فى المحرم ابتدأ نقص ماء النيل من ثامن عشر توت، فاشتدّ الأمر، وبيع الخبز مبلولا؛ وضرب جماعة من الخبّازين وشهّروا لتعذّر وجود الخبز بالعشايا.
ووصل الحاجّ لثمان بقين من صفر.
وفى ربيع الأول خلع على علىّ [بن جعفر] بن فلاح بولاية دمشق حربا وخراجا (^٢).
واشتد الغلاء. فلما كان ليلة عيد الشعانين (^٣) منع النّصارى من تزيين كنائسهم على ما هى عادتهم، وقبض على جماعة منهم فى رجب، وأمر باحضار ما هو معلّق على الكنائس وإثباته فى دواوين السلطان؛ وكتب إلى سائر الأعمال بذلك. وأحرق صلبان كثيرة على باب الجامع وفى الشرطة.
وفى يوم الجمعة سادس عشر رجب ولى مالك بن سعيد الفارقى القضاء وخلع عليه فى بيت المال قميص مصمت وعمامة مذهبة وطيلسان محشى مذهب، وقلد بسيف. وقرأ سجله أحمد بن عبد السميع وهو قائم، فخرج وبين يديه سفط ثياب، وحمل على بغلة وبين يديه بغلتان. وكان مالك بن سعيد لما قرئ سجلّه قائما على قدميه، وكلما مرّ ذكر
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها السابع عشر من سبتمبر سنة ١٠٠٧.
(٢) بعد عزل أبى صالح مفلح اللحيانى الذى كان يعاونه فى شئون الخراج والمال الكاتب النصرانى منصور بن عبدون. ذيل تاريخ دمشق: ٦٢ - ٦٦.
(٣) عيد الشعانين هو عيد الزيتونة، ومعنى الشعانين: التسبيح، ويكون فى سابع أحد من صومهم. وسنتهم فيه أن يخرجوا سعف النخل من الكنيسة، ويرون أنه يوم ركوب المسيح العنو (الحمار) فى القدس ودخوله إلى صهيون وهو راكب والناس بين يديه يسبحون وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وكان هذا العيد من المواسم التى تزين فيها كنائس النصارى بمصر. وفى رجب سنة ٣٩٨، هذه، منع الحاكم الاحتفال به وقبض على عدد ممن وجدهم يحملون الخوص. الخطط: ٢٦٤:١.
[ ٢ / ٧١ ]
أمير المؤمنين قبّل الأرض. ثم سار من القصر إلى الجامع العتيق، وكلما مرّ بباب من أبواب القصر نزل عن بغلته وقبّل الباب. فلما وصل إلى الجامع وقف خلف المنبر قائما حتى انتهت قراءة السجلّ، وقبّل الأرض كلما ذكر أمير المؤمنين. ثم عاد إلى داره بالقاهرة وتسلم كتب الدّعوة التى تقرأ بالقصر على الأولياء (^١).
وفى يوم الجمعة سابع شعبان اجتمع أهل الدولة فى القصر بعد ما طلبوا لذلك، وأمروا ألا يقام لأحد، فخرج خادم وأسرّ إلى صاحب السّتر كلاما، فصاح: صالح بن علىّ؛ فقام صالح بن علىّ الرّوزبارى، فأخذ بيده ولا يعلم أحد ما يراد به. فأدخل إلى بيت المال، ثم خرج وعليه درّاعة مصمتة وعمامة مذهبة، ومعه مسعود صاحب الستر، فجلس بحضرة قائد القواد، وأخرج سجلاّ قرأه ابن عبد السميع، فإذا فيه ردّ سائر الأمور التى ينظر فيها قائد القوّاد حسين بن جوهر إليه. فعند ما سمع فى السجل صالح ذكره قام وقبّل الأرض. ولما انتهى ابن عبد السميع من القراءة قام قائد القواد وقبل خدّ صالح وهنأه وانصرف. فخرج صالح وبين يديه عدة أسفاط وثلاث بغلات بسروجها ولجمها. قال المسبّحى: قال لى الحاكم بأمر الله، أحضرت ابن سورين وحلفته على الإنجيل أن يكتب سجلّ صالح بن علىّ ولا يطلع عليه أحدا من ابن جوهر ولا غيره، وقلت له إنك تعرف ما أجازى به من يخالف أمرى فكن منه على يقين. فو الله ما اطلع عليه أحد غيرى وغيره، حتى كان.
