وما كان من ولاية الخلفاء من بعده حتى انقضت أيامهم وأناخ بهم حمامهم.
فى يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة دخل المعز لدين الله إفريقية.
وفى يوم الاثنين رابع عشرين (^١) جمادى الأولى سنة ثنتى وستين نزل بقصره خارج برقة.
ووصل إلى الإسكندرية يوم الجمعة لست بقين من شعبان، ونزل تحت منارتها ثم سار.
ونزل المعز إلى الجيزة فخرج إليه جماعة من بقى، وعقد جوهر جسر (^٢) الجيزة، وعقد جسرا آخر عند المختار بالجزيرة حتى سار عليه إلى الفسطاط، ثم إلى القاهرة. وزينت له الفسطاط فلم يشقها، ودخل معه جميع من كان وفد إليه، وجميع أولاده وأخوته وعمومته، وسائر ولد المهدى، وأدخل معه توابيت آبائه: المهدى والقائم والمنصور. وكان دخوله إلى القاهرة، وحصوله فى قصره يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، فصارت مصر دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة.
قال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق ﵀ ومن خطه نقلت -:
_________________
(١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «أربع عشر».
(٢) كان يربط الجزيرة بالفسطاط فى العصر الاسلامى جسر يمر عليه الناس والدواب، كما كان يربطها بالجيزة جسر آخر، وكان هذان الجسران - كما يروى (المقريزى: الخطط، ج ٣، ص ٢٧٦) يتكونان من مراكب مصطفة بعضها بحذاء بعض، وهى موثقة، ومن فوق المراكب أخشاب ممتدة فوقها تراب، وكان عرض الجسر ثلاث قصبات. انظر كذلك (ابن حوقل: المسالك والممالك، ص ٩٦) و(صبح الأعشى، ج ٣، ص ٣٣٥).
[ ١ / ١٣٤ ]
«حدثنى أحمد بن جعفر قال: كان القائم بأمر الله ﵇ يوما فى مجلس أبيه المهدى جالسا بين يديه، وكان ابنه المنصور قائما بين يدى جدّه، فقال المهدىّ لابن ابنه المنصور: «ايتنى بابنك» - يعنى المعز لدين الله -، فجاءت به دايته - وله سنة أو فوقها -، فأخذه المهدى فى حجره وقبّله، وقال لابنه القائم بأمر الله: «يا أبا القاسم: ما على ظهر الأرض مجلس أشرف من هذا المجلس، اجتمع فيه أربعة أئمة، يعنى المهدى نفسه، وابنه القائم، وابن ابنه المنصور، وابن ابنه المعز لدين الله؛ وزادنى أبو الفضل ريدان (^١) - صاحب المظلة - فى هذا الخبر (^٢) أن المهدى جمعهم فى دوّاج (^٣) وقال: «جمع رسول الله ﷺ معه ثلاث أئمة فى كساء سوى نفسه، وقد جمع هذا الدوّاج أربعة أئمة».
قال [ابن زولاق]:
«ولما وصل المعز إلى قصره خرّ ساجدا، ثم صلى ركعتين، وصلى بصلاته كل من دخل معه، واستقر فى قصره بأولاده وحشمه وخواص عبيده، والقصر يومئذ مشتمل على ما فيه من عين وورق [٢١ ب؟؟؟] وجوهر وحلى وفرش وأوان وثياب وسلاح وأسفاط وأعدال وسروج ولجم؛ وبيت المال بحاله بما فيه، وفيه جميع ما يكون للملوك.
وخرج غد هذا اليوم - وهو يوم الأربعاء - جماعة الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه أهل البلد وسائر الرعية لتهنئة المعز.
ولعشر خلون من رمضان أمر المعز بالكتاب على المشايخ فى سائر مدينة مصر: «خير الناس بعد رسول الله ﷺ [أمير المؤمنين] (^٤) علىّ بن أبى طالب ﵇»، وأثبت اسم المعز لدين الله، واسم ابنه عبد الله الأمير.
