فى أول يوم من المحرّم ظهر الحاكم ودخل الناس فهنئوه بالعام.
كان سعر الخبز ستّة عشر رطلا بدرهم. وسقط إصطبل فهد بن إبراهيم فمات له نحو ستين بغلة.
وفى حادى عشر صفر وصلت قافلة الحاج من غير أن يدخلوا إلى المدينة النبوية.
وفى سادس عشر من ربيع الآخر (^٢) أنهد الحاكم إلى برجوان عشيّة يستدعيه للركوب معه إلى المقس (^٣)، فجاء بعد بطاء وقد ضاق الوقت إلى القصر، ودخل بالموكب ورؤساء الدولة والكتاب إلى الباب الذى يخرج منه الحاكم إلى المقس؛ فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم وهو يصيح: قتل مولاى؛ وكان عقيق عينا لبرجوان فى القصر وقد جعله على خزاناته الخاصّة. فاضطرب الناس وبادروا إلى باب القصر الكبير فوقفوا عنده؛ وأشرف عليهم الحاكم. وقام زيدان، صاحب المظلة، فصاح بهم: من كان فى الطاعة فلينصرف إلى منزله ويبكر إلى القصر المعمور؛ فانصرف الجميع. وكان قتل برجوان فى بستان يعرف بدويرة التين والعناب كان الحاكم فيه مع زيدان فجاء برجوان ووقف مع زيدان. فسار الحاكم حتى خرج من باب الدويرة، فعاجل زيدان وضرب برجوان بسكين كانت فى خفّه،
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها الثالث عشر من ديسمبر سنة ٩٩٩.
(٢) فى نهاية الأرب للنويرى يحدد التاريخ بأنه الثالث عشر من ربيع الآخر.
(٣) ميناء القاهرة فى زمن الفاطميين ومكانها قرب موقع حديقة الأزبكية. وقد انحسر النيل عنها فى أواخر زمن الدولة الفاطمية فأصبحت بولاق ميناءها زمن الأيوبيين. الخطط: ٢.
[ ٢ / ٢٥ ]
وابتدره قوم، وقد اعدوا له السكاكين والخناجر، فقتل مكانه، وحزّت رأسه وطرح عليه حائط (^١).
وسبب ذلك أن برجوان لما بلغ النهاية قصر فى الخدمة، واستقلّ بلذّاته وأقبل على سماع الغناء؛ وكان كثير الطرب شديد الشغف به، فكان يجمع المغنّين من الرجال والنّساء بداره فيكون معهم كأحدهم، ولا يخرج من داره حتى يمضى صدر من النهار ويتكامل الناس على بابه، فيركب إلى القصر، ولا يمضى إلا ما يختار من غير مشاورة؛ فلما استبد بالأمر تجرّد الحاكم للنظر.
وكان برجوان من استبداده يكثر من الدّالّة على الحاكم، فحقد عليه أمورا، منها أنه قال بعد قتله إنه كان سيّئ الأدب جدا، والله إنّي لأذكر وقد استدعيته يوما ونحن ركبان فصار إلىّ ورجله على عنق دابّته وبطن خفّه قبالة وجهى، فشاغلته بالحديث ولم أره فكرة فى ذلك. وغير ذلك مما يطول شرحه.
وأنهد الحاكم بعد قتل برجوان فأحضر كاتبه فهد بن ابراهيم فى الليل وأمّنه، وقال:
أنت كاتبى وصاحبك عبدى، وهو كان الواسطة بينى وبينك؛ وجرت منه أشياء أنكرتها عليه فجازيته عليها بما استوجبه؛ فكن أنت على رسمك فى كتابتك آمنا على نفسك ومالك.
فكانت مدة نظر برجوان سنتين وثمانية أشهر غير يوم واحد. وبرجوان بفتح الباء الموحّدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد الألف نون.
