فى ثالث المحرم نظر أبو نصر بن عبدون الكاتب النصرانى فى ديوان الخراج بانفراده من غير شريك.
وفى تاسعه، وهو نصف توت، أشيع وفاء النيل، وخلع على ابن أبى الردّاد (^٢)، فابتدأ فى النقص قبل أن يوفى ستة عشر ذراعا من تاسع عشر توت؛ فأمر الناس كافّة بألا يتظاهر أحد منهم على شاطئ النيل بشيء من الغناء، ولا يسمع فى دار ولا يشرب فى المراكب. وكبست عدّة دور، وقبض على جماعة.
وقدم الحاجّ فى حادى عشرى صفر.
ونودى ألا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، ولا يمشى اليهود والنصارى إلا بالغيار، وضربوا على ترك ذلك. وكبست الحمامات وأخذ منها جماعة وشهّروا من أجل أنهم وجدوا بغير مئزر.
ومنع أن يدخل أحد إلى سوق الرقيق إلا أن يكون بائعا أو مشتريا؛ وأفرد الجوارى من الغلمان، وجعل لكل منهم يوم.
ومنع من نصب الشّراعات التى كانت النساء تنصبها فى المقابر أيام الزيارة. وأشيع بين الناس بأن النبيذ يمنع من بيعه، فازدحموا على شرائه، وبيع منه شيء كثير، فعزّ حتى بيع كل عشر جرار بدينار، ولم يوجد لكثرة طلابه.
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها الخامس من سبتمبر سنة ١٠٠٨.
(٢) المشرف على مقياس النيل؛ وكان هذا الإشراف فى أسرته من أيام بكار بن قتيبة قاضى المتوكل الذى تلقى كتابا من الخليفة يأمره ألا يتولى أمر المقياس إلا مسلم يختاره، فاختار أبا الرداد عبد الله بن عبد السلام المؤدب وأجرى عليه الرزق سنة سبع وأربعين وتوارثه أولاده. قوانين الدواوين: ٧٥ - ٧٦.
[ ٢ / ٧٦ ]
ومنع كلّ أحد من الناس أن يخرج من منزله قبل صلاة الصبح وبعد صلاة العشاء (^١)، واشتد الأمر فى هذا، واعتقل جماعة خالفوا ما أمر به.
وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا يعنى، والاشتغال بالصّلوات فى أوقاتها، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وألا يخوض أحد فى أحوال السلطان وأوامره وأسرار الملك.
وقرئ سجل فى ربيع الأول بالمنع من حمل النبيذ والموز، وحذّر من التظاهر بشئ منه أو من الفقاع، والدّلينس، والسمك الذى لا قشر له، والتّرمس المعفّن.
وقرئ آخر فى سائر الجوامع بتسكين قلوب الناس وتطمينهم، لكثرة ما اشتهر عندهم وداخلهم من الخوف بما يجرى من أوامر الحضرة فى البلد.
وفى حادى عشر جمادى الآخرة قبض على عبد العزيز بن النعمان؛ وطلب حسين بن جوهر ففرّ هو وابناه وجماعة. وكثر الصّياح فى دار عبد العزيز؛ وغلّقت حوانيت القاهرة وأسواقها. فأفرج عن عبد العزيز ونودى فى القاهرة بألا يغلق أحد. ثم ردّ حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه، وصاروا إلى الحاكم فأمرهم بالانصراف إلى دورهم؛ وخلع عليه وعلى عبد العزيز وعلى أولادهما، وكتب لهما أمانان.
وفى رجب كثرت الأمراض فى الناس، وفشا الموت. وتخوّف الناس من الحاكم فكتب عدة أمانات لأناس شتى. وأقطع مالك بن سعيد ناحية برنشت (^٢).
