فى المحرّم ورد سابق الحاج، فأخبر بتمام الحج والدّعاء للحاكم فى الحرمين.
وفيه نزع سعر القمح وغيره، وعزّ وجوده، واشتدّ الغلاء. ووقع فى البلد خوف شديد من طرف رجل من اللّصوص فى الليل وكبسه دور الناس فتحارسوا فى الليل، وأخذت نساء من الطّرقات، وعظم الأمر فى ذلك.
وفيه ضربت رقبة عيسى بن نسطورس.
ووصل الحاج فى رابع عشر صفر؛ فخلع على سبكتكين، مقدّم القافلة، وحمل على عدد من الخيل.
ووقف سعر الخبز على أربعة أرطال بدرهم.
وسار أبو تميم [سلمان بن (^٢)] جعفر بن فلاح بعد أن خلع عليه وقيد بين يديه عدّة خيول، وحمل معه شيء كثير من الثياب، وأنفق فى أهل عسكره؛ فنزل مسجد تبر (^٣)، فأقام إلى تاسع عشر ربيع الأول؛ فخرج إليه الحاكم وحلّفه ومن معه، وعاد. فرحل ابن فلاح إلى القصور فأقام بها. وقرئ سجل يوم الجمعة للنصف منه بمدح كتامة ولعن منجوتكين
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها الرابع عشر من يناير سنة ٩٩٧.
(٢) ما بين الحاصرتين تصحيح استنادا إلى ما تقدم فى نهاية الحديث عن حوادث سنة ست وثمانين وثلاثمائة، واستعانة بما جاء فى ذيل تاريخ دمشق: ٤٦.
(٣) خارج القاهرة مما يلى الخندق قريبا من المطرية، وكان يسمى مسجد التبن. ويقال إنه بنى على رأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على، ويعرف أيضا بمسجد البئر والجميزة. وتبر هذا أحد الأمراء على زمن كافور الإخشيذى وقد اضطر جوهر الصقلى إلى محاربته حربا طويلة انتهت بفراره إلى مدينة صور بالشام حيث قبض عليه وأدخل القاهرة وضرب بالسياط وحبس حتى مرض ومات فسلخ جلده وصلب. الخطط: ٤١٣:٢.
[ ٢ / ٨ ]
على سائر منابر مصر وفى القصر. وخلع على جماعة من الحمدانية (^١) وجهّزوا إلى ابن فلاح، فساروا معه.
وفى آخره أخرج ابن عمّار إلى سلمان [بن جعفر [بن فلاح بخزانة مال، على ثمانية وستين بغلا، فى صناديق، فيها أربعمائة ألف دينار وسبعمائة ألف درهم؛ وستة وأربعين حملا من السلاح؛ وعشر جمازات (^٢) عليها دروع؛ وست قباب (^٣) بفرشها وأهلّتها ومناطقها وجميع آلاتها، منها قبتان قرقرى مثقل وباقيها ديباج؛ وستّ جمازات تجنب بآلة الدّيباج الملون؛ وثلاثين جمازة بأجلتها (^٤)؛ وعشرة أفراس وثلاث بغلات بمراكبها، ومنديل حمله خادم فيه ثياب شرف، بها من ثياب العزيز وسيف من سيوفه.
وفى ثالث ربيع الآخر ركب الحاكم وابن عمّار إلى القصور فودّعا ابن فلاح، وسار فى ثلاثة من كتامة وسبعمائة فارس من الغلمان، وانضم إليه من عرب الرملة (^٥) ثمانية آلاف.
وفى النصف منه شق الحاكم المدينة وقد زينت زينة عظيمة، وزيدان يحمل مظلة عن يمينه، وابن عمّار عن يساره، ويرجوان وحده خلفه، فدخل الصناعة.
_________________
(١) من رجال الأسرة التى حكمت كلا من الموصل وحلب، مجتمعتين أو مستقلتين. وكان لأصحاب حلب صلة بالفاطميين، وقد ولى بعضهم قيادة الجيش أو الوزارة بمصر على فترات متباينة، ولم يكونوا خاضعين للفاطميين فى جميع الظروف. وسيرد بعض التفصيل لذلك. انظر أيضا: معجم الأنساب لزامباور: ٢.
(٢) جمز البعير من باب ضرب، والجماز بالفتح والتشديد البعير الذى يركبه المجمز، والجمازة ناقة المجمز، والناقة تعدو الجمزى بالقصر أى تسرع.
