ (الأنبياء) آية ٤٤.
[ ١ / ٥٢ ]
أعظم الجنايات، وأكبر الكبائر، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يظهر من تعاطى ذلك واجترأ عليه، ثم يمده فى ظهوره بمعونته، ويؤيده بنصره حتى يملك أكثر مدائن الإسلام، ويورثها بنيه من بعده، وهو تعالى يراه يستظهر بهذه النعم الجليلة على كذبه، ويفتن بمخرقته العباد، ويحدث بباطله الفتن العظيمة والحروب المبيدة فى البلاد، ثم يخليه - تعالى - وما تولى من ذلك بباطله من غير أن يشعره شعار الكذابين، ويحلّ به ما من عادته تعالى أن يحلّ بالمفسدين، فيدمره وقومه أجمعين.
كما لا يليق بحكمته تعالى أن يخذل من دعا إلى دينه، وحمل الكافة على عبادته، ولا يؤيده على إعلاء كلمته، بل يسلمه فى أيدى أعداء دينه المجاهرين بكفرهم وطغيانهم، حتى يزيدهم ذلك كفرا إلى كفرهم، وضلالا إلى ضلالهم، فإنّ فعله هذا بالصادق فى دعائه إليه تعالى كتأييده الكاذب فيها سواء، بل الحكمة الإلهية والعادة الربانية، وسنة الله التى قد خلت فى عباده، اقتضت أنه تعالى إذا رأى الكذاب يستظهر بالمحافظة على التنمس بالباطل، ويتوصل إلى إقامة دولته بالكذب، ويحيلها بالزور فى ادعائه نسبا إلى رسول الله ﷺ غير صحيح، وصرفه الناس عن طاعة بنى العباس - الثابتة أنسابهم، المرضية سيرتهم، العادلة بزعمهم أحكامهم ومذاهبهم - أن يحول بينه وبين همه بذلك، ويسلبه الأسباب التى يتمكن بها من الاحتراز، ويعرضه لما يوقعه فى المهالك، ويسلك به سبيل أهل البغى والفساد.
فلما لم يفعل ذلك بعبيد الله المهدى، بل كتب تعالى له النصر على من ناوأه، والتأييد بمعونته على من خالفه وعاداه، حتى مكّن له فى الأرض، وجعله وبنيه من بعده أئمة، وأورثهم أكثر البسيطة، وملّكهم من حدّ منتهى العمارة فى مغرب الشمس إلى آخر ملك مصر، والشام، والحجاز، وعمان، والبحرين، واليمن، وملّكهم بغداد وديار بكر مدة، ونشر دعوتهم إلى خراسان، ونصرهم على عدوهم أىّ نصر، تبيّن أن دعواهم الانتساب إلى رسول الله ﷺ صحيحة، وهذا دليل يجب التسليم له.
وقد روى موسى بن عقبة أن هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن رسول الله ﷺ كان مما قاله له: «أتراه كاذبا أو صادقا؟» قال أبو سفيان: «بل هو
[ ١ / ٥٣ ]
كاذب»، قال هرقل: «لا تقولوا ذلك. فإن الكذب لا يظهر به أحد، «وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» (^١).
وقد نقل عن أئمة أهل البيت ﵈ الإشارة إلى أمر عبيد الله المهدى، فمن ذلك: أن موسى الكاظم بن جعفر الصادق سئل عن ظهور القائم متى يكون؟ فقال:
«إن ظهور القائم مثله كمثل عمود من نور سقط من السماء إلى الأرض، رأسه بالمغرب، وأسفله بالمشرق».
وكذلك كان بداية أمر المهدى عبيد الله، فإنه ابتدأ من المغرب، وانتهى أمره على يد بنيه إلى المشرق، فإنه ظهر بسجلماسة - فى ذى الحجة سنة تسعين ومائتين -، وهى أقصى مسكون المغرب، ودعا للمستنصر ببغداد فى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.
وكان علىّ بن محمد بن على بن موسى الكاظم يقول: «فى سنة أربع وخمسين ومائتين ستكشف عنكم الشدة، ويزول عنكم كثير مما تجدون إذا مضت عنكم سنة اثنتين وأربعين؛ يشير بذلك إلى أن البداية من تاريخ وقته، فيكون المراد سنة ست وتسعين ومائتين، وفى ذى الحجة منها كان ظهور الإمام المهدى بالله - رحمة الله عليه (^٢) -.
_________________
(١) سورة ٣٣ (الأحزاب)، آية ٤، وقد وردت هذه الآية فى نسخة (ج) قبل هذا بقليل بعد الجملة: «وهذا دليل يجب التسليم له».
(٢) يوجد بهامش نسخة ج أمام هذا اللفظ تعليق هذا نصه: «انما حمل المؤلف ﵀ على رد ما قاله أهل النسب فى حق الفواطم والاحتجاج لهم والاكثار فى مدحهم، والانتصار لمذهبهم الذى اشتهر بين الأمة خلافه، وهو معذور فيه، لأنه ﵀ ينتهى نسبه لهم، وهو يذكره لا سيما فى أول الكتاب بخطه أنه ينتهى الى تميم، وانظر الى قوله:» ان الكاذب لا يملك البلاد ولا يمكن له فى الأرض»، وقد سمعنا قديما عن بختنصر، وحديثا عن التتار وتيمور، وقبل ذلك بنى أمية وهم متغلبون على آل البيت من مدة أمير المؤمنين وأولاده الحسن والحسين وأولادهم يفعلون بهم الأفاعيل، وهم فى غاية من القوة والتمكن فى السلطان».
[ ١ / ٥٤ ]