فى المحرم واصل الحاكم الرّكوب فى اللّيل فى كلّ ليلة؛ وكان يركب إلى موضع موضع وإلى شارع شارع وإلى زقاق زقاق. وأمر الناس بالوقيد (^٢)، فتزايدوا فيه بالشوارع والأزقة، وزيّنت الأسواق والقياسر (^٣) بأنواع الزينة، وباعوا واشتروا، وأوقدوا الشموع الكبيرة طول الليل؛ وأنفقوا الأموال الكثيرة فى المآكل والمشارب والغناء واللهو. ومنع الرّجال المشاة بين يدى الحاكم أن يقرب أحد من الناس الحاكم، فزجرهم، وقال لا تمنعوا أحدا، فأحدق الناس به وأكثروا من الدّعاء له. وزينت الصناعة (^٤)، وخرج سائر الناس بالليل للتفرج وغلب النساء الرجال على الخروج فى الليل، وتزايد الزحام فى الشوارع والطرقات؛ وتجاهروا بكثير من المسكرات، وأفرط الأمر من ليلة التاسع عشر إلى ليلة الرابع والعشرين فلما خرج الناس عن الحدّ أمر الحاكم ألا تخرج امرأة من العشاء، فإن ظهرت نكّل بها، ومنع الناس من الجلوس فى الحوانيت.
وهبت فى أول يوم من طوبة سموم لم يعهد مثله.
وورد سابق الحاجّ، ثم قدمت قافلة الحاج فى سادس عشر صفر.
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها الأول من ديسمبر سنة ١٠٠٠.
(٢) وقدت النار - من باب وعد - توقدت وقودا بالضم، ووقيدا بالفتح، ووقدة بالكسر، ووقدا ووقدانا بفتحتين فيهما. مختار الصحاح والمقصود تزيين المدينة بإضاءة الأنوار.
(٣) جمع قيسارية بمعنى السوق. قوانين الدواوين: ٣٨٧، ٤٥٧. وأصل الكلمة إغريقى ولاتينى «Caesaria» نفس المصدر.
(٤) المكان المخصص لإنشاء السفن، والحربى منها خاصة. وأول دار الصناعة أنشئت فى مصر على ساحل جزيرة الروضة، ثم نقلت على عهد الاخشيذيين إلى ساحل مصر (الفسطاط)، وانتقلت زمن الفاطميين إلى المقس فى موقع ميدان محطة مصر الحالية. وفى عهد الآمر الفاطمى أعيدت إلى موقعها السابق بساحل مصر الفسطاط. الخطط: ٤٨٢:١، ٤٨٣؛ النجوم الزاهرة: ٩٩:٤.
[ ٢ / ٣٨ ]
وفى خامس ربيع الأول أعتق الحاكم زيدان، صاحب المظلة (^١)، وأمر أن يكتب على مكاتباته من زيدان مولى أمير المؤمنين.
وخلع على القاضى حسين بن النعمان وقيد بين يديه بغلتان بسروجهما ولجمهما، وحمل إليه عدة ثياب لحضوره العتاقة.
وكثر وقود المصابيح فى الشوارع والطرقات، وأمر الناس بالاستكثار منها وبكنس الطرقات وحفر الموارد وتنظيفها.
وخلع على فتح، غلام ابن فلاح، وندب إلى الخروج على الأسطول.
وقبض على رجل شامى قال: لا أعرف على بن أبى طالب، وأقول إن النبى ﷺ مرسل، غير أنى لا أعرف علىّ بن أبى طالب. فحبس وروجع؛ فأصرّ على أنه لا يعرف عليا؛ فرفق به القائد حسين فلم يعترف بمعرفة علىّ ﵁، فخرج الأمر بقتله، فضرب عنقه وصلب.