_________________
(١) يذكر النويرى صاحب نهاية الأرب أن زيدان الصقلى، خادم الحاكم بأمر الله، دس له عند الحاكم وكان من جملة ما قاله له: «إن هذا يقصد أن يفعل بك كما فعل كافور الاخشيذى فى أولاد سيده». ويضيف النويرى أنه كان فى جملة ما وجد لبرجوان بعد مصرعه ألف سروال دبيقى بألف تكة حرير، وعلق على ذلك بقوله: «وناهيك بموجود يكون هذا من جملته. والبستان المذكور الذى قتل فيه برجوان هو بستان اللؤلؤة وبه قصر اللؤلؤة من مبانى الفاطميين ويطل على الخليج ويشرف من شرقيه على البستان الكافورى ومن غربه على الخليج. الخطط: ٤٦٧:١، ٤٨٧، ٤٢٧:٢.
[ ٢ / ٢٦ ]
وبكر الناس إلى القصر فوقفوا بالباب، ونزل القائد أبو عبد الله الحسين بن جوهر القائد وحده إلى القصر وأذن للناس، فدخلوا إلى الحضرة، وخرج الحاكم على فرس أشقر، فوقف فى صحن القصر قائما، وزيدان عن يمينه وأبو القاسم الفارقى عن يساره، والناس قيام بين يديه؛ فقال لهم بنفسه من غير واسطة: إن برجوان عبدى، استخدمته فنصح فأحسنت إليه؛ ثم أساء فى أشياء عملها فقتلته؛ والآن فأنتم شيوخ دولتى - وأشار إلى كتامة - وأنتم عندى الآن أفضل مما كنتم فيه مما تقدم. والتفت إلى الأتراك وقال لهم: أنتم تربية العزيز بالله و[فى] مقام الأولاد، وما لكل أحد عندى إلاّ ما يؤثره ويحبّه، فكونوا على رسومكم، وامضوا إلى منازلكم، وخذوا على أيدى سفهائكم. فدعوا جميعا وقبّلوا الأرض، وانصرفوا.
وأمر بكتابة سجلّ أنشأه أبو منصور بن سورين كاتب الإنشاء، قرئ بسائر الجوامع فى مصر والقاهرة والجيزة والجزيرة (^١)، نصّه بعد البسملة:
«من عبد الله ووليّه، المنصور أبى على، الإمام الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، إلى سائر من شهد الصلاة الجامعة فى مساجد القاهرة المعزّيّة ومصر والجزيرة: سلام عليكم معاشر المسلمين المصلّين فى يومنا هذا فى الجوامع، وسائر الناس كافة أجمعين، فإن أمير المؤمنين بحمد إليكم الله الذى لا إله إلاّ هو، ويسأله أن يصلّى على جدّه محمد خاتم النبيين وسيّد المرسلين وعلى أهل بيته الطاهرين. أما بعد؛ فالحمد لله الذى قال، وقوله الحق المبين:
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا، فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ * * لا يُسْئَلُ عَمّا﴾
_________________
(١) المراد بها جزيرة الروضة. وقد عرفت فى أوائل العصر الإسلامى باسم الجزيرة لوقوعها فى مجرى النيل، وبجزيرة مصر وجزيرة الفسطاط لوقوعها مقابل مدينة الفسطاط التى تطورت ونمت حتى عرفت باسم مدينة مصر. وعرفت كذلك باسم جزيرة المقياس حيث يوجد بها مقياس النيل الذى أنشأه أسامة بن يزيد التنوخى عامل الخراج زمن سليمان بن عبد الملك. وأصبحت تعرف أيضا بجزيرة الحصن منذ بنى ابن طولون حصنه بها سنة ٢٦٣. ثم عرفت باسم جزيرة الروضة بعد أن أنشأ بها الأفضل بن بدر الجمالى بستانا سماه الروضة، سنة ٤٩٠. النجوم الزاهرة: ١٧٢:٤ حاشية: ٢.