ووقّع المعز بيده إلى محمد بن الحسين بن مهذب (^٥) - صاحب بيت المال -:
_________________
(١) الأصل: «زيدان» والتصحيح عن (ج).
(٢) الأصل: «الجزء»، والتصحيح عن (ج).
(٣) الدواج ضرب من الثياب (اللسان).
(٤) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج).
(٥) الأصل: «مهدى»، والتصحيح عن (ج).
[ ١ / ١٣٥ ]
«تقدّم يا محمد بابتياع لنا ولمولاك عبد الله فى كل يوم من الفاكهة الرطبة واليابسة كذا وكذا بسعر الناس، ولا تعرف الرسول لئلا تقع محاباة ولا مسامحة، وكذلك حوائج المطبخ».
وللنصف منه جلس المعز فى قصره على السرير (^١) الذهب الذى عمله جوهر فى الإيوان الجديد، وأذن بدخول الأشراف أولا، ثم بعدهم الأولياء وسائر وجوه الناس، وجوهر قائم بين يديه يقدّم الناس قوما بعد قوم؛ ثم مضى جوهر وأقبل بهديته ظاهرة يراها الناس، وهى:
من الخيل: مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة، منها مذهب، ومنها مرصع، ومنها بعنبر (^٢).
وإحدى (^٣) وثلاثون قبة على بخاتى بالديباج والمناطق والفرش، منها تسعة بديباج مثقل.
وتسع نوق مجنوبة مزينة بمثقل.
وثلاثة وثلاثون بغلا، منها سبعة مسرجة ملجمة.
ومائة وثلاثون بغلا للنقل.
وتسعون نجيبا.
وأربعة صناديق مشبكة يرى ما فيها، وفيها أوانى الذهب والفضة.
ومائة سيف محلى بالذهب والفضة.
ودرجان (^٤) من فضة مخرّقة فيها جوهر.
وشاشية مرصعة فى غلاف.
وتسعمائة ما بين سفط وتخت (^٥) فيها سائر ما أعدّه له من ذخائر مصر.
_________________
(١) السرير هنا بمعنى العرش، وقد سمى سريرا لأن من جلس عليه من أهل الرفعة والجاه يكون مسرورا، والجمع أسره وسرر (محيط المحيط).
(٢) فى النسختين: «بذهب وبعنبر» والتصحيح عن (الخطط، ج ٢، ص ٢١٧)
(٣) النسختان: «وواحد» والصحيح ما أثبتناه.
(٤) فى النسختين: «ودرجات»، والتصحيح عن الخطط.
(٥) التخت وعاء تصان فيه الثياب، فارسى معرب (اللسان).
[ ١ / ١٣٦ ]
وأذن المعزّ لابنه عبد الله فى الجلوس فى مجلسه.
وحمل أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الحسينى هديته، وهى:
أحد عشر سفطا من متاع تونة (^١) وتنيس ودمياط.
وخيلا وبغالا.
وقال:
«كنت أشتهى أن يلبس منها المعز لدين الله ثوبا أو ينعم بالعمامة التى فيها، فما عمل لخليفة قطّ مثلها».
وأذن المعز لجماعة بالجلوس فى مجلسه، وأطلق جماعة المعتقلين من الإخشيدية والكافورية الذين اعتقلهم جوهر، وعدتهم نحو الألف.
وقال للقاضى أبى طاهر: «كم رأيت من خليفة؟»
فقال: «ما رأيت خليفة غير مولانا المعز لدين الله - صلوات الله عليه -».
فاستحسن ذلك منه على البديهة، مع علم المعز أن أبا طاهر رأى المعتضد، والمكتفى، والمقتدر، والقاهر، والراضى، والمتقى، والمستكفى، والمطيع؛ فشكره وأعجب بقوله.
وركب المعزّ يوم الفطر - لصلاة العيد - إلى مصلى (^٢) القاهرة الذى بناه جوهر، وكان محمد بن أحمد بن الأدرع الحسينى قد بكّر وجلس فى المصلى تحت القبة، فجاء الخدم وأقاموه وأقعدوا موضعه أبا جعفر مسلم، وأقعدوه دونه، فكان أبو جعفر مسلم خلف المعز عن يمينه وهو يصلى.
