قال مؤلفه (^١) - رحمة الله تعالى عليه -.
وقد وقفت على مجلد يشتمل على بضع وعشرين كراسة فى الطعن على أنساب الخلفاء الفاطميين، تأليف الشريف العابد المعروف بأخى محسن (^٢)، وهو محمد بن على بن الحسين ابن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق - ويكنى بأبى الحسين -؛ وهو كتاب مفيد.
وقد غبرت زمانا أظن أنه قائل ما أنا حاكية حتى رأيت محمد بن إسحاق النديم (^٣) فى كتاب «الفهرست» ذكر هذا الكلام بنصّه (^٤)، وعزاه إلى أبى عبد الله بن رزّام (^٥)، وأنّه
_________________
(١) ج: «قال كاتبه، وقد وقفت .. الخ»
(٢) علوى عاش فى النصف الثانى من القرن الرابع، ويرجح أنه كان معاصرا للمعز لدين الله، انظر: (B.Lewis:Op.Cit.P .٧)
(٣) انظر ترجمته فى (ابن خلكان: الوفيات) و(معجم الأدباء لياقوت) و(مقدمة الفهرست)
(٤) ورد فى الفهرست لابن النديم، ص ٢٦٤ - ٢٦٥ نص تحت عنوان «الكلام على مذهب الاسماعيلية» يشبه نص المقريزى فى المعنى ولكنه يختلف عنه كثيرا فى اللفظ، كذلك أورد المقريزى فى الخطط، ج ٢، ص ١٥٨ - ١٥٩ فصلا عنوانه «ذكر ما قيل فى نسب الخلفاء الفاطميين بناة القاهرة» يتفق مع النص المذكور هنا فى المعنى، ويختلف عنه فى اللفظ اختلافا يسيرا جدا، والأصل الذى ينقل عنه المؤرخان هو ابن رزام.
(٥) هو أبو عبد الله محمد بن على بن رزام الطائى الكوفى، عاش على الأرجح فى النصف الأول من القرن الرابع الهجرى، انظر: (المسعودى: التنبيه والاشراف، ص ٣٤٣) حيث يذكره ضمن المؤرخين الذين كتبوا قبله عن القرامطة، والمسعودى توفى سنة ٣٤٥ هـ، وابن رزام أقدم كاتب - فيما نعلم حتى الآن - أشاع قصة انتماء الفاطميين الى ميمون القداح، ووصل بينه وبين القرامطة، وكتاب ابن رزام مفقود حتى الآن، ولكن هذه الأجزاء التى تشكك فى نسب الفاطميين قد نقلها عنه مؤرخون لاحقون كثيرون، أشار المقريزى هنا الى أن أخا محسن واحد منهم، ومنهم المقريزى نفسه، فقد نقل جزءا من هذا النص هنا، وفى الخطط، ج ٢، ص ٢٣٣ - ٢٣٤، وفى المقفى، انظر: (Quatremer:: Memoires Historiques J.A .١٨٣٦) -
[ ١ / ٢٢ ]
ذكره فى كتابه الذى ردّ فيه على الإسماعيلية، قال - وأنا برئ من قوله -:
هؤلاء القوم من ولد ديصان (^١) الثنوى، الذى ينسب إليه الثنوبة (^٢) - وهو مذهب يعتقدون فيه خالقين، أحدهما يخلق النور، والآخر يخلق الظلمة - فولد ديصان هذا ابنا يقال له ميمون القدّاح (^٣).
_________________
(١) = - وفى (نهاية الأرب اللنويرى - فى الجزء الخاص بتاريخ الفاطميين ولا يزال مخطوطا -) قسم كبير من هذا الكتاب، وكذلك نقل ابن النديم فى الفهرست، ص ٢٦٤ - ٢٦٦ كلام ابن رزام بلفظه. وعلى أساس الشكوك الشائعة فى هذا النص كتب المحضر العباسى الأول (٤٠٢ - ١٠١١) بانكار النسب الفاطمى الذى ظل المرجع الموثوق به لكثير من المؤرخين الطاعنين فى النسب الفاطمى، وقد ناقش نص ابن رزام هذا (B.Lewis:Op.Cit.PP .٥٥،٦٩)
(٢) من البراهين القوية التى يتذرع بها مؤيد والنسب الفاطمى أن ديصانا هذا عاش ومات قبل ظهور الدعوة الاسماعيلية بنحو أربعة قرون، يقول البغدادى مثلا (الفرق بين الفرق، ص ٣٣٣) عند كلامه عن الأصول التى اجتمع عليها أهل السنة: «وقالوا بتكفير كل متنبى سواء كان قبل الاسلام كزرادشت ويوداسف ومانى وديصان ومزفيور ومزدك، أو بعده كمسيلمة وسجاح الخ»، انظر أيضا: (الرازى: اعتقادات فرق المسلمين، ص ٨٨) و(Mamour:Op.Cit.P .٣٠ - ٤٢) وما به من مراجع، و(O'Leary:A Short History of the Fatimid Khalifate.P .١٨)
(٣) الثنوية مذهب قديم كان أتباعه يعتقدون أن للعالم أصلين، هما النور والظلمة، والثنوية أربع فرق:
(٤) المانوية أتباع مانى، وكانوا يقولون ان النور والظلمة حيان.