(٣) القبة كانت من مستلزمات الجيوش المقاتلة، تضرب فى ميدان المعركة ويلجأ إليها مجموعة من المقاتلة تستريح ولا تشترك فى القتال حتى تشتد المعركة وعندئذ تبادر إلى الاشتباك فترجح كفة المقاتلين ويشتد أزرهم. وقد استعملها القرامطة على نطاق واسع فى حروبهم. وتطلق القبة أيضا على المظلة.
(٤) الجل للدابة كالثوب للإنسان يلبس ليقى من البرد، والجمع جلال وأجلال، وجمع الجلال أجلة.
(٥) بينها وبين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا. معجم البلدان: ٢٨٦:٤ - ٢٨٨.
[ ٢ / ٩ ]
وأما منجوتكين فإنه لمّا بلغه ما فعله ابن عمار من إكرام كتامة وحطّه من مراتب المصطنعين الذين اصطنعهم العزيز من الأتراك خاف (^١). فلم يكن غير قليل حتى بلغه خروج سلمان بن جعفر بن فلاح إلى الشام بالكتاميين، فسار إلى الرملة مستعدّ القتال من يجيئه من مصر؛ فالتقيا برفح. وكانت الوقعة بين الطوالع، فانهزم أصحاب منجوتكين؛ وسار ابن فلاح إلى منجوتكين، فلقيه بظاهر عسقلان وقد انضم إليه ابن الجراح فى كثير من العرب؛ فاستأمن إلى ابن فلاح عدة من أصحاب منجوتكين. واقتتلا يوم الجمعة، رابع جمادى الأولى، فقتل كثير من أصحاب منجوتكين وأسر عدّة منهم؛ وانهزم منجوتكين بمن بقى معه، فقطع من عسقلان إلى دمشق فى ثلاثة أيام، وأهلها فى مجاعة من غلاء الأسعار وقلة الطعام وقد راجت الغلال. فاجتمع أهل البلد إلى الجامع وهم كثير، فيهم حمّال السلاح ومن يطلب الفتن. فقال الناس: نرحّل منجوتكين عنّا؛ وقال طلاب الفتن:
لا، ما نقاتل معه، وساروا إلى داره ومعهم قوم من المرج (^٢) يقال لهم الهياجنة، أهل شر وفساد، فنهبوها وما حولها من دور أمرائها. وخرج منهزما فى يسير من الجند فراسخ، فنزل على ابن الجرّاح.
وبلغ ذلك ابن فلاح فأرسل بأخيه علىّ بن جعفر بن فلاح فى ألفى رجل؛ فنزل بظاهر دمشق، لستّ بقين منه، وبعث إلى ابن الجرّاح رسولا بأن ينفذ منجوتكين إلى مولانا
_________________
(١) يصور سراف ابن عمار فى إكرام قومه من كنامة ما ذكره النويرى فى نهاية الأرب، فى سبب الفتنة التى ثارت فى دمشق بزعامة منجوتكين: «كان سبب ذلك أن ابن عمار أظهر الكتاميين وبالغ فى الإحسان إليهم وخولهم فى الأموال وبسط أيديهم وفرق فيهم ما خلفه العزيز. قال بعض المؤرخين إن العزيز كان عنده عشرون ألف عليقة ما بين فرس وبغل وجمل وحمار، ومن الأموال ما لا يدخل تحت الإحصاء، ففرق ابن عمار ذلك فيمن أراد اصطناعه» .. الخ. ويقول ابن القلانسى: ٤٦: «وندب أبا تميم سلمان بن جعفر بن فلاح وأطلق كل ما التمس من المال والعدد والرجال والسلاح والكراع، وأسرف فى ذلك إلى حد لم يقف عنده».
(٢) المرج الأرض الواسعة فيها نبت كثير تمرج فيها الدواب أى تذهب وتجيء. وبالقرب من دمشق ثلاثة مروج هى مرج عذراء، ومرج الصفر، ومرج راهط وهو الذى يقصد عادة إذا ذكر مفردا غير مضاف. معجم البلدان: ١٥:٨ - ١٦.
[ ٢ / ١٠ ]
فإنّا لا نريد به سوءا، وهو آمن، وبذل له مالا. فسار منجوتكين ودخل القاهرة فى ثانى عشرى رجب، فأنزله ابن عمّار فى دار، وكان يركب فى خدمته، وإذا لقيه وهو راكب ترجّل له. وكان ابن عمّار ينزله أدون المراتب، وغيّر رسومه كلها.