[ ٢ / ٢٧ ]
﴿يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ (^١) يحمده أمير المؤمنين على ما أعطاه من خلافته، وجعل إليه فيها دون بريته من الضّبط والقبض، والإبرام والنقض. معاشر الناس، إن برجوان كان فيما مضى عبدا ناصحا، أرضى أمير المؤمنين حينا، فاستخدمه كما يشاء فيما يشاء، وفعل به ما شاء كما سبق فى العلوم وجاز عليه فى المختوم. قال الله ﷿: «وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» * (^٢) ولقد كان أمير المؤمنين ملّكه، فلما أساء ألبسه النقم، لقول الله تعالى: «فَلَمّا آسَفُونا﴾ ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ» * (^٣). وقوله ﷿: «إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى»، * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ (^٤) * فحظره أمير المؤمنين عما صبا إليه، ونزعه ما كان فيه؛ وتمت مشيئة الله ﷿، ونفذ قضاؤه وتقديره فيه. «كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا» (^٥) * فأقبلوا معاشر التّجار والرعيّة على معايشكم واشتغلوا بأشغالكم، فهو أعود لشأنكم؛ ولا تطغوا فى أمر أنفسكم، فلأمير المؤمنين الرأى فيه وفيكم. فمن كانت له منكم مطالبة أو حاجة فليمض إلى أمير المؤمنين بها، فإنه مباشر ذلك لكم بنفسه، وبابه مفتوح بينكم وبينه. والله «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (^٦) * وأنتم رعايا أمير المؤمنين المفتّحة لها أبواب عدله وإحسانه وفضله. والله يريده فيما يريده ويعتمده من الخير لمن أطاعه من الأنام، والحماية لحمى الإسلام؛ «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» (^٧) * والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب يوم الجمعة لثلاث بقين من
_________________
(١) سورة الأنبياء: ٢٢ - ٢٣.
(٢) سورة الشورى: ٢٧.
(٣) سورة الزخرف: ٢٥.
(٤) سورة العلق: ٦ - ٧.
(٥) سورة الإسراء: ٥٨ - مع إسقاط واو العطف.
(٦) سورة البقرة: ١٠٥. فى الأصل: والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ثم شطبت الجملة الأخيرة وأضيف فى مكانها: «وَاللهُ و-اسِعٌ عَلِيمٌ». وليس فى كتاب الله آية بهذا النص فالعدول عن: «وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» خطأ وتبدأ الآية كذلك: يختص برحمته ..
(٧) سورة هود: آية ٨٨: «وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»﴾. وسورة الشورى: آية: ١٠: «ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»﴾.
[ ٢ / ٢٨ ]
شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة. وصلى الله على سيّدنا محمّد وآله الطيّبين الأخبار وسلم تسليما».
وكتبت سجلات على نسخة واحدة، وأنفذت إلى سائر النواحى والأعمال.
ولثلاث خلون من جمادى الأولى خلع على القائد الحسين بن جوهر ثوب ديباج أحمر، ومنديل أزرق مذهب، وتقلد سيفا عليه ذهب، وحمل على فرس بسرج ولجام ذهب، وبين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها، وخمسون ثوبا من كل فن. وردّ إليه الحاكم التّوقيعات والنظر فى أمور الناس وتدبير المملكة وإنصاف المظلوم. وخلع على فهد بن إبراهيم، وحمل على بغلة وبين يديه بغلة أخرى وعشرون ثوبا. فانصرف القائد، وخلفه فهد وسائر الناس بين يديه، إلى داره. وتقدّم إلى فهد بالتوقيعات فى رقاع الرافعين على رسمه، وأن يعاضد القائد حسينا فى النظر ويعاونه ويخلفه إذا غاب. فكان القائد يبكر إلى القصر ومعه الرئيس فهد، فينظران فى أمور الناس وينهيان الأمور إلى الحاكم، والقائد متقدم وفهد يتبعه، فإذا دخلا إلى حضرة الحاكم جلس القائد وقام فهد خلفه فيعرضان الكتب والرقاع عليه.
وأمر القائد ألاّ يلقاه أحد من الناس على طريق ولا يركب إليه إلى داره أحد لقضاء حقّ ولا سؤال فى مصلحة، ومن كان له حاجة يلقاه فى القصر (^١). ونهى الناس أن يخاطبوه فى الرقاع التى تكتب إليه بسيدنا ومولانا، ولا يخاطبونه ويكاتبونه إلا بالقائد فقط، ولا يخاطب فهد ويكاتب إلا بالرئيس فقط.
وحمل فهد إلى الحاكم هدية، منها ثلاثون بغلة بألوان من الأجلّة، وعشرون فرسا منها عشرة مسرجة ملجمة وعشرة بجلال ملونة، وعشرون ألف دينار، وسفط فيه حلة دبيقية (^٢) مذهبة لم ير مثلها، ودرج فيه جوهر، وأسفاط كثيرة فيها البزّ الرفيع، وخزانة مدهونة.