وأقبل المعز فى زيه وبنوده وقبابه، وصلى بالناس صلاة العيد صلاة تامة طويلة، قرأ فى الأولى بأم الكتاب، و«هل أتاك حديث الغاشية»؛ ثم كبر بعد القراءة، وركع فأطال، وسجد فأطال.
_________________
(١) قرية قديمة كانت قريبة من تنيس ودمياط، وكانت مشهورة بثيابها وطرزها.
(٢) لاحظ أن المقريزى ينقل هنا عن ابن زولاق المؤرخ المعاصر للمعز، وهو يسمى الجامع الذى بناه جوهر «مصلى القاهرة» ولا يسميه الجامع الأزهر.
[ ١ / ١٣٧ ]
قال ابن زولاق:
«أنا سبّحت خلفه فى كل ركعة وفى كل سجدة نيفا وثلاثين تسبيحة، وكان القاضى النعمان بن محمد يبلغ عنه التكبير؛ وقرأ فى الثانية بأم الكتاب وسورة «والضحى»، ثم كبّر أيضا بعد القراءة؛ وهى صلاة جده على بن أبى طالب، وأطال أيضا فى الثانية الركوع والسجود، وأنا سبّحت خلفه نيفا وثلاثين تسبيحة فى كل ركعة وفى كل سجدة؛ وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى كل سورة، وأنكر جماعة يترسمون بالعلم قراءته قبل التكبير، لقلة علمهم وتقصيرهم فى العلوم.
فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر، وسلّم على الناس يمينا وشمالا، ثم نشر البندين اللذين كانا على المنبر فخطب وراءهما، وكان فى أعلى درجة من المنبر وسادة ديباج مثقل، فجلس عليها بين الخطبتين، واستفتح الخطبة ببسم الله الرحمن الرحيم.
وكان معه على المنبر جوهر، وعمار بن جعفر، وشفيع - صاحب المظلة -، ثم قال:
«الله أكبر الله أكبر»، استفتح بذلك «وخطب وأبلغ وأبكى الناس، وكانت خطبته بخضوع وخشوع.
فلما فرغ من خطبته انصرف فى عساكره، وخلفه أولاده الأربعة بالجواشن (^١) والخوذ على الخيل بأحسن زى، وساروا بين يديه بالفيلين. فلما حصل فى قصره أحضر الناس فأكلوا ونشطهم إلى الطعام، وعتب على من تأخر، وتهدّد من بلغه عنه صيام العيد».
وردّ إلى أبى سعيد عبد الله بن أبى ثوبان أحكام المغاربة ومظالمهم.
وتحاكم إليه جماعة من المصريين فحكم بينهم وسجّل، فكان شهود مصر يشهدون عنده ويشهدون على أحكامه، ولم ير هذا بمصر قبل ذلك؛ واستخلف [أبو سعيد] أحمد بن محمد الدوادى.
ومنع المعز من النداء بزيادة النيل، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلى جوهر، فلما تمّ أباح النداء [يعنى لما تم ست عشرة ذراعا] (^٢).
_________________
(١) الجواشن: جمع جوشن وهو الدرع (محيط المحيط).
(٢) ما بين الحاصرتين زيادات عن: المقريزى: الخطط، ج ١، ص ٩٧) حيث نقل هذه الحقيقة أيضا عن سيرة المعز لدين الله لابن زولاق، وعقب عليها بتفسير الحكمة فى هذا -
[ ١ / ١٣٨ ]
وخلع على جوهر خلعة مذهبة، وعمامة حمراء، وقلّده سيفا، وقاد بين يديه عشرين فرسا مسرجة ملجمة» وحمل بين يديه خمسين ألف دينار، ومائتى ألف درهم، وثمانين تختا من ثياب.
