فى محرّم خلع على مظفّر الخادم الصقلبى، وحمل على ثلاث بغلات بمراكبها، ومعه ثياب كثيرة؛ وندب لحمل المظلة. وخلع على متولّى الأسود وحمل لواؤه ببرقة. وقبض على أبى داود بن المطيع. وخلع علىّ [صاحب] (^٢) ديوان النفقات وضرب عنقه بسبب أنه سرق مائتى ألف دينار ذهب.
وقدم مفلح اللّحيانى إلى دمشق فى المحرّم، فسار عنها تموصلت يريد مصر، ونزل بداريّا (^٣) فمات بها فى ثانى صفر. فلما ورد خبر موته إلى الحاكم خلع على ولديه وحملهما.
وقدم الحاجّ فى رابع عشريه.
وفى ربيع الأول ألزم الناس بوقود القناديل باللّيل فى سائر الشوارع والأزقّة بمصر.
وخلع على أبى يعقوب بن نسطاس المتطبّب وحمله على بغلتين ومعه ثياب كثيرة؛ ومنحت له دار بالقاهرة وفرشت، وألزم بالخدمة. وكان قد هلك منصور بن معشر الطبيب.
وهدمت كنيستان بجانب جامع راشدة.
وفى جمادى الآخرة حمل إلى الشريف أبى الحسن على النرسى رسمه يجارى به العادة فى كل سنة، وهو من الثياب عشرون قطعة بنحو خمسمائة دينار.
وفى رجب قرئ سجّلان؛ أحدهما فيه إنكار الحاكم على من يخاطبه فى المكاتبة بمولى الخلق أجمعين؛ والآخر بمسير الحاج أول ذى القعدة (^٤).
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها الثلاثين من أكتوبر سنة ١٠٠٣. ويلاحظ أن المؤلف قد أسقط سنة ٣٩٣ من الحديث بعنوان مستقل، وإن كان قد ذكر بعض أحداثها فى أخبار السنة السابقة ٣٩٢. وسيعود المؤلف إلى مثل هذا كثيرا.
(٢) ساقطة من الأصل والسياق يقتضيها.
(٣) قرية كبيرة بغوطة دمشق. معجم البلدان: ٢٤:٤.
(٤) كانت العادة قبل ذلك أن يسير الحاج حول منتصف ذى القعدة، وعندئذ لم يكن من السهل أن يدرك مناسك الحج والزيارة معا، وسيتبين بعد سنوات أن مرسوما آخر سيصدر بضرورة سير الحاج فى منتصف شوال.
[ ٢ / ٤٨ ]
وقبض على ثلاثة عشر رجلا ضربوا وشهّروا على الجمال وحبسوا ثلاثة أيام بسبب أنهم صلّوا صلاة الضحى
وفى شعبان خرج الكتاميون إلى باب الفتوح، فترجّلوا وكشفوا رءوسهم، واستغاثوا بعفو أمير المؤمنين فأوصل إلى الحاكم جماعة منهم، فوعدهم، وكتب لهم سجلّ قرئ بالقصر والجوامع بالرضا عنهم وإعادتهم إلى رسومهم فى التكرمة.
وأمر بهدم جامع عمرو بن العاص بالإسكندرية.
وصلى الحاكم بالناس فى رمضان صلاة الجمعة مرتين وخطب (^١).
وفى سادس عشره صرف الحسين بن النعمان عن القضاء. وكان قد ضرب فى الجامع فندب الحاكم جماعة من شيوخ الأضياف يركبون معه إلى كل مجلس فيه جماعة من الخاصة وأمر أصحاب سيوف الحلى بالمشى بين يديه فى كل يوم. فكان إذا حضر إلى الجامع العتيق وقام يصلى وقف جماعة الأضياف صفّا خلفه يسترونه، ولا يصلّى أحد منهم حتى يفرغ من صلاته ويعود إلى مجلسه؛ فإذا جلس فى مجلسه كانوا قياما عن يمينه وشماله. وهو أول قاض فعل ذلك معه، وأول قاض كتب فى سجلاته قاضى القضاة؛ وعلت منزلته عند الحاكم وتخصص به. وكان له عند الحاكم جماعة يمدحونه ويبالغون فى الثناء عليه، منهم ريحان اللحيانى وزيدان ومصلح اللحيانى؛ فانبسطت يده وعظم شأنه؛ ولا عن بين رجل وامرأته؛ وتشدّد على الناس؛ فكان إذا أبطأ شاهد (^٢) يوم جلوسه فى الجامع عن الحضور إلى داره والركوب معه رسم عليه وأغرمه مالا ليأخذه. وألزم كتّابه بملازمة داره دائما. وكانت
_________________
(١) وكانت رسوم الفاطميين تقضى بأن يصلى الخليفة الجمعة ثلاث مرات، ويستريح الجمعة الرابعة.
(٢) كانت الشهادة وظيفة دينية يقوم بها الشهود المعدلون، فإذا حضر القاضى للحكم جلس الشهود المعدلون حوله يمنة ويسرة على مراتبهم فى أقدمية تعديلهم. وكان الشهود المعدلون يعينون من قبل الخليفة. صبح الأعشى: ٤٨٦:٣.
[ ٢ / ٤٩ ]
إليه الدعوة أيضا. وكان قاضى القضاة وداعى الدعاة، وقد أفضل على جماعة من أهل العلم والأدب والبيوتات.