_________________
(١) فى الأصل: فيلقاه.
(٢) نسبة إلى مدينة دبيق التى اشتهرت بصناعة الملابس الحريرية المزركشة، وقد زالت. وكانت من أعمال الدقهلية عند بحيرة المنزلة.
[ ٢ / ٢٩ ]
وأمر أبو جعفر محمد بن حسين بن مهذب، صاحب بيت المال، بإحضار تركة برجوان فوجد فيها مائة منديل شرب ملونة معمّمة كلّها على مائة شاشية (^١)، وألف سروال دبيقى بألف تكّة حرير أرمنى، ومن الثياب المخيطة والصّحاح والحلى والمصاغ والطيب والفرش ما لا يحصى كثرة، ومن العين ثلاثة وثلاثون ألف دينار، ومائة وخمسون فرسا لركابه، وخمسون بغلة، وثلاثمائة رأس من بغال النقل ودواب الغلمان، ومائة وخمسون سرجا منها عشرون من ذهب، ومن الكتب شيء كثير.
لما ركب القائد حسين رأى جماعة من قواد الأتراك قياما على الطريق ينتظرونه فوقف وقال: كلنا عبيد مولانا صلوات الله عليه ومماليكه، وليس والله أبرح من موضعى أو تنصرفوا عنى، ولا يلقانى أحد إلاّ فى القصر. فانصرفوا، وأقام خدما من الصقالبة بنوب على الطريق يمنعون الناس من المصير إلى داره ومن لقائه إلا فى القصر؛ وجلس فى موضع رسم له بالجلوس فيه.
وتقدم حسين بن جوهر إلى أبى الفتوح مسعود الصقلبى صاحب الستر بأن يوصل الناس بأسرهم إلى الحاكم ولا يمنع أحدا، وأن يعرف رسم كل من يحضر ومن يجلس للتوقيع إذا وقع له. فدخل الناس ليأخذ رقاعهم وقصصهم، ووقع فيها، والحاكم فى مكانه جالس يدخل إليه أرباب الحوائج ويشاور فى الأمور المهمة.
ووصل إلى الحاكم جماعة ممن كان يدخل فى الليل إلى العزيز، وأمروا بملازمة القصر وقت جلوسه ودوام الجلوس بالعشايا؛ فدخل أوّل ليلة، وهى ليلة الأربعاء سابع جمادى الأولى، القائد حسين والقائد فضل بن صالح والحسين بن الحسن البازيار. فجلس حسين بن جوهر من اليمين، وإلى جانبه فضل بن صالح ودونه ابن البازيار، وبعده أبو الحسن على بن
_________________
(١) ما يلبس على الرأس دون عمامة.
[ ٢ / ٣٠ ]
إبراهيم المرسى، ويليه القاضى عبد العزيز بن محمد بن النّعمان؛ وجلس من اليسار رجاء ومسعود ابنا أبى الحسين، ودونهما أبو الفتح منصور بن معشر الطبيب، وأبو الحسين بن المغربى الكاتب وأخوه. ووقف عنده [عدّة] (^١) من الأقارب وجماعة من القواد، منهم منجوتكين وغيره، ثم دخل بعد ذلك جماعة منهم ابن طاهر الوزان. فجرى الرسم على ذلك إلى اثنى عشر جمادى الآخرة. ثم صار السلام يخرج فينصرفون إلاّ ابن البازيار وابن معشر الطبيب وعبد الأعلى بن هاشم من القرابة، فإنهم يجلسون فربّما أطالوا الجلوس وربما خدموا.
وركب الحاكم عدّة مرار إلى ناحية سردوس (^٢) وإلى بركة الجب وإلى عين شمس وحلوان للصيد وغيره. وفى سابع عشرى جمادى الآخرة قرئ سجل على سائر منابر المساجد الجامعة بأن يلقب القائد حسين بن جوهر بقائد القواد. وخلع على جابر بن منصور الجودرى جبّة مثقلة ومنديل بذهب، وحمل بين يديه ثياب كثيرة وقلّد بسيف، وندب ناظرا فى السواحل (^٣) والحسبة بمصر.
