فى يوم الاثنين لثلاث خلت من شوال قبض العزيز بالله على الوزير يعقوب بن كلّس وعلى الفضل بن صالح وأخوته، وحمل ما فى دورهم إلى القصر، فكان ما حمل من دار الوزير يعقوب مائة ألف دينار، واعتقل كلّ واحد بمفرده، فارتجّت المدينة، ونهبت الأسواق، وكانت الدواوين (^١) تجلس فى دار الوزير، فنقلوا إلى القصر.
وعملت أوراق ما كان للوزير من أنواع البرّ فبلغت ألف دينار كل شهر، فأمر العزيز باجرائها على أربابها، ثم أفرج عنهم بعد شهرين، وأعيد موجودهم، وأعيد الوزير إلى وزارته، ورد إليه المائة ألف دينار التى أخذت له، وأعيد اسمه إلى الطراز (^٢) بعد ما محى.
وفيها كان غلاء عظيم عمّ بلاد الشام والعراق.
وفيها مات هفتكين، فاتهم الوزير يعقوب بأنه سمّه، فقبض عليه.
ومات القاضى محمد بن الحسن بن أبى الربس (^٣).
ومات أبو العباس بن سبك من الإخشيدية.
_________________
(١) الدواوين هنا بمعنى موظفى الدواوين.
(٢) هذا تقليد جديد أن يثبت اسم الوزير مع اسم الخليفة على الطراز، أى على المنسوجات التى تنسج فى دار الطراز الخاصة، وقد بدأ هذا التقليد كما نرى منذ أوائل العصر الفاطمى. و«الطراز كلمة ايرانية معربة كانت تعنى المدبج (البرودرى): ثم أطلقت على الرداء المحلى بالمدبج اذا كانت تلك الحلية أشرطة من الكتابة، واخيرا صارت تطلق على المصنع الذى تطرز فيه هذه الأشرطة؛ ولقد كان من عادة ملوك ايران قبل الاسلام أن يزينوا ملابسهم بصور الملوك وبأشكال معينة، تمييزا لها عن غيرها واشعارا بما للابسها من السلطان، ويتخذون ذلك شعارا لهم يختصون به دون سواهم، ولقد ورث المسلمون عنهم هذه العادة ولكنهم اعتاضوا عن الصور والرسوم بكتابة أسماء خلفائهم مصحوبة بصيغة خاصة من صيغ الدعاء أو المدح؛ وقد كانت هذه الكتابة تنسج فى لحمة الثوب وسداه؛ أو تطرز بعد نسجه بخيوط من الذهب أو الفضة أو الحرير الذى يختلف لونه عن لون الثوب المزركشة عليه، وقد اتخذ الخلفاء ذلك حقا لهم وحدهم اختصوا به أنفسهم دون غيرهم، واعتبروه من علامات سلطانهم كذكر اسمهم فى خطبة الجمعة والعيدين، أو نقشه على السكة سواء بسواء، واعتنوا به عناية خاصة، فأنشئوا مناسج حكومية كانوا يعهدون اليها بعمل تلك الثياب؛ وأطلقوا عليها اسم «دور الطراز». (مرزوق: الزخرفة المنسوجة، ص ٢١ وما بعدها؛ وما به من مراجع).
(٣) كذا فى الأصل دون نقط.
[ ١ / ٢٦٢ ]
(¬*) وأما المغرب فإنّ العزيز بالله بعث فى سنة ست وسبعين أبا الفهم حسن - الداعى الخراسانى - إلى القيروان، فأكرم إكراما كثيرا، ثم توجّه إلى بلاد كتامة، فدعاهم، وعظم عندهم، حتى ضرب السكّة، وركب فى عساكر عظيمة.
ثم بعث العزيز فى سنة سبع وسبعين أبا العزم ومحمد بن ميمون الوزّان، فلقيا الأمير أبا الفتح منصور بن يوسف بن زيرى، فسبّهما وأهانهما لسبب ما فعله أبو الفهم، ووكل بهما، ثم خرج وهما معه فى طلب أبى الفهم، حتى أخذه وقتله شرّ قتلة، وأخذه العبيد فشرّحوا لحمه وأكلوه كلّه، وأمر أبا العزم ورفيقه أن يمضيا إلى مصر، ويخبرا العزيز بما شاهداه، فقدما عليه وقالا: «رأينا شيئا … (^١) …» (^٢).
