فى شهر ربيع الأول تزايد أمر الدراهم القطع المتزايدة، فبلغت أربعة وثلاثين درهما بدينار؛ ونزع السعر واضطربت أمور الناس. فرفعت هذه الدراهم، وأنزل من بيت المال بعشرين صندوقا فيها الدراهم الجدد لتفرّق على الصّيارفة. وقرئ سجل برفع تلك الدراهم والمنع من المعاملة بها؛ وانظر من فى يده منها شيء ثلاثة أيام، وأمر الناس بحمل ما كان منها إلى دار الضرب؛ فقلق الناس، وبلغ كل درهم من الجدد أربعة دراهم من القطع.
وبيع الخبز كل ثلاثة أرطال بدرهم، فنودى أن يكون الخبز كل اثنى عشر رطلا بدرهم جديد، واللحم رطلين بدرهم؛ وسعّر أكثر الأشياء؛ واستقرّ كلّ دينار بثمانين درهما من الجدد. وسكن أمر الناس بعد ما ضرب كثير من الباعة بالسّياط وشهّروا. وقبض على جماعة من أصحاب الفقّاع والسّمّاكين، وكبست الحمّامات، وضرب جماعة لمخالفتهم ما نهوا عنه وشهّروا.
وفى تاسع ربيع الآخر أمر الحاكم بمحو ما هو مكتوب على المساجد والأبواب وغيرها من سبّ السّلف، فمحى بأسره، وطاف متولّى الشرطة حتى أزال سائر ما كان منه.
وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا يعنى، واشتغال كل أحد بمعيشته عن الخوض فى أعمال أمير المؤمنين وأوامره.
وجرى الأمر فى الفطر على السّماط ليالى رمضان، وفى صلاة الحاكم بالناس يوم الجمعة على ما تقدّم.
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها السابع والعشرين من سبتمبر سنة ١٠٠٦.
[ ٢ / ٦٩ ]
وركب الحاكم لفتح الخليج فى ذى القعدة والماء على أربعة عشر ذراعا وأصابع، وهو تاسع توت، فانتهى بعد فتح الخليج ماء النيل إلى ستة عشر إصبعا من خمسة عشر ذراعا، ثم نقص، فتحرك السعر وازدحم الناس على شراء الغلال وابتدأت الشدة.
وفيها مات يعقوب بن نسطاس النّصرانى، طبيب الحاكم، سكران فى بركة ماء، فحمل إلى الكنيسة فى تابوت، وشقّ به البلد، ثم أعيد إلى داره فدفن بها، وسائر أهل الدولة فى جنازته ومعه شموع كثيرة تتّقد، ومداخن عدّة فيها بخور. وكان طبيب وقته، عارفا بالطب، آية فى الحفظ، ما يغنّى له قط صوت إلا حفظه. ولو غنّاه مائة مغنّ فى مجلس واحد لحفظ سائر ما غنّوه به وتكلم على ألحانها وأشعارها. وكانت له يد فى الموسيقا، وانفرد بخدمة الحاكم فى الطّبّ فأثرى، وترك زيادة على عشرين ألف دينار عينا، سوى الثياب وغيرها.
وتوفى الأمير منجوتكين لأربع خلون من ذى الحجة، فصلى عليه الحاكم.
[ ٢ / ٧٠ ]