فى نصف صفر قدم الحاجّ.
وفى ربيع الأول قرئ سجل برفع المنكرات وإبطالها وبمنع ذلك، فختم على عدة مواضع فيها المسكرات لتراق.
وابتدئ فى عمارة جامع راشدة (^٢)، وكان مكانه كنيسة فبنى جامعا، وأقيمت فيه الجمعة، وفى ثامن جمادى الآخرة ضربت رقبة فهد بن إبراهيم، وله منذ نظر فى الرئاسة خمس سنين وتسعة أشهر واثنا عشر يوما. فحمل أخوه أبو غالب إلى سقيفة القصر من مال أخيه فهد جرايات فيها خمسمائة ألف دينار. فلما خرج الحاكم سأل عنها فعرّف خبرها، فأعرض عنها؛ وبقيت هناك مدة ثم أمر بها فردّت إلى أولاد فهد، وقال إنا لم نقتله على مال؛ فحملت إليهم، ثم رفع أصحاب الأخبار عن أبى غالب كلمة تكلّم بها، فقتل وأحرق بالنّار.
وخلع على أبى الحسن على بن عمر بن العداس مكانه، وخلع على ابنه محمد بن على، وعلى الحسين بن طاهر الوزان، وحملوا فى رابع عشره.
وسار الأمير ياروخ متقلدا طبرية وأعمالها.
وقبضت أموال من قبض عليه من النصارى الكتاب.
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها العشرين من نوفمبر سنة ١٠٠١.
(٢) ويذكر النويرى فى نهاية الأرب أن ابتداء عمارته كان فى سابع عشر ربيع الآخر سنة ٣٩٣. ويذكر فى سبب إنشائه أن أبا المنصور الزيات الكاتب زرع هذا الموضع وبنى للنصارى فيه كنيسة، فرفع أمره إلى الحاكم فأمر بهدم الكنيسة وأن يجعل موضعها مسجد، ثم أمر بتوسعته فخربت مقابر اليهود والنصارى، وبنى فيه منبر من طين. وعرف الجامع بهذا الاسم نسبة إلى أنه يقع فى خطة راشدة ابن أدب بن جديلة، من لخم، بالفسطاط، وكانت بالجبل المطل على بركة الحبش وهو الجبل المعروف بالرصد. ولا وجود الآن لهذا المسجد وموقعه بحى «إسطبل عنتر» بأثر النبى. الخطط: ٢٨٢:٢.
[ ٢ / ٤٤ ]
وأمر بإتمام بناء الجامع الذى ابتدأ بعمارته العزيز على يد وزيره يعقوب بن كلّس خارج باب الفتوح من القاهرة، فقدرت النفقة عليه أربعين ألف دينار، فابتدى بعمله (^١).
وفى خامس عشر من شهر رجب ضرب عنق أبى طاهر محمود بن النحوى الناظر فى أعمال الشام لكثرة تجبّره وعسفه بالناس.
وفى غرة شعبان جمع فى الجامع الجديد بظاهر باب الفتوح.
وقطع الحاكم الركوب فى الليل.
وردّ إلى أولاد فهد بن ابراهيم سروجهم المحلاّة وأمروا بالركوب بها. وأطلق من اعتقل من الكتاب النصارى.
وصلى الحاكم فى رمضان بالناس أجمعين بعد ما خطب؛ وصلى صلاة عيد الفطر وخطب على الرسم. وأكثر من الحركة فى شهرى رمضان وشوال إلى دمنهور (^٢) والأهرام وغيرهما.
وسافر الحاجّ للنصف من ذى القعدة.
وأما الشام فإنه لما مات جيش بن الصّمصامة فى شهر ربيع الآخر سنة تسعين ولى دمشق شيخ من المغاربة يقال له فحل بن تميم (^٣)، فلبث شهورا ومات؛ فقدم عند الحاكم على [ابن جعفر (^٤)] بن فلاح فنزل على دمشق ليومين بقيا من شوّال، وأقام بها غير منبسط اليد
_________________
(١) بدأ العزيز بالله عمارته سنة ٣٨٠، وصلى الجمعة فيه فى الرابع عشر من رمضان سنة ٣٨١ قبل أن تكتمل عمارته، وموقعه بين بابى الفتوح والنصر داخل مدينة القاهرة، وأشرف على بنائه الحافظ عبد الغنى بن سعيد المصرى، أبو محمد، وكان إمام زمانه فى علم الحديث وحفظه، انظر نهاية الأرب للنويرى؛ النجوم الزاهرة: ٤ (فى مواضع)؛ الخطط: ٢٧٧:٢. ويعرف أيضا باسم الجامع الأنور.