ومن خط ابن الصيرفى (^٣): كان رجل من التجار الغرباء ينزل فى قيسارية الإخشيد التى
_________________
(١) (¬*) هذا النص والنص الذى يليه وردا فى المخطوطة بعيدا عن المتن، وقد أثبتناهما هنا فى المتن لأنهما يحتويان على بعض حوادث سنتى ٣٧٦ و٣٧٧، وقد أثبت النص الأول المتضمن حوادث سنة ٣٧٦ على هامش ص ٤٥ أ، أما النص الثانى المتضمن حوادث سنة ٣٧٧ فقد أثبت فى ورقة منفصلة بين صفحتى ٤٤ ب و٤٥ أوقدم الناسخ للنص الأول بقوله: «وورد بخطه فى هذا المحل»، وقدم للنص الثانى بقوله: «فى الأصل المنقول منه بخطه» - أى بخط المؤلف -
(٢) تتمة الجملة غير مقروءة فى الأصل.
(٣) الى هنا ينتهى النص الأول.
(٤) ابن الصيرفى هو تاج الرئاسة أمين الدين أبو القاسم على بن منجب بن سليمان الشهير بابن الصيرفى، كان أبوه صيرفيا، واشتهى هو الكتابة فمهر فيها، واشتغل بكتابة الجيش والخراج مدة، ثم استخدمه الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالى فى ديوان المكاتبات فى سنة ٤٩٥ هـ فى عهد الخليفة الآمر، وظل يعمل فى هذا الديوان نحو نصف قرن من الزمان الى أن توفى فى سنة ٥٤٢ هـ فى أواخر عهد الخليفة الحافظ، وقد ترجم له المقريزى فى كتابه هذا (اتعاظ الحنفاء ص ١٤١ أ) فى حوادث سنة ٥٤٢، قال: «وفيها مات الشيخ تاج الرئاسة -
[ ١ / ٢٦٣ ]
يسكنها البزّازون خلف الجامع العتيق (^١)، فقتل فى منزله، وأخذ ماله، فأصبح رشيق
_________________
(١) = - أبو القاسم على بن منجب بن سليمان المعروف بابن الصيرفى الكاتب فى يوم الأحد لعشر بقين من صفر، ومولده يوم السبت الثانى والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وكان أبوه صيرفيا، وجده كاتبا، وأخذ صناعة الترسل عن ثقة الملك أبى العلا صاعد بن مفرج، وتنقل حتى صار صاحب ديوان الجيش، ثم انتقل منه الى ديوان الانشاء، ومات الشريف سناء الملك أبو محمد الزيدى الحسينى، ثم تفرد (أى ابن الصيرفى) بالديوان، فصار فيه بمفرده وله الانشاء البديع والشعر الرائع والتصانيف المفيدة فى التاريخ والأدب». ومعظم الرسائل والسجلات التى وصلتنا عن العصر الفاطمى هى من انشاء ابن الصيرفى، ومؤلفاته كثيرة، منها: - رسائله، وقد ذكر (ابن سعيد: عنوان المرقصات، ص ١١١) أنه رأى مجموعة من رسائل ابن الصيرفى فى ٢٠ مجلدا، ولا يزال عدد كبير منها منتثرا فى الكتب التاريخية والادبية التى بين أيدينا. - قانون ديوان الرسائل، نشره على بهجت فى القاهرة، ١٩٠٥، غير أنه ذكر فى مقدمته أن ابن الصيرفى ألف هذا الكتاب وقدمه للوزير الافضل شاهنشاه، وقد أثبتنا نحن فى كتابنا (مجموعة الوثائق الفاطمية، الوثيقة رقم ٦) أنه ألفه للوزير أبى على كتيفات ابن الافضل شاهنشاه، وقد ترجم «ماسيه Masce» هذا الكتاب الى الفرنسية: (Masee.Le Code de la Chancellerie.B.I.F.A.O.Le Caire .١٩١٤) . - الاشارة الى من نال الوزارة، نشره عبد الله مخلص فى (B.I.F.A.Le Caire ١٩٢٤) - الافضليات، مجموعة من سبع رسائل قدمها للافضل شاهنشاه. انظر أيضا: (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٣٥ و٤٠ و٨٧) و(ياقوت: معجم الأدباء، ج ١٥؛ ص ٧٩) و(المقريزى: الخطط، ج ٣، ص ١٤٠) و(الزركلى: الاعلام) و(سركيس: معجم المطبوعات العربية) و(محمد كامل حسين: فى ادب مصر الفاطمية، ص ٣٣٣ - ٣٣٨) وBrockelmann:G A.L.supp.I.P .٤٨٩ - ٤٩٠) و(Stern:The Epistle of the Fatimid Caliph al Amir … ctc P .٣٠) . و(فهرس المخطوطات العربية المصورة بمعهد المخطوطات العربية، القاهرة ١٩٥٤، ج ١، ص ١٤٦).