(٥) والديصانية أتباع ديصان، ويقولون ان النور حى والظلمة ميتة.
(٦) والمرتونية، وهم يثبتون متوسطا بين النور والظلمة ويسمونه المعدل.
(٧) والمزدكية، أتباع مزدك بن نامدان. انظر تفصيل الكلام عن هذه الفرق فى: (الشهرستانى: الملل والنحل، ص ١٤٣، ١٤٧) و(الرازى: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص ٨٨ - ٨٩)
(٨) اختلفت الآراء اختلافا كبيرا عند بيان حقيقة ميمون القداح، فكتاب السنة من مؤرخين وفقهاء ينكرون انتساب الدولة الفاطمية الى على وفاطمة، ويؤكدون نسبتها الى ميمون القداح، ويقولون انه كان فارسيا مجوسيا من الأهواز، وأنه تظاهر بالاسلام والتشيع والدعوة لآل البيت، فقبض عليه وأودع سجن الكوفة فى أواخر عهد المنصور، وبعد خروجه من السجن ادعى أنه من ولد محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق، الى أن نجحت دعوته فى عهد أولاده الخلفاء الفاطميين. انظر مثلا:
[ ١ / ٢٣ ]
وإليه تنسب الميمونية (^١)، وكان له مذهب فى الغلو؛ فولد لميمون هذا ابن يقال له عبد الله كان أخبث من أبيه، وأعلم بالحيل، فعمل أبوابا عظيمة من المكر والخديعة على بطلان الإسلام؛ وكان عارفا عالما بجميع الشرائع والسنن، وجميع علوم المذاهب كلها، فرتّب ما جعله من المكر فى سبع دعوات، يتدرج الإنسان من واحدة إلى أخرى، حتى ينتهى إلى الأخيرة، فيبقى معرّا عن جميع الأديان، لا يعتقد غير التعطيل والإباحة، ولا يرجو ثوابا، ولا يخشى عقابا، ويقول إنه على هدى هو وأهل مذهبه، وغيرهم ضالّ مغفل.
_________________
(١) = - (الحمادى اليمانى: كشف أسرار الباطنية، ص ١٦ - ٢٠) و(عبد القاهر البغدادى: الفرق بين الفرق، ص ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٧، ٢٧٨) و(عنان: الحاكم بأمر الله، ص ٣٣، ١٧٣). أما المراجع الاسماعيلية فترى أنه: لما آن لاسماعيل الأجل … أوصى والده الصادق الأمين أن يقيم لولده حجبا ومستودعا، كما أوصى هارون موسى أن يقيم لولده كفيلا، فأقام له يوشع بن النون سترا عليه وحجابا له، فسلمه - أعنى مولانا محمد بن اسماعيل - الى ميمون ابن غيلان بن بيدر بن مهران بن سليمان الفارسى - قدس الله روحه - فرباه وأخفى شخصه، وهو ابن ثلاث سنين مع ميمون القداح، وهو كفيل له ومستودع أمره، وميمون من أولاد سلمان، وسلمان من أولاد اسحاق بن يعقوب أهل الاستيداع، والقائمين بالبلاغ والابلاغ»، أى أن ميمونا وابنه عبد الله من بعده كانا حاجبين ومستودعين لأسرار أولاد اسماعيل بن جعفر الصادق. انظر ص ٤٧ و٤٩ من كتاب «زهر المعانى» الذى نشره أخيرا المستشرق Ivanow فى كتابه" Ismaili Tradition Concerning the Rise of the Fatimids .) وقد ناقش Ivanow فى كتابه هذا، ص ١٣٣ و١٥٣ و٢٣٣ و٢٣٦ جميع الآراء والأقوال المتصلة بحقيقة شخصية ميمون القداح، وخرج منها برأى يدافع عنه، خلاصته أن قصة انتساب الفاطميين الى ميمون خرافة لا يؤيدها المنطق أو المراجع الاسماعيلية أو الحوادث التاريخية. ويرى (Mamour:Op.Cit.P .٤٣،٩٢) أن ميمونا هو محمد بن اسماعيل نفسه، أما (B.Lewis:Op.Cit.P .٤٤ - ٦٥) فيرى أن عهد التكتم شهد نوعين من الأئمة: الأئمة المستودعون وينتسبون لميمون القداح، والأئمة المستقرون وينتسبون لمحمد بن اسماعيل
(٢) يفهم من النص أن الميمونية فرقة تنتسب لميمون القداح، غير أن الشهرستانى ذكر فى (الملل والنحل، ج ١، ص ٧٣) أن الميمونية هم: «أصحاب ميمون بن خالد، كان من العجاردة الا أنه تفرد عنهم باثبات أن القدر - خيره وشره - من العبد … والقول بأن الله تعالى يريد الخير دون الشر، وليس له مشيئة فى معاصى العباد .. وأن الميمونية يجيزون نكاح بنات البنات وبنات أولاد الاخوة والاخوات .. الخ» انظر أيضا: (الرازى: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص ٤٨).