(٢) لعل المقصود بها شبرا دمنهور، وهى التى أصبحت تعرف منذ زمن الأيوبيين باسم شبرا الخيمة.
(٣) فى ذيل تاريخ دمشق: ٥٧ يذكر ابن القلانسى أن اسمه تميم بن إسماعيل المغربى القائد ويعرف بفحل. ويزيد النويرى فى ألقابه: المعزى.
(٤) ما بين الحاصرتين من النجوم الزاهرة: ٢٠١:٤، ومن ذيل تاريخ دمشق: ٥٧.
[ ٢ / ٤٥ ]
فى ماله. فلمّا كان فى شهر رمضان، سنة اثنتين وتسعين، قدم من جهة الحاكم داع يقال له ختكين (^١) الملقّب بالضّيف إلى دمشق، فبرز ابن فلاح وأقام بظاهر دمشق. فأراد الضيف أن ينقص الجند من أرزاقهم، فشغبوا وساروا يريدون ابن عبدون النصرانى، وكان على تدبير المال وعطاء الأرزاق، فمنعهم الضّيف وأغلظ فى القول لهم، وكان قليل المداراة، فرجعوا إليه وقتلوه، وانتهبوا دور الكتّاب والكنائس. وتحالف المغاربة والمشارقة من العسكر على أن يكونوا يدا واحدة فى طلب الأرزاق، وأنهم يمتنعون (^٢) ممّن يطالبهم بما فعلوه؛ وحلف لهم على [بن جعفر] (^٣) بن فلاح أنه معهم على ما اجتمعوا عليه. فبلغ ذلك الحاكم فقال: هذا قد عمى. فبعث يعزله عن دمشق، فسار عنها فى يسير من أصحابه؛ وذلك فى شوّال منها. وتأخر العسكر بدمشق، فقدم إليها تموصلت بن بكار من قبل الحاكم، فلم يزل عليها إلى أن ولى مفلح اللّحيانى (^٤) دمشق فى ذى الحجة سنة ثلاث وتسعين. وكان خادما وفى وجهه شعر، فسار إليها.
وفيها قتل أبو على الحسن بن عسلوج (^٥) فى المحرّم وأحرق.
وقتل على بن عمر بن العدّاس (^٦) فى شعبان وأحرق.
_________________
(١) أبو منصور ختكين العضدى القائد. النجوم الزاهرة: ٢٠٥:٤، ٢٢٢. يقول ابن القلانسى: واقتضى رأيه أن ينقص واجبات الأجناد ويغالطهم ويظهر شيئا من التوفير، وترك أمر تدبير الأولاد لكاتب نصرانى يعرف بابن عبدون. ذيل تاريخ دمشق: ٥٧ - ٥٨. وهذا يتفق مع ما جاء هنا بالمتن.
(٢) فى الأصل: وأنهم يمتنعوا.
(٣) ما بين الحاصرتين من النجوم الزاهرة: ٢٠١:٤، ومن ذيل تاريخ دمشق: ٥٧.
(٤) كان قد تولى قبل ذلك مدينة صور. واسمه الكامل - طبقا لابن القلانسى - القائد أبو صالح مفلح الخادم اللحيانى. الخطط: ٢٨٥:٢؛ ذيل تاريخ دمشق: ٥٨ - ٦٢.
(٥) لم أعثر إلا على عسلوج بن الحسن وكان قد أشرف على الأموال أيام المعز لدين الله مقاسمة مع يعقوب بن كلس، ثم عمل أيضا للعزيز بالله، ولعله هو المقصود، ويرجح ذلك ما جاء فى الطيارة الملصقة بهذه الصفحة بالأصل؛ انظر الصفحة التالية
(٦) أبو الحسن على بن عمر، ابن العداس، تولى الوزارة العزيز بالله بعد وفاة يعقوب بن كلس. وتولى النظارة كذلك بعد مصرع فهد بن إبراهيم النصرانى أيام الحاكم وكانت رقبة فهد قد ضربت فى ثامن جمادى الآخرة سنة ٣٩٢ بعد أن مكث فى النظر خمس سنين وتسعة أشهر. انظر ما تقدم، وكذلك النجوم الزاهرة: ٥٢:٤.
