فى المحرم قدم عيسى بن جعفر الحسنى أمير مكة بالقاسم بن على الرسّى الثائر بالحجازا، فأكرمهما العزيز، وأحسن إليهما.
ووصلت قافلة الحاج لست عشرة خلت من صفر.
ونزل منصور بن مقشر طبيب العزيز لتعهده وبين يديه الجنائب، وعلى الصبى شاشية مرصعة، وبين يديه أسطال فضة، وثلاثون شمعة موكبيّة، وشمع معنبر، فشقّ الشارع نهارا إلى الكنيسة.
وفى ربيع الأول جلس منصور بن العزيز فى المكتب.
وورد صندل عامل برقة بالهدية من المال والخيل والبغال والأحمال المحزومة، والجمال، فخلع عليه وحمل.
وفيه حمل إلى القصر بستان من فضة فيه أنواع الأشجار المثمرة وجميع الأزهار، كلّ ذلك من فضة.
وفى ربيع الآخر سار منجوتكين من دمشق فى ثلاثين ألفا لقتال ابن حمدان بحلب، وقد اجتمعت عساكر الروم بأنطاكية، فأقام بفامية، وسيّر إلى ما حول أنطاكية من القرى فأخربها.
ثم رحل عنها لكثرة الحرّ والذباب إلى جبلة، فأخذها وما حولها، فنال منها شيئا كثيرا.
وسار إلى حلب، فحاصرها نحوا من شهرين، فعزم الروم على نجدة ابن حمدان بحلب، وقد أتتهم أمدادهم وجموع كثيرة وساروا يريدون حلب، فبرز إليهم منجوتكين، وواقعهم فهزمهم، وقتل منهم نحو خمسة آلاف، ومضى من بقى منهم إلى أنطاكية، وذلك فى شعبان.
[ ١ / ٢٨١ ]
فلما انقضى أمر الوقعة عاد منجوتكين، فنزل على حلب، وضايق أهلها بالحصار والقتال:
حتى أكلوا الميتة من الجوع، وخرج منها خلق كثير إلى منجوتكين، وأقام على حصارها بقية السنة.
وفى جمادى الأولى وصل غزاة البحر إلى القاهرة بمائة أسير، فزينت القاهرة ومصر أعظم زينة، وركب العزيز وابنه منصور، وشقّا الشوارع، ثم ركب فى عشارى (^١)، ومعه العشاريات سائرة إلى المقس، ثم ركب من المقس إلى القصر فكان يوما عظيما لم ير بمصر مثله، وقال فيه الشعراء.
وفى جمادى الآخرة سار عيسى بن جعفر أمير مكة بالجوائز والخلع ومعه القاسم الثائر.
واشتدت المطالبة على ابن الفرات، وأحيل عليه بمال، فأعنته المحتالون عليه، ولحقه منهم مكروه، وألقوه عن فرسه فكسرت إصبعه، وامتدت أيديهم إليه، فالتجأ إلى دار القائد أبى عبد الله الحسين بن البازيار، فأصلح قضيته.
وجهزت هدية إلى ابن زيرى بالمغرب، وهى:
فيل.
ومائة فرس مسرجة ملجمة.
_________________
(١) العشارى - ويقال العشيرى - نوع من السفن العربية القديمة، وقد وصفه (عبد اللطيف البغدادى، الافادة والاعتبار، ص ٥٤) وصفا دقيقا، قال: «وأما سفنهم (أى المصريين) فكثيرة الاصناف والاشكال، وأغرب ما رأيت فيها مركب يسمونه «العشيرى» شكله شكل شبارة داخلة (وهى سفينة عراقية) الا أنه أوسع منها بكثير وأطول وأحسن هنداما وشكلا؛ قد سطح بألواح من خشب ثخينة محكمة، وأخرج منها أفاريز كالرواشن نحو ذراعين، وبنى فوق هذا السطح بيت من خشب، وعقد عليه قبة، وفتح له طاقات وروازن بأبواب الى البحر من سائر جهاته، ثم تعمل فى هذا البيت خزانة مفردة ومرحاض، ثم يزوق بأصناف الاصباغ، ويدهن بأحسن دهان، وهذا يتخذ للملوك والرؤساء بحيث يكون الرئيس جالسا فى وسادته وخواصه حوله، والغلمان والمماليك قيام بالمناطق والسيوف على تلك الرواشن، وأطعمتهم وحوائجهم فى قعر المركب، والملاحون تحت السطح أيضا وفى باقى المركب يقذفون به، ولا يعلمون شيئا من أحوال الركاب، ولا الركاب تشتغل خواطرهم بهم، بل كل فريق بمعزل عن الآخر، ومشغول بما هو بصدده، واذا أراد الرئيس الاختلاء بنفسه عن أصحابه دخل المخدع، واذا أراد قضاء حاجته دخل المرحاض … الخ»
[ ١ / ٢٨٢ ]
وبغال.
ونوق، وبخاتى.
وثلاثون قبة مثقلة.
وأحمال محزومة، فيها بزّ وكسوة من عمل تنّيس ودمياط وغيره.
وبلور، وصينى، وغرائب.
وعشر خلع مذهّبة بمناديلها.
وعشرة أفراس من خاص العزيز بمراكب ذهب.
وركب العزيز بابنه لفتح الخليج وأمر ألا تباع دار بما فوق مائتى دينار إلا بعد عرضها على من يلى ديوان الأملاك.
وورد سبكتكين من صقلية، فخلع عليه؛ ووردت هدية متولى صقلية، وهى: خيل، وجمال، وصناديق مال.
وصلى العزيز بالناس الجمعة بعد ما خطب بجامع القاهرة وبجامعه، ومعه ابنه فى أيام الجمع من شهر رمضان، وعمل فى آخره سماطا للعيد، وصلى العزيز بالناس صلاة عيد الفطر، وخطب على الرسم.
وتسلّم عيسى بن نسطورس سائر الدواوين، ونظر فى جميعها، وأمر ونهى، وخاطب سائر الكتّاب عن العزيز، وخاطبه سائر الأولياء وكافة الناس فى مهماتهم وتوقيعاتهم.
وقدم يحيى بن النعمان من تنّيس ودمياط والفرما بأسفاط وتخوت وصناديق مال، وخيل وبغال وحمير، وثلاث مظلات وكسوتين للكعبة (^١).
ولاثنتى عشرة خلت من ذى القعدة عرض العزيز العساكر بظاهر القاهرة، فنصب له مضرب ديباج رومى فيه ألف ثوب بصفريّة فضة (^٢)، وفازة (^٣) مثقل، وقبة مثقل بالجوهر،
_________________
(١) هذا نص هام آخر يؤكد أن كسوة الكعبة كانت تصنع فى العصر الفاطمى فى دور الطراز بتنيس ودمياط.
(٢) انظر ما فات هنا ص ٢٤٢، هامش ١.
(٣) انظر ما فات هنا ص ٢٤٤، هامش ٢.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وضرب لابنه منصور مضرب آخر، وعرضت العساكر، فكانت مائة عسكر، وأحضرت أسارى الروم، وهم مائتان وخمسون، منهم ثمانى بطارقة، وثمانية عشر من أصحاب ابن حمدان وطيف بهم؛ وخلع على الحمدانية، فكان يوما عظيما.
وسارت قافلة الحاج لأربع عشرة بقيت منه بالكسوة والصلات.
وصلى العزيز صلاة عبد النحر وخطب بالمصلى على رسمه، ونحر وفرّق الضحايا.
وجرى الرسم فى عيد الغدير على العادة.
[ ١ / ٢٨٤ ]