وركب المعز إلى المقس، وأشرف على أسطوله (^١)، وقرأ عليه وعوّذه، وخلفه جوهر والقاضى النعمان ووجوه أهل البلد، ثم عاد إلى قصره.
وضربت أعناق جماعة عاثوا بنواحى القرافة.
وفى ذى القعدة احترق سوق القاهرة، وأعيد.
وركب المعز لكسر خليج (^٢) القاهرة، فكسر بين يديه، وسار على شط النيل، ومرّ على سطح الحرف، وعطف على بركة الحبش (^٣)، ثم على الصحراء إلى الخندق الذى حفره جوهر فى موكب عظيم، وخلفه وجوه أهل البلد، وأبو جعفر أحمد بن نصر يعرّفه بالمواضع، وبلغ المعز أن محمدا أخا أبى إسماعيل الرّسّى يريد الفرار إلى الشام، فقبض عليه وسجن مقيّدا.
_________________
(١) = - الاجراء، فقال ما ملخصه: «فتأمل ما أبدع هذه الساسة، فان الناس دائما اذا توقف النيل فى أيام زيادته أو زاد قليلا يقلقون، ويحدثون أنفسهم بعدم طلوع النيل، فيقبضون أيديهم على الغلال، ويمتنعون عن بيعها رجاء ارتفاع السعر، ويجتهد من عنده مال فى خزن الغلة، إما لطلب السعر، أو لطلب ادخار قوت عياله، فيحدث بهذا الغلاء، فان زاد الماء انحل السعر، والا كان الجدب والقحط ففى كتمان الزيادة عن العامة أعظم فائدة وأجل عائدة».
(٢) ذكر المقريزى فى (الخطط، ج ٣، ص ٣١٧) - نقلا عن ابن أبى طى - أن المعز هو الذى أنشأ دار الصناعة التى بالمقس، وانه انشأ بها ستمائة مركب «لم ير مثلها فى البحر على ميناء».
(٣) مما يستحق الالتفات أن هذا اول ركوب للمعز لكسر الخليج، وقد كان الفاطميون يحتفلون بهذا الركوب احتفالا خاصا رائعا بعد ذلك، انظر فى وصفه: (صبح الاعشى، ج ٣، ص ٥١٢ - ٥١٧).
(٤) كانت تقع هذه البركة جنوبى الفسطاط بين النيل والجبل، وذكر المقريزى عند كلامه عن البرك فى الجزء الثانى من الخطط أنها كانت تعرف ببركة المغافر، وبركة حمير، واصطبل قرة، واصطبل قامش، وبركة الاشراف، وبركة الحبش. وهو الاسم الذى اشتهرت به، وقال محمد رمزى فى تحقيقاته (النجوم، ج ٦، ص ٣٨٢): «وهذه البركة لم تكن عميقة فيها ماء راكد بالمعنى المفهوم الآن من لفظ بركة، وانما كانت تطلق على حوض من الاراضى الزراعية التى يغمرها ماء النيل وقت فيضانه سنويا بواسطة خليج بنى وائل الذى كان يأخذ ماءه من النيل جنوبى مصر القديمة، فكانت الارض وقت أن يغمرها الماء تشبه البرك، ولهذا سميت بركة، ويستفاد مما ذكره أبو صالح الارمنى فى كتاب الديارات أن هذه الجنان عرفت بالحبش لأنها كانت لطائفة من الرهبان الحبش».