[ ١ / ٢٤ ]
وكان عبد الله بن ميمون يريد بهذا فى الباطن أن يجعل المخدوعين أمة له يستمد من أموالهم بالمكر والخديعة، وأما فى الظاهر فإنه يدعو إلى الإمام من آل البيت: محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ليجمع الناس بهذه الحيلة.
وكان عبد الله بن ميمون هذا أراد أن يتنبأ فلم يتم له، وأصله من موضع بالأهواز (^١) يعرف «بقورج العباس (^٢)»، ثم نزل «عسكر مكرم (^٣)» وسكن «ساباط» أبى نوح (^٤) فنال بدعوته مالا، وكان يتستر بالتشيع والعلم، وصار له دعاة، فظهر ما هو عليه من التعطيل والإباحة والمكر والخديعة، فثارت به الشيعة والمعتزلة (^٥)، وكسروا (^٦) داره، ففرّ إلى البصرة ومعه رجل من أصحابه يعرف بالحسين الأهوازى، فادعى أنه من ولد عقيل (^٧) بن أبى
_________________
(١) يقال ان الأهواز جمع هوز، وأصله حوز، والحوز فى الأرضين أن يتخذها رجل ويبين حدودها فيستحقها فلا يكون لأحد فيها حق، ولما كثر استعمال الفرس لهذه اللفظة غيرتها لأنه ليس فى كلامهم حاء مهملة، فاذا تكلموا بكلمة فيها حاء قلبوها هاء، وقد كان اسمها فى أيام الفرس خوزستان، ويقال فى رأى آخر انما كان اسمها بالفارسية الأخواز فعربت الى الأهواز، والأهواز - كما قال ياقوت فى معجمه - سبع كور بين البصرة وفارس، وذكر أنها فتحت على يد حرقوص بن زهير بتأمير عتبة بن غزوان اياه، سيره اليها فى أيام تمصيره البصرة وولايته عليها، وقال البلاذرى: غزا المغيرة بن شعبة سوق الأهواز فى ولايته بعد أن شخص عتبة بن غزوان من البصرة فى آخر سنة ١٥ هـ أو أول سنة ١٦ فقاتله البيروان دهقانها ثم صالحه على مال، ثم نكث فغزاها أبو موسى الأشعرى حين ولاه عمر البصرة بعد المغيرة ففتح الأهواز عنوة. انظر: (ياقوت: معجم البلدان).
(٢) لم أجد فى المراجع التى بين يدى تعريفا لموضع هذا البلد.
(٣) عسكر مكرم بلد من نواحى خوزستان، منسوب الى مكرم بن معزاء الحارث صاحب الحجاج بن يوسف، وقد نسب اليها قوم من أهل العلم منهم العسكريان أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد بن اسماعيل بن زيد بن حكيم اللغوى، أخذ عن ابن دريد وأقرانه، والحسن ابن عبد الله أبو هلال العسكرى. انظر: (معجم البلدان لياقوت).
(٤) صيغة ابن النديم: «فنزل عسكر مكرم فكبس بها، فهرب منها، فنقضت له داران فى موضع يعرف بساباط أبى نوح، فبنيت احداهما مسجدا، والأخرى خراب الى الآن».
(٥) للتعريف بالمعتزلة وفرقها انظر مثلا: (الشهرستانى: الملل والنحل، ج ١، ص ١٢٢ - ١٢٤)، (الرازى: اعتقادات، ص ٣٨ - ٤٥).
(٦) (ج): «وكبسوا»
(٧) لاحظ هذا النص حيث يقول ان عبد الله بن ميمون ادعى أنه من ولد عقيل، والمقريزى هنا ينقل عن ابن رزام، وعن نفس المرجع ينقل ابن النديم فى الفهرست، ولكن صيغة الفهرست ص ٢٦٤: «وسار الى البصرة، فنزل على قوم من أولاد عقيل بن أبى طالب» وهى أوثق لأن ابن النديم ينقل نص ابن رزام بلفظه، وقال النويرى نقلا عن أخى محسن ان عبد الله بن ميمون فر الى البصرة عند قبيلة باهلة من أتباع عقيل بن أبى طالب، وعن عقيل وأخباره انظر: (ابن قتيبة: المعارف، ص ٨٨).
[ ١ / ٢٥ ]
طالب، وأنه يدعو إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم اشتهر خبره، فطلبه العسكريون، فهرب هو والحسين الأهوازى إلى سلمية ليخفى أمره بها، فولد له بها ابن يقال له أحمد، ومات عبد الله بن ميمون، فقام من بعده ابنه أحمد هذا فى ترتيب الدعوة، وبعث الحسين الأهوازى داعية إلى العراق، فلقى حمدان بن الأشعث قرمط (^١) بسواد الكوفة.
