فى المحرّم قلّدت الشرطتان لمحمد بن نزال، وأمر بتتبّع المنكرات والمنع منها، وألاّ يباع زبيب أكثر من خمسة أرطال، ولا تباع الجرار. ومنع النّصارى من الاجتماع فى عيد الصليب (^٢)، وأن يظهروا فى المضىّ إلى الكنائس.
وأوفى النيل ستّة عشر ذراعا فى رابع عشر صفر، وهو سادس عشر توت.
وفى تاسع ربيع الآخر خلع على غين الخادم وقلّد بسيف، وقرئ سجلّه بأنه لقّب بقائد القواد فليكاتب بذلك ويكاتب به؛ وقيد معه عشرة أفراس بسروجها ولجمها.
وهدمت اللؤلؤة (^٣).
وفى جمادى الآخرة منع بيع قليل الزبيب وكثيره، وكوتب بالمنع من حمله، وألقى فى النيل منه شيء كثير.
وفى رجب قطع الرسم الجارى من الخبز والحلوى الذى كان يقام فى الثلاثة أشهر لمن يبيت بجامع القاهرة فى ليالى الجمع والأنصاف. وحضر القاضى مالك إلى جامع القاهرة فى ليلة النصف من رجب. واجتمع الناس بالقرافة (^٤) على عادتهم فى كثرة اللعب والمزاح.
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها الرابع من أغسطس سنة ١٠١١.
(٢) ويحتفل به فى اليوم السابع عشر من شهر توت وكان من الأعياد المستحدثة، وسببه عندهم ظهور الصليب على يد هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين: الخطط: ٢٦٦:١.
(٣) منظرة للفاطميين على الخليج كانت تعرف باسم قصر اللؤلؤة، بالقرب من باب القنطرة، وكانت من أبهى المبانى الفاطمية وأعظمها زخرفة كانت تشرف من شرقيها على البستان الكافورى ومن غربيها على الخليج الذى لم يكن فيه من المبانى شيء، فكان الجالس فى المنظرة يشرف على البساتين المترامية وجميع أرض الطبالة وسائر أرض اللوق، بناها العزيز بالله. الخطط: ٤٦٧:١ - ٤٦٨.
(٤) هى فى الأصل المقبرة الإسلامية التى أنشأها ابن العاص بأمر ابن الخطاب فى سفح المقطم؛ وكان المقوقس قد سأل ابن العاص أن يبيعه إياها بسبعين ألف دينار لأن بها غراس الجنة. والقرافة هم بنو غصن بن سيف بن وائل بن المغافر، وقيل قرافة اسم امرأة من بنى وائل. ويذكر ياقوت أن القرافة مقبرة عظيمة بمصر لقبيلة من المغافر يقال لهم بنو قرافة. -
[ ٢ / ٨٩ ]
وقرئ سجلّ فى القصر بأنّ أحدا لا يلتمس من أمير المؤمنين زيادة رزق ولا صلة ولا إقطاع ولا غير ذلك من المنافع.
واستهلّ شعبان يوم الاثنين، فأمر أن يجعل أوّله يوم الثلاثاء؛ وأخذ جميع ما عند التجار من السلاح بثمنه للخزانة. ومنع النساء من الخروج بعد العشاء الآخرة.
وفى ليلة النصف من شعبان كثر إيقاد القناديل فى المساجد، وتنافس الناس فى ذلك.
وصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة العيد.
وتشدّد الأمر فى الإنكار على بيع الفقاع والملوخية والسّمك الذى لا قشر له. ومنع الناس من الاجتماع فى المآتم ومن اتّباع الجنائز. وأحرق زبيب كثير كان فى محارق التجار. وجمع الشطرنج من أماكن متعدّدة وأحرق. وجمع الصيادون وحلّفوا أنهم لا يصطادون سمكا بغير قشر، ومن فعل ذلك ضربت رقبته. وتوالى إحراق الزبيب عدة أيام بحضرة الشهود؛ وتولّى مئونة الإنفاق على حمله وإحراقه متولّى ديوان النفقات؛ فأحرق منه ألفان وثمانمائة وأربعون قطعة بلغت مئونة الإنفاق عليها خمسة آلاف دينار فى مدة خمسة عشر يوما.
وقرئ سجلّ بمنع الناس من السفر إلى مكّة فى البرّ والبحر، ومن حمل الأمتعة والأقوات إليها؛ فردّ قوم خرجوا إلى الحجّ من الطريق.