[ ١ / ١٣٩ ]
وفى يوم عرفة نصب المعزّ الشّمسة (^١) التى عملها للكعبة على إيوان قصره، وسعتها اثنا عشر
_________________
(١) هذا نص هام وطريف، وقد ذكر طرفا منه المقريزى فى كتابه الآخر الخطط»، وقد أخطأ القائمون على نشر جميع طبعات الخطط، فقرءوا هذا اللفظ على أنه «الشمسية» لا «الشمسة»، وطبع فى جميع النشرات على أنه «الشمسية» كذلك، وهذه القراءة الخاطئة أوقعت كثيرين من الباحثين فى تاريخ الدولة الفاطمية من غربيين وشرقيين فى أخطاء متلاحقة، ففهموا الشمسية على أنها مظلة، وعلى أنها أصل لفكرة المحمل، وعلى انها نوع من الكسوة للكعبة، وعلى أنها نوع من المنسوجات الرائعة الممتازة التى كانت تصنع فى مصر الفاطمية. انظر عن هذه المحاولات والتفسيرات: (حسن ابراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية، ص ٥٨٣) و(محمد عبد العزيز مرزوق: الزخرفة المنسوجة فى الأقمشة الفاطمية، ص ٥٢ - ٥٣) و(Quatremere،J.A.٣ e.serie،III،١٨٣٧). (M.Inostranzeff:La sortie solennelle des Khalifes Fatimides. P.XXIII،S ١٧،P.XXVIII،S ٢٠). (J.Jomier:Le Mahmal et la Caravane Egyptienne des Pelerins de la Mecque، Le Caire،١٩٥٣.P .٢٤ - ٢٦) . وكنت قد وقعت فى نفس الخطأ فى نشرتى الأولى لهذا الكتاب، ولكننى لحسن الحظ وجدت هذه الكلمة مكتوبة فى المخطوطة الحالية لكتاب «اتعاظ الحنفا» على أنها «الشمسة» لا «الشمسية»، فوقفت عندها طويلا، وأعدت قراءة وصفها مرارا فاذا بى أجد أنها شيء مختلف كل الاختلاف عن الشمسية، وأنه لا صلة بينها وبين المنسوجات الا الأرضية المنسوجة من الديباج، وتبين لى أن «الشمسية» حلية ضخمة كانت ترسل الى الكعبة فى موسم الحج فى صحبة قائد خاص لتعلق فى وجه الكعبة، وانها تشبه الشمس، ولها اثنا عشر ذراع تشبه أشعة الشمس، وأرجح أن عدد الأشعة لم يجعل اثنى عشر عفوا بل قصدا ليمثل عدد شهور السنة، فموسم الحج يحل بعد مضى اثنى عشر شهرا أى سنة كاملة، والأهلة الموجودة فى نهاية الأشعة تمثل الشهور القمرية الهجرية. وتبين لى من النص كذلك أن الخليفة المأمون العباسى أرسل فى عهده ياقوتة متصلة بسلسلة ذهبية لتعلق فى الكعبة، وان العباسيين سبقوا الفاطميين بارسال الشمسة، وأول من أرسلها منهم هو الخليفة المتوكل، وكان المعز أول من أعد شمسة للكعبة، وقد أراد أن يتفوق على منافسيه العباسيين فصنعها أكبر وأضخم حجما وأثمن وأغلى قيمة بدليل ما قاله (ابن ميسر: تاريخ مصر» ص ٤٤) بعد وصفه لحفلة عرض الشمسة: «ولم يبق أحد حتى دخل من أهل مصر والشام والعراق فذكروا أنهم لم يروا قط مثل الشمسية (الشمسة)، وذكر اصحاب الجوهر انه لا قيمة لها، وان شمسية (شمسة) بنى العباس مساحتها مثل ربع هذه، وكذلك كانت شمسية (شمسة) كافور التى عملها لمولاه أنوجور، وكان يسير بها الى الحرم». ويؤكد صحة النص وصحة تفسيراتنا كذلك حقيقتان لست أدرى كيف غفل عنهما من تناولوا هذا الموضوع من قبل، أولاهما أن المراجع العربية القديمة كلها لم تعرف لفظ «الشمسية» بمعنى المظلة أبدا، وفى رأيى أن لفظ الشمسية بهذا المعنى عرفه العرب والمصريون بصفة خاصة لاول مرة فى القرن التاسع عشر ابان حركة الترجمة عن اللغات الاوربية، وأن هذا -
[ ١ / ١٤٠ ]
شبرا فى مثلها، وأرضها ديباج أحمر، ودورها اثنا عشر هلال ذهب، وفى كلّ هلال أترجة ذهب مشبّك، جوف كل أترجّة خمسون درّة كبيض الحمام، وفيها الياقوت (^١) الأحمر والأصفر والأزرق، وفى دورها مكتوب آيات الحج بزمرد أخضر (^٢)، وحشو الكتابة درّ كبار لم ير مثله، وحشو الشّمسة المسك المسحوق؛ فرآها الناس فى القصر ومن خارجه لعلوّ موضعها؛ ونصبها عدّة فراشين، وجرّوها لثقل وزنها.