وولد لأحمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح ولدان، هما: الحسين ومحمد - المعروف بأبى الشلعلع (^٢) -، ثم هلك أحمد، فخلفه ابنه الحسين فى الدعوة؛ فلما هلك الحسين بن أحمد خلفه أخوه محمد بن أحمد - المعروف بأبى الشلعلع -.
وكان للحسين (^٣) ابن اسمه سعيد، فبقيت الدعوة له حتى كبر، وكان قد بعث محمد هذا داعيين إلى المغرب، وهما؛ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد، وأخوه أبو العباس محمد بن أحمد بن محمد؛ فنزلا فى قبيلتين من البربر، وأخذا على أهلها.
_________________
(١) فى المراجع تفسيرات كثيرة لهذا اللفظ، منها أن حمدان سمى بهذا الاسم لأنه كان يقرمط فى سيره اذا مشى، أى يقارب بين خطواته، ومنها أنه لقب بهذا اللقب لأنه كان أحمر البشرة تشبيها له بالقرمد وهو الطوب الأحمر (الآجر)، وأصل هذا اللفظ يونانى Keramidi انظر: (ابن مالك: المرجع السابق، ص ١٨) و(متز: الحضارة الاسلامية ج ٢، ص ١٨٥ من الترجمة العربية) و(الجواليقى: المعرب، ص ٢٥٤ - ٢٥٥) ويرى البعض أن هذا اللفظ مأخوذ من «اقرمط» أى غضب أو عبس. انظر القاموس، وممن يأخذ بهذا الرأى De Lacy و(B.Lewis:Op.Cit.PP .٨٢ - ٨٣) وعندهما أسباب للبرهنة على هذا الرأى ويرى الأب أنستاس مارى الكرملى عند شرحه لهذا اللفظ فى (العرشى: بلوغ المرام، ص ٣٤٠ - ٣٤١) أن هذه اللفظة «آرامية» (نبطية) من قرمطونا أى المدلس أو الخبيث أو المكار أو المحتال، أو من (قرمطا) وهى التدليس أو الخبث أو المكر أو الاحتيال، لما اشتهر عنهم من هذه الأمور، ولا جرم أن هذه التسمية لم يتخذها الباطنية أو القرامطة أنفسهم، بل نبذهم بها من لم يكن من نحلتهم» ولاحظ أن ابن النديم، ص ٢٦٥ يثبت اعتناق حمدان للمذهب فى عهد عبد الله بن ميمون، أما نص المقريزى هنا فيفيد اعتناقه اياه فى عهد أحمد بن عبد الله بن ميمون.
(٢) رسم هذا اللفظ فى بعض المراجع بالغين المعجمة هكذا «الشلغلغ»، كذلك اختلف المؤرخون عند ذكر من خلف ميمون من أولاده، انظر قوائم النسب الميمونى كما رواها المؤرخون المختلفون فى: (B.Lewis:Op.Cit:p .٧٢ - ٧٣) و(Mmour:Op.Cit.P .٤٠ - ٤١)
(٣) فى (الخطط، ج ٢، ص ١٥٨): ««وكان لأحمد بن عبد الله ولد اسمه سعيد».
[ ١ / ٢٦ ]
وقد كان اشتهر أمرهم بسلمية، وأيسروا، وصار لهم أملاك كثيرة، فبلغ خبرهم السلطان، فبعث فى طلبهم، ففرّ سعيد من سلمية يريد المغرب، وكان على مصر يومئذ عيسى النوشرى (^١)، فدخل سعيد على النوشرى ونادمه، فبلغ السلطان خبره، وكان يتقصّى عنه، فبعث إلى النوشرى بالقبض عليه، فقرئ الكتاب وفى المجلس ابن المدبّر (^٢)، وكان مؤاخيا لسعيد، فبعث إليه يحذّره، فهرب سعيد، وكبس النوشرى داره فلم يوجد، وسار إلى الاسكندرية، فبعث النوشرى إلى والى الاسكندرية بالقبض على سعيد، - وكان رجلا ديلميا يقال له على بن وهسودان.
وكان سعيد خداعا، فلما قبض عليه ابن وهسودان قال:
«إنى رجل من آل رسول الله».
فرقّ له، وأخذ بعض ما كان معه وخلاّه، فسار حتى نزل سجلماسة - وهو فى زىّ
_________________
(١) عيسى النوشرى أول وال على مصر بعد زوال دولة بنى طولون، دخلها بعد ولايته من قبل الخليفة المكتفى فى جمادى الآخرة سنة ٢٩٢ هـ، ولما توفى المكتفى (ذو القعدة ٢٩٥) وتولى الخلافة المقتدر بالله أقر النوشرى على ولاية مصر، وفى عهد عيسى قدم على مصر زيادة الله بن الأغلب أمير افريقية مهزوما من أبى عبد الله الشيعى فى شهر رمضان ٢٩٦، ونزل بالجيزة وأراد الدخول الى مصر فمنعه، ووقعت بينهما مناوشات الى أن وقع الصلح بينهما على أن يعبر زيادة الله الى مصر وحده من غير جند، فدخلها وأقام بها، وقد مات عيسى بعد قليل فى شعبان ٢٩٧ وهو على امرة مصر، ودفن بها (ويقول أبو المحاسن انه نقل الى دمشق فدفن بها)، وكانت مدة ولايته على مصر خمس سنين وشهرين ونصف شهر (٢٩٢ - ٢٩٧ - ٩٠٥ - ٩١٠) انظر: (الكندى: الولاة والقضاة، ص ٥٢٨ - ٢٦٧) و(ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٣، ص ١٤٥ - ١٥٦) و(المقريزى: الخطط، ج ٢، ص ١٢٤ - ١٢٥).