وأما الشام فإن جيش بن الصمصامة لما استقر بدمشق، وقد خرب البلد وضعف وقلّ ناسه وطمعت رعيته، فكان فيهم جهّال يأخذون الخفارة ويطمعون فى أموال أهل السّلامة، فصارت لهم أموال وخيول ومشى بين أيديهم الرجال، وقويت نفوسهم، وصاروا يوالون خروجهم مع جيش فى وقائع الروم؛ فوعدهم جيش بالأرزاق فاطمأنوا إليه. ثم إنه رتب جماعة وقبض على المذكورين وقيدهم، وأمر بهم فحبسوا، وأفاض عليهم العذاب حتى سلبهم
_________________
(١) زيد ما بين الحاصرتين لأن السياق يقتضيه أو نحوه.
(٢) فى الخطط للمقريزى وفى معجم البلدان وقوانين الدواوين أحاديث عن خليج سردوس يفهم منها أنه كان من الحوف الشرقى، أى من منطقة القليوبية وأطراف الشرقية الحاليتين، ولا شيء غير هذا.
(٣) لمصر والقاهرة أكثر من ساحل أقدمها ساحل الجزيرة (جزيرة الروضة)، ثم ساحل مصر على الجانب الشرقى، ثم ساحل المقس الفاطمى الذى كان فى موقع ميدان رمسيس حاليا.
[ ٢ / ٣١ ]
جميع أموالهم، وتتبّع من استتر منهم فضرب أعناقهم وصلبهم على أبواب البلد فلم يبق منهم أحد.
فلمّا خلا له البلد من حمّال السلاح طمع فى أهل القرى، فعم كثيرا من الناس البلاء منه، وشمل أهل المدينة والقرى ضرره، حتى غلق أكثر الأسواق، وضج الناس إلى الله بالدعاء وهو يعدهم بحريق البلد وبذل السيف فيهم، فهرب كثير من الناس عن البلد.
ووصل الخبر بقدوم عسكر الروم، فأخذ جيش فى جمع العرب؛ ونزل ملك الروم على شيزر وفيها عسكر من قبل الحاكم، فقاتلهم حتى ملكهم بأمان. ونزلت العرب الذين جمعهم جيش فيما بين حرستا (^١) والقابول (^٢)؛ وانتقل الروم من شيزر إلى حمص فأخذوها وسبوا أهلها وأحرقوا؛ وذلك فى ذى الحجة سنة تسع وثمانين، وهى دخلة الروم الثالثة إلى حمص، فأقاموا بها وقد اشتد البرد وغلت عليهم الأسعار حتى بيعت العليقة عندهم بدينار فرحلوا، وقد مات أكثر دوابّهم، إلى طرابلس، فنزلوا عليها وهم فى ضيق؛ ثم رحلوا عنها إلى ميّافارقين (^٣) وآمد (^٤)، وهادنوهم. ثم ساروا إلى أرمينية.
وزاد جور جيش وأسرف فى الظّلم، وكان به طرف جذام فاشتد به، وسقط شعر بدنه، ورشح جسمه واسودّ حتى انمحت سحنة وجهه وزاد وأرواح سائر بدنه؛ فكان يصيح:
_________________
(١) قرية كبيرة وسط بساتين دمشق، بينها وبين المدينة أكثر من فرسخ. وهناك قرية أخرى من بساتين دمشق تعرف باسم حرستا المنظرة. معجم البلدان: ٢٥١:٣.
(٢) هى القابون التى يذكر ياقوت أنها تبعد عن مدينة دمشق ميلا واحدا فى طريق القاصد إلى العراق فى وسط البساتين. معجم البلدان: ٤:٧.
(٣) أشهر مدينة بإقليم ديار بكر بأرض الجزيرة العراقية، وكانت أصلا من الحصون الرومية، ثم صار لها ولإقليم ديار بكر جميعه أهمية خاصة فى بعض عصور التاريخ الإسلامى كما فى أيام الأسرة الأرتقية بين سنتى ٤٩٥ - ٦٢٩ فى منطقة حصن كيفا. معجم البلدان: ٢١٤:٨ - ٢١٨.