وفى سادس عشر جمادى الآخرة وصل رسول ملك الرّوم (^٢)، فحشدت له العساكر من سائر الأعمال، ووقفوا صفّين والحاكم واقف ليراهم. وسار الرسول بين العساكر إلى باب الفتوح، ونزل، ومشى إلى القصر يقبل الأرض فى طول المسافة حتى وصل إلى حضرة
_________________
(١) المظلة، ويعبر عنها أيضا بالجتر، والطير، والقبة: قبة من حرير أصفر مزركش بالذهب، بأعلاها شكل طائر من فضة وقد يطلى بالذهب. وعرفت زمن المماليك بالقبة والطير، بينما كان يطلق عليها زمن الفاطميين المظلة. صبح الأعشى: ٤ «وكانت المظلة تتكون من اثنى عشر شوزكا، عرض أسفل كل شوزك شبر وطوله ثلاثة أذرع وثلث ذراع، وآخر الشوزك من فوق دقيق جدا، فيجتمع ما بين الشوازك فى رأس عمودها دائرة، والعمود من الزان ملبس بأنابيب الذهب، وفى آخر أنبوبة تلى الرأس فلكة بارزة قدر عرض إبهام، فيشد آخر الشوازك فى حلقة ذهب؛ وللمظلة أضلاع من خشب الخلنج مكسوة بالذهب على عدد الشوازك، خفاف بطول الشوازك، وفيها خطاطيف لطاف وحلق يمسك بعضها بعضا تنضم وتنفتح؛ ورأسها كالرمانة ويعلوه أيضا رمانة صغيرة كلها ذهب مرصع بجوهر …» النجوم الزاهرة: ٨٤:٤ - ٨٥.
(٢) الامبراطور باسيل الثانى.
[ ٢ / ٣٩ ]
الحاكم بالقصر، وقد فرش إيوان القصر وعلّق فيه تعاليق غريبة، يقال إنه أمر بتفتيش خزائن الفرش إلى أن وجد فيها أحدا وعشرين عدلا ذكرت السيّدة رشيدة بنت المعز أنها كانت فى قطار الفرش المحمولة من القيروان إلى مصر مع المعزّ فى جملة أعدال، وأن كتّاب خزائن الفرش وجدوا على بعضها مكتوبا الحادى والثلاثون والثلاثمائة من عمل العبيد، ديباج خزّ ومذهب؛ ففرش منه جميع الإيوان وستر جميع حيطانه بالتعاليق، فكان جميع أرضه وحيطانه رفيعا دليلا على عظمته وسعته. وعلّقت بصدر الإيوان العسجدة، وهى درقة مطعّمة بفاخر الجوهر النفيس من كل أصنافه، فأضاء لها ما حوله، ووقعت عليها الشمس فلم تطق الأبصار تأملها كلالا. فدخل الرسول وقبل الأرض، ودفع الكتب وعرض الهدية.
وأنفذ الحاكم لأبى الحسن على بن إبراهيم النرسى ألف دينار وأربعة وعشرين قطعة ثياب مختارة، وسومح بمبلغ ثلاثة آلاف دينار كانت عليه.
وجرى الرسم فى الفطر طول شهر رمضان على مائدة الحاكم كما تقدّم.
ولما كثر النزاع بين عبد العزيز بن النعمان والقاضى حسين بن النعمان كتب الحاكم بخطّه ورقة إلى الحسين، نصّها بعد البسملة: «يا حسين أحسن الله عليك. اتّصل بنا ما جرى من شناعات العوامّ ومن لا خير فيه، وإرجافهم، وأنكرنا أن يجرى مثله فيمن يحلّ محلك من خدمتنا، إذ أنت قاضينا وداعينا وثقتنا. ونحن نتقدم بما يزيل ذلك، ولم نجعل لأحد غيرك نظرا فى شيء من القضايا والحكم، ولا فى شيء مما استخدمناك فيه، ولا مكاتبة أحد من خلفائك بالحضرة وغيرها وسائر النواحى، ولا أن نكاتب أحدا منهم غيرك؛ ومن تسمى غيرك بالقضاء فذلك على المجاز فى اللفظ لا على الحقيقة.