(٢) هذا القول يبعث على الشك، لأن ابن المدبر كان واليا على خراج مصر عند ما قدم اليها أحمد بن طولون، وذلك فى سنة ٢٥٤، وقد كان بين الرجلين منافسات ومؤامرات كثيرة انتهت بعزل ابن المدبر عن خراج مصر، وتولية ابن طولون على خراجها وصلاتها، وقد كان فرار عبيد الله المهدى الى المغرب ومروره بمصر فى سنة ٢٩٥ هـ، فليس من المعقول أن يكون أحمد بن محمد بن المدبر هذا حيا حتى تلك لسنة، ولا يؤيد رواية المقريزى هنا الا أن يكون هناك فى تلك السنة ابن مدبر آخر، انظر أخبار ابن المدبر التفصيلية فى: (البلوى: سيرة أحمد بن طولون، الصفحات المذكورة فى فهرس الأعلام) و(المقريزى: والخطط، ج ٢ ص ١٠٥ - ١٠٦ و١١٣) و(ابن تغرى بردى: النجوم، ج ٣، ص ٤٣) و(الكندى: الولاة والقضاة، ص ٢١٤).
[ ١ / ٢٧ ]
التجار - فتقرّب إلى واليها وخدمه، وأقام عنده مدة، فبلغ المعتضد (^١) خبره، فبعث فى طلبه، فلم يقبض عليه والى سجلماسة؛ فورد عليه كتاب آخر، فقبض عليه وحبسه؛ وكان خبره قد اتصل بأبى عبد الله الداعى - الذى تقدم ذكر خروجه هو وأخوه إلى البربر -، فسار حينئذ بالبربر إلى سجلماسة، وقتل واليها، وأخذ سعيدا، وصار صاحب الأمر، وتسمى بعبيد الله، وتكنى بأبى محمد، وتلقب بالمهدى؛ وصار إماما علويا من ولد محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق؛ ولم يلبث إلا يسيرا حتى قتل أبا عبد الله الداعى، وتملك البربر، وقلع بنى الاغلب (^٢) ولاة المغرب.
قال:
«فعبيد الله - الملقب بالمهدى -: هو [سعيد] (^٣) بن الحسين بن أحمد بن عبد الله ابن ميمون القداح بن ديصان الثنوى الأهوازى، وأصلهم من المجوس».
قال:
أما سعيد هذا الذى استولى على المغرب، وتسمى بعبيد الله، فإنه كان بعد أبيه يتيما فى
_________________
(١) المعروف أن أبا عبد الله الداعى وصل الى المغرب فى سنة ٢٨٨ هـ (انظر ما يلى)، فلما تغلب على افريقية أرسل يستدعى عبيد الله الذى وصل الى المغرب فى سنة ٢٩٥ - ٢٩٦، فلا يعقل اذن أن يكون الخليفة العباسى الذى أرسل فى طلبه هو المعتضد، لأنه حكم بين سنتى ٢٧٩ - ٢٨٩ - ٨٩٢ - ٩٠٢، انظر (Lane-Poole:Op.Cit.P .١٢) و(Zambaur:Op.Cit.P .٤) والأرجح أن يكون من أرسل فى طلبه هو الخليفة المكتفى (٢٨٩ - ٢٩٥ - ٩٠٢ - ٩٠٨) أو الخليفة المقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠ - ٩٠٨ - ٩٣٢).
(٢) فى سنة ١٨٤ (٨٠٠ م) ولى ابراهيم بن الأغلب على افريقية من قبل هارون الرشيد وقد خلف هذا الوالى دولة من أسرته استقلت بالحكم، وكان لها شأن عظيم، فقد أنشأت لنفسها أسطولا كبيرا نشر نفوذها فى شواطئ البحر الأبيض المتوسط الاوربية، وخاصة شواطئ ايطاليا وفرنسا وقورسيقة وسردينيا، وافتتح هذا الاسطول جزيرة صقلية سنة ٢١٢ (٨٢٧)، وضمها الى ملك الأغالبة، وظل الأغالبة يحكمون افريقية نيفا وقرنا (١٨٤ - ٢٩٦ - ٨٠٠ - ٩٠٩) حتى ضعف أمرهم، وحتى مهد ملك الادارسة فى المغرب الأقصى وانتشار المذهب الشيعى لنجاح الدعوة الفاطمية فى سنة ٢٩٦ - ٢٩٧. انظر (Zambaur:Op.Cit.P .٦٧) و(Lane-Poole:Op.Cit.P .٣٦ - ٣٧) و(دائرة المعارف الاسلامية: مادة أغالبة، وما بها من مراجع).