(٤) أجل مدن ديار بكر وأعظمها تحصينا، تحيط بها مياه دجلة كالهلال، وبها عيون قريبة يتناول ماؤها باليد. معجم البلدان: ٦١:١ - ٦٣.
[ ٢ / ٣٢ ]
ويحكم! اقتلونى، أريحونى!! إلى أن هلك يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر. فكان مقامه بدمشق ستة عشر شهرا وستة عشر يوما (^١). ووصل ابنه أبو عبد الله بتركته إلى القاهرة فخلع عليه الحاكم وحمله. ورفع زيدان إلى الحاكم درجا بخطّ جيش وفيه وصيّة وثبت بما خلّف مفصّلا مشروحا، وأنّ ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر الله لا يستحق أحد من أولاده منه درهما؛ وكان ذلك يبلغ نحو مائتى ألف دينار، ما بين عين ورحل ومتاع. وقد قال فيه جيش: لو زيدان يتسلم ذلك فإنّه على بغال تحت القصر بظاهر القاهرة.
فأخذ الحاكم الدّرج وأوصله لابنى جيش، وخلع عليهما، وقال لهما بحضرة أولياء الدولة ووجوهها: قد وقفت على وصية أبيكما، ﵀، من عين ومتاع فيما وصّى به، فخذوه هنيئا مباركا لكما فيه. فانصرفا بجميع التركة.
وأقطعت سيدة الملك على عبرة (^٢) سنة تسع وثمانين الخراجية إقطاعا مبلغه مائة ألف دينار، منها ضياع فى الصعيد وأسفل الأرض ثمانية وستون ألفا وأربعمائة وخمسون دينارا؛ منها بوتيج (^٣) ستة آلاف وسبعمائة وخمسون دينارا، وصهرشت (^٤) سبعة عشر ألف دينار، ودمنهور خمسة آلاف دينار؛ وباقى ذلك؛ وهو أحد وثلاثون ألف دينار وخمسمائة وخمسون دينارا، من دور وبساتين ورسوم.
_________________
(١) يقول ابن القلانسى: «وكان سبب هلاكه ناسور خرج فى سفله، ولم يزل يستغيث من الألم ويتمنى الموت ويطلب أن يقتل نفسه فلا يتمكن ولا يمكن». ذيل تاريخ دمشق: ٥٤.
(٢) أى خراج السنة. يقال عبر المتاع والدراهم يعبرها: نظركم وزنها وما هى. لسان العرب. انظر أيضا قوانين الدواوين: ٢٢١، ٤٥٧.
(٣) من أعمال إقليم السيوطية، وهى الآن أبو تيج.
(٤) لعلها صهرجت الحالية وهى اثنتان صهرجت الكبرى وصهرجت الصغرى؛ والأولى بمركز ميت غمر على الشاطئ الشرقى لترعة الساحل وفى الجنوب الشرقى لمنية العز بنحو أربعة كيلومترات، والثانية بمركز منية سمنود فى الجنوب الشرقى لناحية بشلا بنحو ألف قصبة وفى الشمال الشرقى لناحية فيشة بنا بنحو ثلاثمائة قصبة. قوانين الدواوين، الخطط التوفيقية: ٢٧:١٣.
[ ٢ / ٣٣ ]
وأما المغرب فإن الأستاذ برجوان لما ولى تدبير الدّولة ثقل عليه أبو الحسن يانس الصقلبى العزيزى (^١)، فإنه كان ينافسه فى الرئاسة، فتحيّل حتى أخرجه إلى برقة كما تقدم، فتوالت كتب تموصلت بن بكار (^٢) يسأله أن يأتيه أحد ليسلمه مدينة أطرابلس، وتقدم إلى الحضرة.