وقد منعنا غيرك أن يسجل فى شيء فيتقدم إلى جميع الشهود والعدول بألاّ يشهدوا فى سجلّ لأحد سواك. وإن تشاجر خصمان فدعا أحدهما إليك ودعا الآخر إلى غيرك كان الدّاعى
[ ٢ / ٤٠ ]
إلى غيرك عليه الرجوع إليك طائعا مكرها فاجر على ما أنت عليه من تنفيذ القضايا والأحكام مستعينا بالله ﷿، ثمّ بنا؛ ولك من جميل رأينا فيك ما يسعدك فى الدنيا والآخرة. وقد أذنّا لك أن يكاتب جميع من يكاتب القاضى بقاضى القضاة كما جعلناك، وتكاتب من تكاتبه بذلك وتكتب به فى سجلاتك. فاعلم ذلك، وأشهر أمرنا بجميع ما يقتضيه هذا التوقيع ليمتثل ولا يتجاوز. وفّقك الله لرضاه ورضانا، وأيّدك على ذلك وأعانك عليه إن شاء الله تعالى. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما».
فقرأه القاضى على سائر الشهود، وأمر أن يكتب فى سجلاّته قاضى القضاة، وكوتب بذلك وكتب عليه.
وجرى الرسم فى ركوب الحاكم لفتح الخليج (^١) وفى يوم العيد إلى المصلّى على العادات.
وسارت قافلة الحاج للنصف من ذى القعدة بالكسوة والشمع والصّلات، وزينت البلد مرّة فى شوال ثلاثة أيام ومرّة فى ذى القعدة يوما. وجرى الرسم فى صلاة عيد النّحر على ما تقدم، ثم انصرف فنحر ودخل تربة القصر وحضر السماط.
وفيها توفى أبو الفضل جعفر بن الفرات (^٢)، فى ثالث ربيع الأول، عن اثنتين وثمانين سنة
_________________
(١) من مراسم احتفال فتح الخليج - تعنى رفع السد الواقع عند فم الخليج يوم وفاء النيل فى كل عام - أنه كان يحمل إلى المقياس (بجزيرة الروضة) من المطابخ نحو عشرة قناطير من الخبز وعشرة خراف مشوية، وعشر جامات حلوى، وعشر شمعات؛ ويتوجه القراء إلى مسجد المقياس للقراءة حتى يتم الوفاء، فيركب الخليفة بزيه الذى يتزيا به للعيد، دون مظلة ومعه الوزير، وينزل بالصناعة، ثم يركب العشارى (سفينة خاصة لمثل هذه المناسبة) ومعه خواصه وخواص الوزير، والكل قيام إلا الوزير الذى يجلس مع الخليفة، ثم يمر العشارى بجانب المقياس، ثم يحضر الخليفة تخليق المقياس (تطييبه بالزعفران والمسك)، ثم يعود إلى العشارى الذى يحمله إلى المقس أو إلى القصر. النجوم الزاهرة: ٩٩:٤ - ١٠٠؛ الخطط: ٤٧٠:١، ٤٩٣.
(٢) أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات الوزير المحدث المعروف بابن حنزابة. برز فى مناصب الوزارة والكتابة والإشراف المالى منذ أيام الإخشيذ، وقبض عليه أكثر من مرة، وكان على وزارة مصر عند ما قدمها جوهر الصقلى الذى أقره على الوزارة. وحنزابة المرأة القصيرة، وهى أم أبيه الفضل.
[ ٢ / ٤١ ]
وثلاثة أشهر وخمسة أيام؛ فصلى عليه القاضى حسين بن النعمان، ودفن فى داره. وكان من الفضل والعلم والدين بمنزلة؛ وحدّث وأسمع وأملى مجالس، وكتب على الصحيحين مستخرجا.
وكان كثير البرّ والصلات والصدقة، شديد الغيرة حتى إنه ليحجب أولاده الأكابر عن حرمه وأهله وعن أمهاتهم. فإنه بلغه عن بعض أولاده أنه واقع أختا له وأحبلها. وكان يتنسّك منذ تجاوز أربعين سنة. ثم حمل من مصر ودفن بالمدينة النبوية.
وفيها قتل الحاكم مؤدّبه أبا القاسم سعيد بن سعيد الفارقى يوم السبت لثمان بقين من جمادى الأولى وهو يسايره، بأن أشار إلى الأتراك بعينيه بعد أن بيّت معهم قتله، فأخذته السيوف؛ وكان قد داخل الحاكم فى أمور الدولة وقرأ عليه الرقاع واستأذنه فى الأمور كهيئة الوزراء.
[ ٢ / ٤٢ ]