وجلس صالح فى مجلس قائد القواد من القصر، ووقّع عن الحاكم: ورفع إليه الأولياء وسائر المتصرّفين قصصهم وأحوالهم؛ ونفّذ أوامر الحاكم، وطالعه بما تجب مطالعته به. وقلّد ديوان الشام، الذى كان يتولاه، لأبى عبد الله الموصلى الكاتب. وخلع على الشريف
_________________
(١) راجع: الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية، للتعرف على طبيعة هذه الدعوة ورسومها ومجالسها وكذلك: الخطط للمقريزى، الذى يفصل الحديث عنها ويطيله.
[ ٢ / ٧٢ ]
أبى الحسن على بن إبراهيم النرسى لنقابة الطالبيين وحمل على فرسين، وقرئ سجله فى القصر والجامع.
وخلع على صقر اليهودى وحمل على بغلة، وقيد إليه ثلاث بغلات بسروج ولجم ثقال وحمل معه عشرون سفط ثياب؛ وأنزل فى دار فرشت وزينت، وعلق على أبوابها وحجرها الستور، وأعطى فيها جميع ما يحتاج إليه، وقيل له هذه دارك؛ فحصل له فى ساعة واحدة ما قيمته عشرة آلاف دينار. واستقر طبيب الحاكم عوضا عن ابن نسطاس.
وورد الخبر بأن ابن الجراح فرّ بعد قتل جماعة من أصحابه. وخلع على ياروخ وسار إلى دمشق وتبعه عسكر كثير.
واستهل رمضان، فحضر الأسماط مع الحاكم القائد صالح قائد القواد (^١)، والقاضى مالك بن سعيد، وجلس فوق القاضى عبد العزيز بن النعمان. وقد صلّى الحاكم بالناس صلاة الجمعة فى جامع راشدة؛ وصلى صلاة عيد الفطر وخطب على ما جرت عادته به، وأصعد معه المنبر وقت الخطبة قائد القواد صالح بن علىّ ومالك بن سعيد القاضى والشريف النرسى وجماعة.
وفى ثالث شوال أمر الحاكم قائد القواد [السابق] (^٢) حسين بن جوهر والقاضى عبد العزيز بن النعمان بأن يلزما داريهما (^٣)، ومنعا من الركوب وسائر أولادهما، فلبسوا الصوف وامتنع الداخل إليهم، وجلسوا على الحصر.
وفى ذى القعدة ولى غالب بن مالك الشرطتين والحسبة والنظر فى البلد، وقرئ سجله بالجامع العتيق وجامع ابن طولون؛ وصرف خود ومسعود.
_________________
(١) فى الأصل: وقائد القواد، وهو خطأ لأن صالحا هو نفسه قائد القواد وقد سبق ذكر ذلك فى الأسطر القليلة السابقة، وسيرد كذلك بعد أسطر.
(٢) زيد ما بين الحاصرتين للتوضيح.
(٣) فى الأصل: دورهما. ولعل هذا يشبه عقوبة تحديد الإقامة التى تتبع فى الدول الحديثة فى أيامنا هذه.
[ ٢ / ٧٣ ]
وفى ثالث عشره سارت قافلة الحاج.
وفى تاسع عشره عفا الحاكم عن قائد القواد والقاضى عبد العزيز، وأذن لهما فى الركوب فركبا إلى القصر بزيهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال.
وتوقفت زيادة النيل؛ فاستسقى الناس، وخرجوا ومعهم النساء والصبيان مرتين.
وقرئ سجلء بإبطال المكوس والمؤن التى تؤخذ من المسافرين عن الغلال والأرز.