_________________
(١) ما أشبه هذا بما يحدث فى أيامنا هذه حين يصدر قرار بمنع التجول فى الدول العصرية فى أوقات الفتن. وقد سبق إلى مثل هذه الخطوة زياد بن أبيه، ابن أبى سفيان، فى العراق، إذ قال فى خطبته البتراء: «فإياى ودلج الليل فإنى لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه …» وقد أتى برجل ظهر أنه خالف قرار منع التجول، فاعتذر بأنه لم يعلم به لتغيبه بالصحراء فى طلب ناقة له ضلت، فقال زياد: «والله إلى لا أظنك إلا صادقا ولكن فى قتلك صلاحا للأمة». وأمر بقتله.
(٢) برنشت بفتح الباء والنون، من أعمال الجيزية. قوانين الدواوين: ١١٧.
[ ٢ / ٧٧ ]
وفى شعبان تراخت الأسعار.
وفى رمضان قرئ سجل فيه «يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون (^١)، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون، ويفطرون؛ وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون (^٢)؛ ويخمّس فى التكبير على الجنائز المخمّسون، ولا يمنع من التربيع عليها المربّعون؛ يؤذّن بحىّ على خير العمل المؤذّنون، ولا يؤذّى من بها لا يؤذّنون؛ لا يسبّ أحد من السّلف؛ ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يصف، والحالف منهم بما حلف؛ لكل مسلم مجتهد فى دينه اجتهاد».
وفيه ركب سائر العرائف والأولياء وأكثر أهل البلد إلى القصر وقد عظمت الزّحمة، واصطفت العساكر حول القصر بالسّلاح، ولم يعرف أحد ما هذا الاجتماع؛ فخرج صالح ابن على بالخلع على فرس بسرج ولجام ذهب، وبين يديه فرسان وسفط ثياب، وسجلّ يتضمن أنه لقب بثقة ثقات السيف والقلم.
وأعيد عبد العزيز بن النعمان إلى النظر فى المظالم.
وتزايدت الأمراض وكثر موت الناس، وعزّت الأدوية؛ فبلغ السكّر أربعة دراهم للرطل، وبذر الرمان كل أوقية بدرهم، ودهن البنفسج كل أوقية بدينار، والعناب والإجّاص كل أوقيتين بدرهم وباقة لينوفر بدينار، والبطيخة بثلاثة دنانير.
_________________
(١) لا يقيد الفاطميون أتباعهم عند الصيام والفطر برؤية الهلال وإنما يحكمون الحساب وحده أو الحساب مع الرؤية، ويقولون الرؤية والحساب كالظاهر والباطن، فالهلال كالظاهر لأنه مشاهد والحساب كالباطن لأنه معقول. ونرى هذا أيضا فى كثير من المناسبات حين يشاهد هلال شهر ما فيصدر قرار من القصر الفاطمى ببدء الشهر فى يوم آخر، سابق أو لاحق، وسنجد أمثلة لهذا فى خلال هذا الكتاب.
(٢) بهامش الأصل عبارة نصها: «وبخطه: صلاة التراويح أقامها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأمر الناس بها فى شهر رمضان سنة أربع عشرة بمجمع من الصحابة، فأم الناس أبى بن كعب بالمدينة وكتب عمر إلى الأمصار بإقامة التراويح. واستمر الصحابة بعده يقيمونها، وكان على ﵁ إذا مر ليالى رمضان فرأى القناديل تزهر وسمع القرآن يقرأ قال: نور الله قبر من نور علينا مساجدنا. وصليت عشرين ركعة لأنهم وزعوا القرآن عليها ليكون الختم فى آخر الشهر».
[ ٢ / ٧٨ ]
ولم يركب الحاكم لصلاة عيد الفطر وصلى القاضى مالك بن سعيد بالناس فى المصلّى وخطب.
وفى ذى القعدة أعيدت المكوس التى كانت رفعت.
وسارت قافلة الحاجّ فى النصف منه.
وحمل سماط عيد النحر يوم التاسع من ذى الحجة على عادته، غير أنه أبطل منه الملاهى والخيال واللعب الذى كان يعمل فى كل سنة.