_________________
(١) = - وقد أصبحت القرافة من المنتزهات الجميلة العامرة أيام الفاطميين، ذلك أن الرؤساء كانوا يلازمون جامع الأولياء بها فى الصيف ويحضرون الحلوى والأشربة والجرايات، فكثر الطفيليون به وانتشرت المساجد وعمرت المنطقة لأجل ما يحمل إليها وما يعمل فيها من الحلاوات واللحومات والأطعمة وقد قيل فيها: إن القرافة قد حوت ضدين من … دنيا وأخرى، فهى نعم المنزل يغشى الخليج بها السماع مواصلا … ويطوف حول قبورها المتبتل الخطط: ٤٤٣:٢ - ٤٤٥.
[ ٢ / ٩٠ ]
ومرض غين الخادم، فركب الحاكم لعيادته، وسيّر إليه خمسة آلاف دينار وخمسة وعشرين فرسا مسرجة ملجمة؛ وقلّد الشرطة والحسبة بمصر والقاهرة والجزيرة، والنظر فى جميع الأموال والأحوال. ونزل إلى الجامع العتيق ومعه سائر العسكر بخلعه، وقرئ سجلّه وفيه تشدّده فى المسكرات والمنع من بيع الفقاع والملوخية والسمك الذى لا قشر له، والمنع من الملاهى ومن اجتماع الناس فى المآتم واتباع الجنائز، والمنع من بيع العسل إلاّ أن يكون ثلاثة أرطال فما دونها.
وفى ذى الحجة وردت هدية تنّيس على العادة فى كل سنة.
ولم يركب الحاكم لصلاة عيد النحر، فصلى بالناس مالك بن سعيد وخطب. ولم يخرج من النساء إلى الصحراء فلم تر امرأة على قبر.
ومنع من الاجتماع على شاطئ النيل، ومن ركوب النساء المراكب مع الرجال وخروجهن إلى مواضع الحرج مع الرجال. وفيه عمل عيد الغدير على رسمه وفرّقت فيه دراهم كثيرة.
ومنع من بيع العنب وألاّ يتجاوز فى بيعه أربعة أرطال، ومنع من اعتصاره، فبيع كلّ ثمانية أرطال بدرهم، وطرح كثير منه فى الطرقات، وأمر بدوسه؛ ومنع من بيعه البتة؛ وغرّق ما حمل منه فى النيل. وبعث شاهدين إلى الجيزة فأخذ جميع ما على الكروم من الأعناب وطرحت تحت أرجل البقر لدوسه، وبعث بذلك إلى عدة جهات. وتتبّع من يبيع العنب، واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع أحد بيعه؛ فاتفق أنّ شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب، فصدفه الحاكم عند قائلة النهار على جسر ضيّق، فقال له:
من أين أقبلت؟ قال من أرض الله الضّيّقة. فقال: يا شيخ، أرض الله ضيقة؟ فقال:
لو لم تكن ضيّقة ما جمعتنى وإياك على هذا الجسر. فضحك منه وتركه.
[ ٢ / ٩١ ]
وفيها أخذ بنو قرجه هدية باديس بن المنصور صاحب إفريقية وزحفوا إلى برقة، ففرّ عاملها فى البحر وفتحوها. وفيه نزع السعر.
وفيها مات أبو القاسم ولىّ الدولة ابن خيران الكاتب فى شهر رمضان.
وانتهى ماء النيل فى زيادته إلى ستة عشر ذراعا ونصف [ذراع] (^١).
_________________
(١) فى هذه السنة فى شهر ربيع الآخر عقد القادر بالله، الخليفة العباسى، مجلسا أحضره عددا من العلماء والأشراف ببغداد للطعن فى صحة نسب الفاطميين إلى بيت النبوة «فشهدوا جميعا أن الناجم بمصر، وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والخزى والنكال - ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله - فإنه لما صار إلى المغرب تسمى بعبيد الله وتلقب بالمهدى هو ومن تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليه وعليهم اللعنة - أدعياء خوارج لا نسب لهم فى ولد على بن أبى طالب …» ونجد تفصيل ذلك وقصته فى كتب كثيرة منها الجزء الأول من هذا الكتاب، وفى النجوم الزاهرة: ٢٢٩:٤ - ٢٣١، والكامل لابن الأثير: ٨١:٩.
[ ٢ / ٩٢ ]