فقصد برجوان إبعاد يانس، فكتب إليه حتى سار إليها وقدم إليها للنصف من جمادى الأولى سنة سبعين، فسلّمه تموصلت البلد ومضى إلى القاهرة وقد تأخر أكثر عسكره مع يانس، فاختلفوا مع أصحابه حتى اقتتلوا وخرجوا أقبح خروج إلى إفريقية، وشكوا ما نزل بهم إلى نصير الدولة أبى مناد باديس (^٣). فبعث القائد جعفر بن حبيب على عسكر، فقاتل يانس، فقتل فى رابع ذى القعدة. وبادر فتوح بن على بن عقيان من أصحاب يانس إلى أطرابلس، فدخلها، وانضم إليه بقية أصحابه وقاتل بها جعفر بن حبيب سنة إحدى وتسعين، واستمدّ الحاكم، فأمدّه بيحيى بن على بن الأندلسى على عسكر، فاختلف عليه أصحابه وعاد أقبح عود إلى القاهرة. فأراد الحاكم قتله، فأظهر كتاب زيدان صاحب المظلة بخطّه أن يدفع إليه المال من برقة، وأنه قبض ذلك من مال الحضرة، فلم يجد ببرقة مالا ينفقه على العساكر؛ فقبل هذا العذر وقتل زيدان على ما فعل.
وكان مع يحيى بن على عند خروجه من المغرب جماعة من بنى قرّة، فكسروا عسكره ورجعوا إلى موضعهم؛ فبعث الحاكم يستدعيهم إلى القاهرة، فخافوا وامتنعوا؛ فأعرض عنهم مدة ثم كتب إليهم أمانا، فبعثوا رهائن منهم؛ فأمرهم بالوصول إلى الإسكندرية ليقفوا على ما يأمرهم به، فحذر أكثرهم، وقدمت طائفة إلى الإسكندرية فقتلوا وحملت
_________________
(١) خصى من خدام العزيز بالله، أنابه فى الإشراف على القصور الفاطمية، فلما توفى أقره الحاكم بأمر الله على ولايته وخلع عليه، حتى نقل بعد ذلك إلى ولاية برقة. وإليه تنسب طائفة العسكر اليانسية الذين عرفت حارة اليانسية بهم. الخطط: ١٦:٢.
(٢) هو تموصلت بن بكار، وكنيته أبو محمد، الأسود الحاكمى، النجوم الزاهرة: ٢٠٧:٤.
(٣) انظر معجم الأنساب لزامباور: ١٠٩.
[ ٢ / ٣٤ ]
رءوسهم إلى القاهرة، وقتل من كان بها من رهائنهم؛ فنفرت عنه بنو قرّة، وكان منهم ما يأتى ذكره من قيامهم مع أبى ركوة.
وفى ثالث رجب خلع على أبى القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان، ونزل إلى الجامع العتيق وبين يديه ثياب صحاح، وحمل على بغلتين مسرجتين ملجمتين؛ وقرئ له سجل بالنظر فى المظالم وسماع البينة فيها.
وحمل رحل برجوان إلى القصر على ثمانين حمارا. وقرئ سجلّ بالقصر نصه بعد البسملة:
«معاشر من يسمع هذا النداء من الناس أجمعين: إن الله - وله الكبرياء والعظمة - أوجب اختصاص الأئمة بما لا يشركها فيه أحد من الأمة. فمن أقدم بعد قراءة هذا المنشور على مخاطبة أو مكاتبة لغير الحضرة المقدسة بسيدنا أو مولانا فقد أحلّ أمير المؤمنين دمه.
فليبلّغ الشاهد الغائب إن شاء الله».
وأفطر فى رمضان مع الحاكم جماعة رتّبوا عن يمينه ويساره؛ وصلى فيه جمعتين بالناس، وركب لفتح الخليج.
ووصل تموصلت بن بكار الأسود، عبد ابن زيرى (^١)، وكان قد ولاّه طرابلس المغرب، فجار على أهلها وأخذ منها مالا كثيرا وفرّ خوفا من مولاه؛ فسار من طرابلس المغرب، ومعه نيّف وستون ولدا ما بين ذكر وأنثى، فى عسكر كبير، بعد أن مرّ ببرقة، ودفع ليانس العزيزى متولّيها ثلاثين ألف دينار لخاصّة نفقته، وأنفق فى عسكره ورجاله مالا كثيرا، وسلّم إليه مخازن فيها العسل والسّمن والقمح والشعير والزيت وغيره. فجلس له الحاكم وأجلسه، فكان من كلامه للحاكم: قد وصلت إلى حضرة مولانا بالأهل والمال
_________________
(١) أبو مناد بن باديس، ناصر الدولة، من أسرة زيرى التى حكمت إفريقية والمغرب الأوسط فى ظل الفاطميين، ثم استقلالا عنهم. معجم الأنساب.