فكانت مدّة نظره فى القضاء خمس سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. ومولده لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة ثمان وخمسين. وهو أول قاض أحرق بعد قتله، فإن الحاكم أحرقه بعد ما قتله فى سادس محرم الآتى ذكره.
وفى سادس عشر رمضان قلّد أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان القضاء إلى ما بيده من النظر فى المظالم، وخلع عليه، وقلّد سيفا محلّى بذهب، وحمل على بغلة وبين يديه سفط ثياب. فنزل فى موكب عظيم إلى الجامع العتيق، فجلس تحت المنبر ورقى أبو على أحمد بن عبد السّميع وقرأ سجلّه. وانصرف إلى داره فنزلها وحكم، واستخلف على الحكم أبا الحسن مالك بن سعيد الفارقى مضافا إلى ما كان مستخلفا عليه من الحكم فى القاهرة.
واستكتب أبا يوسف منال لحضرته والتوقيعات عنه؛ ثم كتب له سجل بأخذ الفطرة والنجوى (^١) وحضور المجلس بالقصر وأخذ الدعوة على الناس، وقراءة ما يقرأ على من دخل الدعوة.
فحضر يوم الخميس الثانى عشر منه، وقرأ ما جرى الرسم بقراءته فى القصر، وأخذ النجوى والفطرة، وأوقف سائر الشهود الذين قبلهم حسين فى أيامه؛ وصرف عدّة من المستخلفين بالأعمال؛ واستكتب أبا طالب ابن السندى فوقّع بين يديه؛ واستكتب أبا القاسم علىّ ابن عمر الوراق؛ وكتب السجلات وكتب القضايا والأحكام. ولزم حسين داره وقد استبدّ خوفه؛ وحملت كتب ديوان الحكم من داره إلى دار عبد العزيز.
_________________
(١) الفطرة والنجوى والخمس رسوم مالية تؤخذ ممن يعتنقون المذهب الفاطمى، مع بعض رسوم أخرى تتفاوت بتفاوت مدى تعمق الأعضاء فى فهم الدعوة والعمل فى سبيلها. وكان يفرد لكل جماعة من الناس مجلس خاص يناسب مكانتها الاجتماعية والمذهبية. انظر فى الدعوة ورسومها ومراتبها: الخطط: ٣٩١:١ - ٣٩٥.
[ ٢ / ٥٠ ]
وفيه قرئ سجل بالإنكار على الكتّاب ومن يجرى مجراهم فى أخذ شيء من البراطيل (^١) ونحوها.
وركب الحاكم لصلاة العيد بالمصلّى، فصلّى وخطب وحضر السماط بالقصر على رسمه فى ذلك.
وبرزت قافلة الحاج فى ثامن ذى القعدة بالكسوة والصّلات على العادة.
وصلّى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر، ونحر فى الملعب (^٢).
وفيها قتل سهل بن يوسف، أخو يعقوب بن يوسف بن كلس الوزير، بسبب قوة طمعه وكثرة شرهه. وعند ما قدّم للقتل سأل أن يدفع السّاعة ثلاثمائة ألف دينار عينا يفدى بها نفسه، فلم يجب.
وقتل أيضا القائد أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار، من أجل أنه كان إذا دخل من باب البحر (^٣) تكون رجله على عنق دابّته ويكون الحاكم فى المنظرة التى على بابه، فتصير رجله إلى وجه الحاكم؛ وكان ابن البازيار قد اعتراه وجع النّقرس، فعدّ ذلك الحاكم عليه دينا قتله به فى شوال لسوء التوفيق.
وفيها قدم من برقة عدّة من بنى قرّة إلى الإسكندرية، فقتلوا عن آخرهم. وذلك أن يانس لما قتل وصل عسكره إلى طرابلس، فنازلهم القائد جعفر بن حبيب فزحف إليه فلفول
_________________
(١) البراطيل جمع برطيل بمعنى الرشوة. يقال برطل فلان فلانا: رشاه، وتبرطل ارتشى وهو المقصود هنا. (البرطيل أيضا المعول) القاموس المحيط.
(٢) لعل المقصود به المنحر الذى اتخذه الفاطميون لنحر الأضاحى فى عيد الأضحى، ولنحر غيرها فى عيد الغدير، وموضعه أرض فضاء بالدرب الأصفر من حى الجمالية. النجوم الزاهرة: ٩٨:٤: حاشية: ٧.
(٣) باب البحر من أبواب القصر الغربية، سمى بذلك لأن الخليفة كان يخرج منه عند ما يريد التوجه إلى شاطئ المقس للنزهة. وموضعه اليوم مدخل حارة بيت القاضى بشارع بين القصرين.
[ ٢ / ٥١ ]
ابن خزرون ففرّ منه؛ وخرج فتوح بن على ومن معه من أصحاب يانس إلى فلفول وملّكوه عليهم؛ فقام بدعوة الحاكم، وعقد الحاكم ليحيى بن على بن حمدون الأندلسىّ على أطرابلس وكتب لبنى قرّة أن يسيروا معه، فمضوا من برقة معه وخذلوه؛ فعاد إلى القاهرة ورجع بنو قرّة إلى برقة وأظهروا الخلاف، فأمّنهم الحاكم حتى قدموا وحدهم إلى إسكندرية فقتلوا.
واستقرت أطرابلس بيد فلفول وتداولها بنوه (^١).
_________________
(١) بعد أن توفى فلفول سنة أربعمائة.
[ ٢ / ٥٢ ]