(٢) هو جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وقد سمى أيضا فى عهد ازدهاره (تاج الجوامع) ثم لما تقادم به العهد وكثرت الى جانبه جوامع الفسطاط والقطائع والقاهرة، سمى «الجامع العتيق» وسميت الفسطاط كذلك ولا زالت تسمى «مصر العتيقة»، انظر: (محمود أحمد باشا: جامع عمرو بن العاص)
[ ١ / ٢٦٤ ]
- غلام ميمون دبّة صاحب الشرطة السفلى (^١) - فاعتقل جماعة من أولاد التجار ومن كان ساكنا حول قيسارية الإخشيد، فشنّع الناس عن رشيق أنه دسّ على الرجل من قتله وأخذ ماله، ورفع إلى العزيز ذلك، وأنه اعتقل أبرياء مستورين، فوقّع على ظهر الرقعة إلى الوزير يعقوب بن يوسف فى ذى الحجة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة:
«سلّم الله الوزير، وأبقى نعمته عليه.
هذه رقعة رفعت إلينا بالأمس، الوزير - سلّمه الله -[يطلع] عليها ويتدبّرها، والأمر والله فظيع، يسوء الأولياء، ويسرّ الأعداء، وبالأمس كنا نضحك من فنّاخسرو، واليوم ألجمنا بعار منى علينا فى بلد نحن ساكنوه، والأخبار تسير به فى البلدان، وحسبك بقتل الأنفس فى مواضع الأمن والطمأنينة فى وسط عمارة المسلمين وتؤخذ الأموال، وقد وكل الأمر إلى رجلين لا يخافان الله ﷿ ولا يتقيانه، والدنيا فانية، والآجال متقاربة، وإن أصبح الناس فما يدرى أنه يمسى الله ﷿ هذه الجرائم.
عليه منها يحرم أجره فى (^٢) المتغافل عنه، فو الله لو جرى مثل هذا فى بلد يبعد عنا لوجب الاحتساب لله فيه، فكيف تحت كنفنا وفى بلدنا؟! فليستقص الوزير - سلّمه الله - عن هذه القصة، ويوتر الله ويوترنا، ويغسل هذا العار عن الدولة ولا يغمها به.
فو الله الذى لا إله إلا هو، وحق جدى رسول الله ﷺ ما كتبت إلى الوزير - سلّمه الله - هذه الرقعة إلا وأنا خائف من نقم الله - جلّ اسمه -، لكثرة تغافلنا وإهمالنا، إلى أن صارت المعاملة فى سفك الدماء وقتل الأنفس، فليس على هذا صبر، ولا بدّ لك من
_________________
(١) الشرطة هم الجنود الذين يحافظون على الامن، وقد كان للفسطاط شرطة منذ الفتح العربى، وكان صاحبها فى المكان الثانى بعد الوالى، فلما أسست العسكر أنشئت فيها دار أخرى للشرطة سميت الشرطة العليا - لعلو العسكر عن الفسطاط - كما سميت شرطة الفسطاط بالشرطة السفلى منذ ذلك الحين، ولما فتح جوهر مصر وأنشأ القاهرة نقل اليها الشرطة العليا، وقد ظلت بها طول عهود الفاطميين والأيوبيين والمماليك. انظر: (صبح الاعشى، ج ٤، ص ٢٣) حيث يذكر أنه كانت هناك شرطة ثالثة فى القرافة، وأنها ضمت فى العصر المملوكى الى شرطة الفسطاط أى السفلى.
(٢) مكان هذه النقط فى الاصل كلمات ممحوة استحال على الناشر قراءتها.
[ ١ / ٢٦٥ ]
الاستقصاء على هذه القصة، فأوثق الناس إلى أن تنكشف، فينتقم من فاعلها، وتبرأ إلى الله تعالى منه
فليعمل الوزير - سلمه الله - فى ذلك عملا يأجره الله عليها ونشكره، ولا يتوانى عنه، ليس ما نغسله عن أنفسنا بانكشاف هذه القصة قليلا عند الله - جلّ وعلا -، وعند عبيده من بعد.
وأنا أقسم على الوزير بحياتى ألا يتوانى عن هذا الأمر، وليسرع بالفراغ منه، وخلاص هؤلاء الرجال المساكين من مدّ يد من يطلب أموالهم وأنفسهم ظلما وعدوانا، والشّرط والولاية قد صارت إرثا، فلينظر الوزير - سلّمه الله - أن يولى الشرطتين إنسانين يخافان الله ﷿ ويتقيانه، فلا جمع الله ما لهما، ولا ما يجئ منهما بتقلد، فقدّم ما أمرناك به فى الوجوه، وأظهره فى الناس لتطيب أنفسهم، وليعلموا أنا لا نغفل عن شيء يبلغنا لله فيه رضى، ولهم فيه صيانة.
والله حسبى، وعليه توكلى.
«والسلام على الوزير ورحمة الله».
قال [ابن الصيرفى]: «فنسخ أهل مصر كافة هذا التوقيع، وصار الصبيان فى المكاتب يعلّمونه كما يعلّمون الحمد».
وصرف الوزير (^١) ورشيقا عن الشرطتين.
_________________
(١) بياض بالاصل.
[ ١ / ٢٦٦ ]