[ ٢ / ٣٥ ]
والولد ومعى ما يكفينى ويكفى عقب عقبى؛ ولكنّ الرجال الذين معى رجال مولانا، وهو يحسن إليهم على ما يراه.
وأهدى إلى الحاكم مائة ألف دينار ومائة ألف درهم، ونيفا وخمسين حملا من البزّ والطرف، وثمانين فرسا منها أربعون بسرجها ولجمها؛ وأربعين بغلا؛ وخمسين بختيّا (^١) بأكوارها (^٢)؛ ومائتى جمل. فخلع عليه وعلى من حضر من أولاده، وسار إلى دار قد أعدّت له فيها خمس وثلاثون حجرة، فى كل حجرة آلاتها وفرشها؛ فبلغت النفقة على هذه الدار خمسة آلاف دينار.
وفى يوم عيد الفطر صلّى الحاكم بالناس بالمصلّى، وخطب على رسمه، وأصعد ابن النعمان وعدة من القواد معه المنبر، فجلس على الدرج.
ولخمس خلون من شوال أذن لابن عمار فى الركوب إلى القصر، فركب ونزل حيث ينزل سائر الناس، وواصل الركوب إلى الرابع عشر منه، فأحضر عشية إلى القصر، فجلس إلى بعد العشاء الآخرة ثم أذن له فى الانصراف؛ فلما انصرف ابتدره جماعة من الأتراك قد أوقفوا لقتله، فقتلوه واحتزوا رأسه ودفنوه هنالك، ثم نقل إلى تربته بالقرافة؛ فكانت مدة حياته بعد عزله ثلاث سنين وشهرا واجدا وثمانية عشر يوما.
وسارت قافلة الحاج لاثنتى عشرة خلت من ذى القعدة. وعزل خود عن الشرطة السفلى، وجمعت الشرطتان لمسعود الصقلبى، فنزل بالخلع والطبول والبنود إلى الجامع العتيق حتى قرئ سجلّه على المنبر.
_________________
(١) البخت والبختية، بضم الباء فيهما، الإبل الخراسانية، والجمع بخاتى بالتشديد للياء، وبخاتى بالقصر وبخات؛ والبخات بتشديد الخاء مقتنيها. القاموس المحيط.
(٢) الكور، بضم الكاف، الرحل بأداته، والجمع أكوار، وأكور بضم الواو، وكوران، وكئور. لسان العرب.
[ ٢ / ٣٦ ]
وفى ثالث ذى الحجة أمر الناس بتعليق القناديل على سائر الحوانيت وأبواب الدّور كلّها، وفى جميع المحال والسكك الشارعة وغير الشارعة، ففعلوا.
وصلى الحاكم صلاة عيد النحر بالمصلى، وخطب، ونحر فى القصر على رسمه، وجلس على السّماط. وكان الناس بين عبد العزيز بن النعمان وبين قاضى القضاة الحسين بن النعمان فى شرور وبلاء؛ وذلك أن عبد العزيز قبل شهادة جماعة اختارهم؛ فكان من حاكم خصمه إلى الحسين اختار خصمه بالمرافعة إلى عبد العزيز وبالعكس. وكان عبد العزيز إذا جلس للنظر فى المظالم حضر شهوده عنده وسمع شهادتهم وأشهدهم فيما يقول ويمضى؛ ولا يحضر أحد منهم عند الحسين ولا يقرب داره، ويقيد الشهود القدماء يشهدون عنده، غير أنهم لا يحضرون مجلس عبد العزيز مواصلين لذلك ولا يركبون معه.
وفيها عقد ليانس الصقلبى على ولاية أطرابلس الغرب بعد موت المنصور بن بلكين، فوصل إليها فى ألف وخمسمائة فارس وملكها. فبعث باديس بن جعفر بن حبيب على عسكر فلقيه على زنزوير، واقتتلا يومين، فانهزم عسكر يانس وقتل.
[ ٢ / ٣٧ ]