[وأول من عمل الشّمسة للكعبة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله، فبعث سلسلة من ذهب كانت تعلّق مع الياقوتة التى بعثها المأمون، وصارت تعلّق كلّ سنة فى وجه الكعبة، وكان يؤتى بهذه السلسلة فى كل موسم وفيها شمسة مكللة بالدرّ والياقوت والجوهر قيمتها شيء كثير، فيقدم بها قائد يبعث من العراق، فتدفع إلى حجبة الكعبة، ويشهد عليهم بقبضها، فيعلقونها يوم سادس الثمان، فتكون على الكعبة، ثم تنزع يوم التروية] (^٣).
وغدا المعز لصلاة عيد النحر فى عساكره، وصلى كما ذكر فى صلاة الفطر من القراءة والتكبير وطول الركوع والسجود، وخطب وانصرف فى زيّه، فلما وصل إلى القصر أذن للناس عامة فدخلوا والشمسة منصوبة على حالها، فلم يبق أحد حتى دخل - من أهل مصر والشام والعراق - فذكر أهل العراق وأهل خراسان، ومن يواصل الحج أنهم لم يروا قط مثل هذه
_________________
(١) = - اللفظ الشمسية هو ترجمة للكلمة الفرنسية Parasol، وثانيهما أن المعاجم العربية ذكرت هذا اللفظ ولكن بصفة المذكر «الشمس»، وقالت ان من معانيه أنه ضرب من القلائد أو الحلى، جاء فى (اللسان): «والشمس ضرب من القلائد، والشمس معلاق القلادة فى العنق، والجمع شموس، قال الشاعر: والدر واللؤلؤ فى شمسه … مقلد ظبى التصاوير. قال اللحيانى: الشمس ضرب من الحلى، مذكر ومؤنث، والشمس قلادة الكلب».
(٢) ذكر ابن الاكفانى (نخب الذخائر، ص ص ٢ - ١٣) أن الياقوت أربعة أصناف: الأحمر: وهو اعلاها رتبة واغلاها قيمة. والاصفر. والارزق. والابيض. ثم قسم كل صنف من هذه الى انواع. هذا وقد ذكر صاحب اللسان أن لفظ «ياقوت» فارسى معرب، بينما ذكر الاب انستاس الكرملى (المرجع السابق، ص ٢، هامش ١) أنه معرب عن اللاتينية.
(٣) انظر الكلام عن الزمن بتفصيل فى: نخب الذخائر، ص ٤٨ - ٥٢).
(٤) هذه الفقرة وردت فى الهامش فى نسخة الأصل، ولكنها وردت فى المتن فى نسخة (ج)، وقد آثرنا ضمها للمتن هنا لأنها تزيده ايضاحا.
[ ١ / ١٤١ ]
الشمسة؛ وذكر أصحاب الجوهر ووجوه التجار أنه لا قيمة لما فيها، وأن شمسة بنى العباس كان أكثرها مصنوعا ومن شبه (^١)، وأن مساحتها مثل ربع هذه.
وكذلك كانت شمسة كافور التى عملها لمولاه أونوجور بن الإخشيد، وكان يسير بها إلى الحرم جعفر بن محمد الموسوى، ثم ابنه أبو الحسين، ثم بعده ابنه مسلم، ثم أبو تراب بعد أخيه، إلى أن أخذها القائد جوهر من أبى تراب.
وأمر المعز للناس بالطعام فأكلوا.