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة عن (الخطط، ج ٢، ص ١٥٨).
[ ١ / ٢٨ ]
حجر عمه - الملقب بأبى الشلعلع -، وكان على ترتيب الدعوة بعد أخيه، فرتب أمرها لسعيد؛ فلما هلك وكبر سعيد، وصار على الدعوة، وترتيب الدعاة والرئاسة، ظهر أمره، وطلبه المعتضد، فهرب إلى المغرب من سلمية.
ويقال إنه ترسّم بالتعليم كى يخفى أمره، وكان يقول عن محمد أنه ربيب فى حجره، وأنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر، وذلك لضعف أمره فى مبدئه، ولذلك يقال عن محمد ابن عبيد الله «يتيم المعلم».
وزعم آخر أن عبيد الله كان ربيبا فى حجر بعض الأشراف، وكان يطلب الإمامة، فلما مات ادعى عبيد الله أنه ابنه؛ وقيل بل كان عبيد الله من أبناء السوقة صاحب علم».
انتهى ما ذكره الشريف.
قال:
ولم يدّع سعيد هذا - المسمى عبيد الله - نسبا إلى على بن أبى طالب إلا من بعد هربه من سلمية، وآباؤه - من قبله - لم يدّعوا هذا النسب؛ وإنما كانوا يظهرون التشيع والعلم، وأنهم يدعون إلى الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأنه حىّ لم يمت.
وهذا القول باطل، وباطنهم غير ظاهرهم، وليس يعرف هذا القول إلا لهم؛ وهم أهل تعطيل وإباحة، وإنما جعلوا علاقتهم بآل رسول الله ﷺ بابا للخديعة والمكر.
ولم يتم لسعيد أمر بالمغرب إلا أن قال: «أنا من آل رسول الله ﷺ» فتم له بذلك الحيلة والخديعة، وشاع بين الناس أنه علوى فاطمى من ولد إسماعيل بن جعفر، فاستعبدهم بهذا القول، وخفى أمر مذهبه عليهم إلا من كشف له من خاصته ودعاته فى تعطيل البارئ، والطعن على جميع الأنبياء، وإباحة أنفس أممهم وأموالهم وحريمهم، ومع ما كانوا يظهرون لم يكن لهم جسارة أن يذكروا لهم نسبا على منبر، ولا فى مجمع بين الناس، سوى ما يشيعون أنهم من آل رسول الله ﷺ بغير نسب ينتسبونه، تمويها على العامة.
[ ١ / ٢٩ ]
ولم يكن أحد من السلاطين المتقدمين كاشفهم فى أمر نسبهم احتقارا منه بهم وببلدهم، ولبعد ما بينهم من المسافة، فجرى أمرهم على ما ذكرنا - منذ ملك سعيد المسمى بعبيد الله المغرب إلى أن جلس نزار بن معدّ يعنى العزيز - بمصر.
ثم ملك فنّا خسرو (^١) بن الحسن الديلمى بغداد، فقرّب ما بينهما من المسافة، فجمع العلويين ببغداد، وقال لهم:
«هذا الذى بمصر يقول إنه علوى منكم».
فقالوا:
«ليس هو منا».
فقال لهم.
«ضعوا خطوطكم».
فوضعوا خطوطهم أنه ليس بعلوى، ولا من ولد أبى طالب.
ثم أنفذ إلى نزار بن معد رسولا يقول له:
«نريد نعرف ممن أنت؟».
_________________
(١) فى الأصل: فناخسر، وهو عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو ابن ركن الدولة أبى على الحسن بن بويه الديلمى، كانت مدة حكمه (٣٦٧ - ٣٧٢)، اتسع ملكه حتى شمل ملك سابقيه من البويهيين، وضم الى ذلك الموصل وبلاد الجزيرة، وهو أول من خوطب بالملك فى الاسلام، وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وكان من ألقابه تاج الملة، فلما صنف له أبو اسحاق الصابى كتاب التاجى فى أخبار بنى بويه أضافه الى هذا اللقب، وكان عضد الدولة محبا للفنون مكرما لأهلها، فقصده فحول الشعراء ومدحوه، وخاصة المتنبى الذى وفد عليه وهو بشيراز فى جمادى الأولى سنة ٣٥٤، ومدحه بقصائد كثيرة كان آخرها قصيدته الكافية التى ودعه فيها وهى آخر شعر المتنبى، وقد أنشأ فناخسرو البيمارستان العضدى ببغداد، وفرغ من بنائه سنة ٣٦٨، وتوفى سنة ٣٧٢ ببغداد، ودفن بدار الملك، ثم نقل الى الكوفة، ودفن بمشهد على بن أبى طالب. انظر: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ١٥٩ - ١٦٢) و(المقريزى: نحل عبر النحل، نشر الشيال، ص ٨٣، ٩٣، ٩٤).