وصلى القاضى بالناس صلاة عيد النحر وخطب.
وفى يوم عيد الغدير (^١) منع الناس من عمله. ودرست كنائس كانت بطريق المكس وكنيسة بحارة الرّوم من القاهرة ونهب ما فيها. وقتل فى هذه الليلة كثير من الخدم والصّقالبة والكتّاب بعد أن قطعت أيديهم بالساطور على خشبة من وسط الذراع.
وفيها مات أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المنجم لثلاث خلون من جمادى الأولى (^٢)، وقتل القائد فضل بن صالح، ضربت رقبته لتسع بقين من ذى القعدة.
_________________
(١) يقول المقريزى إنه لم يكن عيدا مشروعا ولا عمله أحد من سلف الأمة، وأول ما عرف بالإسلام فى العراق أيام معز الدولة على بن بويه سنة ٣٥٢ فاتخذه الشيعة من بعده عيدا لهم استنادا إلى حديث رواه البراء بن عازب، ﵁، عن النبى ﷺ، فى سفر عند غدير خم «إذ صلى ﵇ ثم أخذ بيد على بن أبى طالب كرم الله وجهه وقال: ألستم تعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنى أولى بكل مؤمن من نفسه. قالوا: بلى. قال: من كنت مولاه فعلى مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. قال البراء: فلقيه عمر بن الخطاب، ﵁، فقال: هنيئا لك يا ابن أبى طالب، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. الخطط: ٣٨٨:١.
(٢) هو أبو الحسن على بن أبى سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفى المصرى المنجم، صاحب الزيج الحاكمى المعروف بزيج ابن يونس. يقول ابن خلكان إنه رآه فى أربع مجلدات. ويروى ابن خلكان عن غيره أن ابن يونس كان أبله مغفلا يعتم على طرطور طويل ويجعل رداءه فوق العمامة، رث الثياب. ويذكر أنه مع هذا كان له إصابة بديعة غريبة فى النجامة لا يشاركه فيها غيره، وكان أحد الشهود، وكان متفننا فى علوم كثيرة، يضرب بالعود، وله شعر حسن. وفيات الأعيان: ٤٧٤:١ - ٤٧٥.
[ ٢ / ٧٩ ]
وقتل أبو أسامة جنادة أسامة بن محمد اللغوى (^١) لثلاث عشرة خلت من ذى الحجة، ومعه الحسن بن سليمان الأنطاكى النحوى؛ واستتر عبد الغنى بن سعيد؛ وكان ذلك بسبب اجتماعهم بدار العلم وجلوسهم فيها.
وقتل رجاء بن أبى الحسين من أجل أنه صلى صلاة التراويح فى شهر رمضان.
وقتل أصحاب الأخبار عن آخرهم لكثرة أذيّتهم الناس بالكذب عليهم وأخذهم الأموال من الناس.
وفيها قتل أبو على بن ثمال الخفاجى متولى الرحبة (^٢) من قبل الحاكم، وملكها بعده صالح بن مرداس الكلابى متملك حلب (^٣).
_________________
(١) هكذا فى الأصل ولم أهتد إلى التعريف به فيما لدى من مراجع ولعل صحة العبارة: وقتل أبو أسامة جنادة بن أسامة .. الخ.
(٢) المقصود بها رحبة مالك بن طوق صاحبها أيام هارون الرشيد، وهى على خمسة أيام من حلب وثمانية أيام من دمشق. معجم البلدان: ١٣٦:٤ - ١٣٨.
(٣) أسد الدولة أبو على، من بنى كلاب، رأس الأسرة المرداسية التى حكمت حلب بين سنتى ٤١٤ - ٤٧٢ (١٠٢٣ - ١٠٧٩) بعد نزاع استمر فترة مع الفاطميين. معجم الأنساب لزامباور.
[ ٢ / ٨٠ ]