[ ٢ / ٤٦ ]
وقتل الأستاذ أبو الفضل زيدان، صاحب المظلّة لعشر بقين من ذى الحجة؛ ضرب عنقه.
وفيها استأذن عبد الأعلى بن الأمير هاشم بن المنصور أن يخرج إلى بعض ضياعه، فأذن له الحاكم؛ فخرج بجماعة من ندمائه؛ فبعث الحاكم عينا يأتيه بخبرهم، فصاروا إلى متنزّههم فأكلوا وشربوا، وجرى من حديثهم أن قال أحد أولاد المغازلى المنجم لابن هاشم: لا بدّ لك من الخلافة، فأنت إمام العصر. فلمّا عادوا ودخل ابن هاشم على الحاكم وجلس أخرج الحاكم من تحت فراشه سيفا مجرّدا وضربه به، فحمل إلى داره وكتب يعتذر عن ذنبه إن كان قيل عنه، ويحلف ويذكر أن ضربته سالمة، ويسأل الإذن فى طبيب يعالجه؛ فأجيب إلى ذلك.
فلمّا أفاق استأذن فى الدخول إلى الحمام، فأذن له؛ فبعث الحاكم إلى الحمّام من ذبحه فيه وأتاه برأسه. وبعث إلى من حضر المجلس فقتلوا وأحرقوا بالنار، وفيهم أولاد المغازلى وابن خريطة وأولاد أبى الفضل بن الفرات وفتيان من كتامة. وتتابع القتل فى الناس من الجند والرعية بضروب مختلفة (^١).
_________________
(١) فى هذا المكان بالأصل طيارة جاء فيها «سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. قتل الحاكم بأمر الله جماعة منهم العسكرى منجمه، وله أخبار، وأبو على عسلوج، وابن غرة الكتامى، وعلى بن البدول الشاعر الأعمى، وعباس بن زبيرى الكتامى، والمقداد بن جعفر الكتامى، وعلى بن سلمان الكتامى، سقاه أخوه عقب خروجه من الحمام شربة سويق فمات عند وصوله إلى بيته، وقال: قتلته قتلة مستورة وكانت أحب إلى من ضرب عنقه وإحراقه بالنار على عيون الأعداء. وقتل ابن أبى خريطة صاحب برجوان، وابن المغازلى المنجم، وجعفر بن محمد الدبيثى وأبو غالب أخو فهد بن إبراهيم، وأبو إبراهيم سهل بن كلس أخو يعقوب الوزير، ورشيق الحمدانى، وإسماعيل بن سوار صاحب برجوان وابن حمود الكتامى، ومخلف بن عبد الله بن الكتامى، ويحيى بن سليمان الكتامى، ومحمد بن على بن فلاح، وابن قنطرية الكتامى. الحمد لله، القاضى الأجل أمين الدولة أبو طالب عبد الله بن محمد بن عمار بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبى يوسف الطائى، توفى بطرابلس الشام ليلة السبت نصف رجب سنة أربع وستين وأربعمائة. أمير الجيوش المظفر مصطفى الملك عدة الإمام وسيفه منتخب الدولة أنوشتكين الدزبرى … صمصام الدولة القاضى الأعز الأجل سند الحكام جلال الدولة وعمادها ذا المعالى صفى أمير المؤمنين القاضى الناصح ثقة الثقات عين الدولة أبو الحسن محمد بن عبد الله بن على بن عياض. الوزير الأجل شرف الوزراء تاج الرؤساء العادل الأمير الأوحد المكين معز الدين مغيث المسلمين عمدة أمير المؤمنين أبو الفضل يحيى بن أحمد بن المدبر، تقلد الوزارة أولا سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. الوزير الأجل الكامل الأوحد صفى أمير المؤمنين وخالصه أبو الفتوح محمد بن جعفر بن المغربى الأفضل عباس بن أبى الفتوح بن يحيى بن تميم المعز بن باديس وزير مصر فى …» اه. ويبدو أن هذه الطيارة تتكون من بضع أحداث كان المؤلف يزمع اضافتها فى مواقعها، وأن هذه المعلومات لم تكن قد اكتملت بعد.
[ ٢ / ٤٧ ]