[ ١ / ٣٠ ]
فعظم ذلك عليه، فذكر أن قاضيه ابن النعمان (^١) ساس الأمر، لأنه كان يلى أمر الدعوة والمكاتبة فى أمرها، فنسب نزارا إلى آبائه، وكتب نسبه، وأمر به أن يقرأ على المنابر، فقرئ على منبر جامع دمشق صدر الكتاب، ثم قال:
نزار العزيز بالله بن معد المعز لدين الله، بن إسماعيل المنصور بالله، بن محمد القائم بأمر الله، ابن عبيد الله المهدى، بن الأئمة الممتحنين - أو قال المستضعفين - وقطع.
ثم إن رسول فنّا خسرو سار راجعا، فقتل بالسم فى طرابلس، فلم يأتهم من بعده رسول، وهلك فنّا خسرو.
وذكر (^٢) أبو الحسين (^٣) هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابى، وابنه غرس الدولة
_________________
(١) هو القاضى على بن النعمان بن حيون، ولد فى رجب سنة ٣٢٨ بالمغرب، وقدم مع المعز الى مصر، فأمره بالنظر فى الحكم، فكان يحكم هو وأبو الطاهر (القاضى السابق) الى أن أصابه الفالج، ففوض العزيز لابن النعمان الانفراد بالقضاء، وكان ذلك فى سنة ٣٦٦، فاتبع فى أحكامه المذهب الاسماعيلى، لا المذهب الشافعى، وهو أول من لقب بقاضى القضاة فى مصر، توفى فى رجب سنة ٣٧٤ هـ، وقد تولى عدد كبير من أسرته القضاء فى العصر الفاطمى. انظر: (الكندى: الولاة والقضاة، ص ٤٩٥ - ٤٩٧، ٥٨٩ - ٥٩١، ٥٩٢ - ٥٩٥، ٥٩٦، ٦٠٣، ٦١٣).
(٢) هذه الفقرة الطويلة المنقولة عن تاريخ الصابى، وردت فى المتن بنسخة (ج)، ولكنها لم ترد بالمتن فى نسخة الأصل وانما كتبت على ورقة صغيرة منفصلة، وقدم لها بهذه الجملة «فى ورقة ملصوقة مكتوب فيها بخط المصنف فى هذا المحل ما مقاله»، ومنها يتضح أن كاتب هذه النسخة نقلها عن نسخة المؤلف التى كانت لا تزال فى مرحلة التأليف، فكان يضيف اليها بين الحين والآخر اضافات من قراءاته يثبتها على بطاقات أو طيارات صغيرة ويشير بعلامة فى المتن الى أمكنة هذه الاضافات.
(٣) فى الأصل: «أبو الحسن»، والتصحيح عن تاريخه المطبوع، وقد ولد هلال سنة ٣٥٩ هـ، وتوفى سنة ٤٤٨، جده أبو أبيه ابراهيم صاحب الرسائل، انظر ترجمته فى (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٢٠ - ٢١)، كان صابئا، وكان أبو المحسن صابئا كذلك، أما هلال فقد أسلم متأخرا، انظر قصة اسلامه سنة ٤٠٣ - كما ذكرها سبط بن الجوزى فى مرآة الزمان - فى أول كتابه المطبوع فى تاريخ الوزراء، ولهلال التاريخ الذى ذيل به على تاريخ ثابت بن سنان، وفيه يؤرخ للسنوات من ٣٦١ الى ٤٤٧، وذيل عليه ابنه غرس النعمة، وكتاب الدولة البويهية وكتاب رسوم دار الخلافة، وكتاب أخبار بغداد، وكتاب الوزراء ذيله على كتاب الجهشيارى .. الخ انظر: (القفطى فى ترجمته ثابت بن سنان) وقد طبع لهلال كتاب تحفة الأمراء فى تاريخ الوزراء، بدأه بالكلام عن أبى الحسن على بن محمد بن موسى بن الفرات، وانتهى فيه بالكلام -
[ ١ / ٣١ ]
محمد - فى تاريخهما - أن القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الحسين (^١) ابن موسى بن محمد بن (^١) إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق، وابنه أبا القاسم عليا المرتضى (^٢)، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم أبيات الشريف الرضى (^٣) أبى الحسن محمد بن أبى أحمد الحسين التى أولها:
ما مقامى على الهوان وعندى … مقول صارم، وأنف حمىّ
وإباء محلّق بى عن الضّيم، … كما راغ طائر وحشىّ
أىّ عذر له إلى المجد إن ذلّ … غلام فى غمده المشرفىّ
أحمل الضيم (^٤) فى بلاد الأعادى، … وبمصر الخليفة العلوىّ
_________________
(١) = - عن أبى الحسن على بن عيسى المتوفى سنة ٣٣٤ هـ، وطبع معه فى مجلد واحد الجزء الثامن من كتابه التواريخ، وهو الجزء الوحيد الذى وجد من تاريخه وحوادثه من ٢٩٩ الى ٣٩٩، وقد نشر الكتابين معا وقدم لهما المستشرق آمدروز، هذا ولم أعثر فى هذا الجزء من تاريخه على أثر لهذا الحادث المروى هنا لمقارنة النصين أحدهما بالآخر.