وصلّى الحاكم صلاة عيد النحر، وخطب ونحر فى المصلى والملعب على عادته ورسمه
وبيع الخبز ثلاثة أرطال بدرهم. وتعذّر وجوده. وجرى الرسم فى عيد الغدير على عادته. واشتد تكالب النّاس على الخبز، فاجتمعوا وضجّوا من قلّته وسواده؛ ورفعوا للحاكم قصة مع رغيفة، وكانت الحملة الدقيق (^١) قد بلغت ستة دنانير.
وفتح الخليج فى رابع توت والماء على خمسة عشر ذراعا، فبلغ التليّس (^٢) أربعة دنانير والويبة من الأرز بدينار، واللّحم كلّ رطلين بدرهم، ولحم البقر رطلين ونصفا بدرهم، والبصل عشرة أرطال بدرهم والخبز ثمان أواق بدرهم، وزيت الوقود الرطل بدرهم.
وفيها خرج النصارى من مصر إلى القدس لحضور الفصح بقمامة (^٣) على عادتهم فى كل
_________________
(١) الحملة من الدقيق توازى ثلاثمائة رطل مصرى، والرطل يساوى اثنتى عشرة أوقية زنة كل منها اثنا عشر درهما. قوانين الدواوين: ٣٦٥، ٤٥٥.
(٢) التليس يزن مائة وخمسين رطلا، أو نصف حملة. قوانين الدواوين ٣٦٥.
(٣) المقصود بها كنيسة القيامة بالقدس، وقد أمر الحاكم بهدمها فى هذه السنة فكتب بذلك أمر فيه «فليصر طولها عرضا وسقفها أرضا» نهاية الأرب. وأصل تسميتها بالقمامة تاريخى يرجع إلى أن القبر المقدس بنى على الموضع الذى كانت توضع به القمامة خارج سور بيت المقدس، وهو الموضع الذى يزعم أن المسيح صلب فيه. معجم البلدان: ١٥٨:٧ - ١٥٩.
[ ٢ / ٧٤ ]
سنة بتجمّل عظيم كما يخرج المسلمون إلى الحج، فسأل الحاكم ختكين الضّيف العضدى (^١)، أحد قوّاده، عن ذلك لمعرفته بأمر قمامة، فقال هذه بيعة تعظمها النصارى ويحجّ إليها من جميع البلاد، وتأتيها الملوك، وتحمل إليها الأموال العظيمة، والثياب والسّنتور والفرش والقناديل، والصلبان المصوغة من الذهب والفضة، والأوانى من ذلك؛ وبها من ذلك شيء عظيم. فإذا كان يوم الفصح واجتمع النصارى بقمامة، ونصبت الصّلبان، وعلّقت القناديل فى المذبح، تحيّلوا فى إيصال النّار إليه بدهن البيلسان مع دهن الزئبق، فيحدث له ضياء ساطع يظن من يراه أنها نار نزلت من السماء. فأنكر الحاكم ذلك، وتقدّم إلى بشر بن سورين كاتب الإنشاء، فكتب إلى أحمد بن يعقوب الدّاعى أن يقصد القدس ويهدم قمامة وينهبها الناس حتى يعفى أثرها. ففعل ذلك. ثم أمر بهدم ما فى أعمال مملكته من البيع والكنائس، فخوّف أن تهدم النصارى ما فى بلادها من مساجد المسلمين فأمسك عن ذلك (^٢).
_________________
(١) وكان قد عزل عن دمشق سنة ٣٩٦ بعد أن فشل فى تنفيذ سياسة توفير الأموال بإنقاص مرتبات الأجناد. انظر ذيل تاريخ دمشق: ٥٧ - ٥٨.
(٢) جاء فى نهاية الأرب: «وفيها فى تاسع عشر ذى الحجة أمر الحاكم بهدم كنائس القنطرة التى فى طريق المكس وكنائس حارة الروم، فهدم جميع ذلك».
[ ٢ / ٧٥ ]