وورد الخبر بوصول أسطول القرامطة إلى تنّيس فى البحر، فكانت بينهم وبين أهل تنّيس حرب انهزم فيها أصحاب القرامطة، وأخذ منهم عدة مراكب، وأسر طائفة منهم، وأن أسكر (؟) نهبت، فعظم ذلك [على] (^٢) المعز، واشتد خوف الناس فى المقابر حتى كانوا يصلون على الجنائز ولا يتبعونها، ويمضى بها الحفارون؛ فأنكر المعز ذلك، وأمّن الناس.
ولثمانى عشرة من ذى الحجة، وهو يوم غدير خمّ (^٣)، تجمّع خلق من أهل مصر والمغاربة للدعاء، فأعجب المعز ذلك، وكان هذا أول ما عمل عيد الغدير بمصر.
وقدم من تنّيس مائة وثلاثة وسبعون رجلا أسارى، وعدة رءوس، ومعهم أعلام القرامطة
_________________
(١) الأصل: «مصبوغا وشبه»، والتصحيح عن (ج).
(٢) ما بين الحاصرتين عن (ج).
(٣) نقل (المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ٢٢٢ - ٢٢٣) نبأ الاحتفال بعيد الغدير فى عهد المعز عن ابن زولاق، هذا وخم موضع بين مكة والمدينة به غدير أو بطيحة، وحوله شجر كثير، ويقال ان الرسول ﵇ لما عاد من مكة بعد حجة الوداع سنة ١٠ هـ نزل بغدير خم وآخى عليا بن أبى طالب، ثم قال «على منى كهارون من موسى، اللهم وال من والاه وعادى من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله»، ويعلق الشيعة على هذا الحديث أهمية كبرى اذ يعتبرونه بمثابة مبايعة علنية من الرسول قبيل وفاته لعلى بن أبى طالب. انظر (دونلدسن: عقيدة الشيعة، الترجمة العربية، ص ٢٣ - ٢٦)، ويذكر المقريزى فى الصفحات المذكورة سابقا أن هذا العيد لم يكن «مشروعا ولا عمله أحد من سالف الأمة المقتدى بهم، وأول ما عرف فى الاسلام بالعراق أيام معز الدولة بن بويه، فانه أحدثه فى سنة ٣٥٢، فاتخذه الشيعة من حينئذ عيدا، وهو أبدا يوم الثامن عشر من ذى الحجة». وفى الصفحات السالف ذكرها من الخطط تفاصيل ممتعة عن مراسم الاحتفال بهذا العيد فى العصر الفاطمى، انظر كذلك: (معجم البلدان لياقوت).
[ ١ / ١٤٢ ]
منكوسة، وسلاح لهم، فشهّر ذلك فى البلد، وجلس المعز حتى مروا بين يديه وهو فى علو باب قصره.
وكانت فتنة فى البلد نهبت المغاربة فيها جماعة من الرعية، فركب جوهر فى طلب النّهابة، وأخذهم وجلدهم.
وفى سلخ ذى الحجة سلخ (؟) إمام جامع القرافة محمد بن عبد السميع فى طريق القرافة، وانصرف الناس من جامع القرافة من غير جمعة.
وأحضر جوهر جماعة من أهل تنيس، وطالبهم بديات المغاربة الذين قتلوا عندهم، وألزموا بمائتى ألف دينار، ثم استقر أمرهم على ألف ألف درهم (^١).
وانتهى النيل فى نقصانه إلى ست أذرع وإصبعين، وبلغ زيادة الماء الجديد سبع عشرة ذراعا وإصبعين، وأطلق المعزّ لمتولى المقياس الجائزة والخلع والحملان، فزاده على رسمه.
وفيها مات أبو عمرو محمد بن عبد الله السهمى - قاضى مكة -، ومات الإشبيلى - قاضى المغاربة (^٢) بمصر -.
_________________
(١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «ألف ألف دينار».
(٢) لاحظ هذا، فكأنه كان للمغاربة قاض خاص بهم فى مصر بعد الفتح الفاطمى.
[ ١ / ١٤٣ ]