(٢) راجع: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٣٦٦) و(ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٤، ص ٥٦ و١٥٧ و١٦٧ و٢٢٣) و(ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١١، ص ٣٤٢).
(٣) أبو القاسم على الشريف المرتضى، ولد سنة ٣٥٥ وتوفى سنة ٤٣٦، تولى نقابة الطالبيين نيابة عن أبيه مدة حياته، ثم وليها وحده فى سنة ٤٠٦ بعد وفاة أخيه الشريف الرضى، كان شاعرا مجيدا كأخيه، وله ديوان ومؤلفات فى المذهب الشيعى، ويقول ابن خلكان: وقد اختلف الناس فى كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الامام على بن أبى طالب، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضى، وقد قيل انه ليس من كلام الامام على بن أبى طالب، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضى، وقد قيل أنه ليس من كلام على وانما الذى جمعه ونسبه اليه هو الذى وضعه، انظر: (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ١٤ - ١٧) و(النجوم الزاهرة، ج ٣ و٤ الصفحات المذكورة فى الفهرس) و(ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٥٣) انظر أيضا بيان مؤلفاته التى طبعت فى (معجم سركيس).
(٤) أبو الحسن محمد الشريف الرضى، ولد سنة ٣٥٩ وتوفى سنة ٤٠٦ ببغداد، ولى نقابة الطالبيين والنظر فى المظالم والحج بالناس نيابة عن أبيه، ثم وليها وحده سنة ٣٨٨ وأبوه حى، وكان شاعرا ممتازا، وله ديوان كبير طبع مرتين فى بيروت، وفى بمباى، وقد راجعنا شعره الوارد هنا على الطبعة الثانية. انظر ترجمته بالتفصيل فى (ابن خلكان: الوفيات، ج ٢، ص ٣٦٢ - ٣٦٧) و(النجوم الزاهرة، ج ٣ و٤، الصفحات المذكورة بالفهرس) و(ابن كثير: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣ و٤).
(٥) فى الديوان: «ألبس الذل»
[ ١ / ٣٢ ]
من أبوه أبى، ومولاه مولا … ى، إذا ضامنى البعيد القصىّ
لفّ عرقى بعرقه سيدا النا … س جميعا: محمد وعلىّ
إنّ جوعى بذلك الربع شبع … وأوامى بذلك الظلّ رىّ
مثل من يركب الظلام وقد أس … رى ومن خلفه هلال مضىّ (^١)
وقال الحاجب للنقيب أبى أحمد:
«قل لولدك محمد: أىّ هوان قد أقام فيه عندنا؟ وأىّ ضيم لقى من جهتنا؟ وأىّ ذل أصابه فى مملكتنا؟ وما الذى يعمل معه صاحب مصر لو مضى إليه؟ أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا؟ [ألم نوله النقابة؟] (^٢) ألم نوله المظالم؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز وجعلناه أمير الحجيج؟ فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا؟ ما نظنه كان يكون - لو حصل عنده - إلا واحدا من أبناء الطالبيين بمصر».
فقال النقيب أبو أحمد:
«أما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه، ولا رأيناه بخطه، ولا يبعد أن يكون بعض أعدائه نحله إياه، وعزاه إليه».
فقال القادر:
«إن كان كذلك فليكتب الآن محضر يتضمن القدح فى أنساب ولاة مصر، ويكتب محمد خطّه فيه».
فكتب محضر بذلك، شهد فيه جميع من حضر المجلس، منهم: النقيب أبو أحمد، وابنه المرتضى.
وحمل المحضر إلى الرضىّ ليكتب فيه خطّه، حمله أبوه وأخوه، فامتنع، وقال:
«لا أكتب، وأخاف دعاة صاحب مصر».
_________________
(١) توجد للقصيدة تتمة فى الديوان لم يذكرها المقريزى هنا.
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة عن ج.
[ ١ / ٣٣ ]
وأنكر الشعر، وكتب بخطه أنه ليس بشعره، ولا يعرفه؛ فأجبره أبوه على أن يسطر خطّه فى المحضر، فلم يفعل، وقال:
«أخاف دعاة المصريين وغلبتهم (^١)، فإنهم معروفون بذلك».
فقال أبوه:
«يا عجبا! أتخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ، ولا تخاف من بينك وبينه مائة ذراع؟» وحلف أن لا يكلمه، وكذلك المرتضى، فعلا ذلك تقية وخوفا من القادر، وتسكينا له.
فلما انتهى الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره له، وبعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة، وولاها محمد بن عمر النهرسابسى (^٢).
_________________
(١) ج: «وغيلتهم»
(٢) عند هذا اللفظ تنتهى الفقرة الملحقة بالورقة الاضافية.
[ ١ / ٣٤ ]
وقال الإمام على بن محمد بن عبد الكريم بن الأثير الجزرى فى كتاب «الكامل فى التاريخ»!