وأما علىّ بن [جعفر بن] فلاح فإنّه لمّا قدم من عند أخيه ولّى البلد لرجل من المغاربة لم يكن عنده ما رآه، بل كان فظّا غليظا، فشاقّ العامّة وواجههم، فثاروا عليه بالسلاح، وركب المغاربة، وكانت بينهم حروب. ثم إن شيوخ البلد خرجوا إليه وأصلحوا الأمر.
وسار علىّ من الرملة فنزل على دمشق فى عسكر عظيم يوم الاثنين لستّ بقين من رجب، وأقام لا يأمر بخير ولا شر.
وأما ابن عمّار فإنه لما نظر فى الأمر كان ينزل على باب الحجرة التى فيها الحاكم، ويدخل القصر راكبا، فيشق قاعة الدواوين، ويدخل من الباب الذى يجلس فيه خدم الخاصة (^١)، ثم يعدل منه إلى باب الحجرة، فينزل ويركب منه. وكان النّاس من الشيوخ والرؤساء على سائر طبقاتهم يبكرون إلى داره والباب مغلق فيفتح بعد وقت، فيدخل إليه الوجوه فيجلسون فى قاعة الدّار على حصير وهو فى مجلسه لا يدخل إليه أحد، فإذا مضت لهم ساعة أذن للوجوه فالقاضى، وبعده كتامة والقواد، فيدخل أعيانهم؛ ثم يأذن لسائر الناس فلا يقدر أحد على الوصول إليه، فمنهم من يومى إلى تقبيل الأرض، ومنهم من يقبّل الركاب، ومنهم من يقبل ركبته.
وتسلّم النّظر والإسطبلات عامرة؛ فأخرج لرجال كتامة وأحداثهم ألفا وخمسمائة فرس،
_________________
(١) خدم الخاص، أو الخاصكية: فرقة من الخدم أو المماليك تختص بخدمة الخليفة أو السلطان أو الأمير. وتشرف على حوائجه وملابسه، وقد يشرف رئيسها على دخول الأمراء والكتاب للخدمة. ويختارون من بين الخدم الذين دخلوا فى الخدمة صغارا، ويدخلون على مخدومهم فى خلوته، ويركبون لركوبه ليلا ونهارا، ولا يتخلفون فى قرب أو بعد، ويتميزون عن غيرهم من المماليك والخدم بحملهم سيوفهم وبملابسهم المزركشة. صبح الأعشى. انظر كذلك: السلوك: ٦٤٤:١.
[ ٢ / ١١ ]
ولم يبق من شيوخهم إلاّ من قاد إليه الفرسين والثلاثة بمراكبها. وحمل لسلمان [بن جعفر] ابن فلاح ما يتجاوز ألف رأس، وجلّ رحل العزيز وأمتعته. وباع من الخيل والبغال والنّجب والحمر ما يتجاوز الألوف؛ حتى بيعت الناقة بستة دنانير، والحمار الذى قيمته أربعون دينارا بأربعة دنانير. وقطع أكثر الرسوم التى كانت لأولياء الدولة من الأتراك والعبيد، وقطع أكثر ما كان فى المطابخ. وقطع أرزاق جماعة أرباب الراتب، وفرّق كثيرا من الجوارى طلبا للتّوفير.
واصطنع أحداث (^١) المغاربة، فكثر عبث أشرارهم وامتدت أيديهم إلى أخذ الحرم فى الطرقات، وعرّوا جماعة من الناس، فكثرت الشكاية منهم ولم يبد كبير نكير؛ فأفرط الأمر حتى تعرضوا إلى الأتراك يريدون أخذ ثيابهم، فثار لذلك شرّ قتل فيه واحد من المغاربة وغلام تركىّ؛ فسار أولياء الكتامى ليأخذوا (^٢) التركى قاتله ويأتوا به إلى قبر المقتول فيعتقوه هناك؛ فلما أخذوه قتلوه على قبر الكتامى. فاجتمعت أكابر الطائفتين وتحزّبوا، فوقعت الحرب بينهما وقتل جماعة، وانطلقت ألسن كل منهما فى الآخرين بالقبيح. وأقاموا على مصافهم (^٣) يومين آخرهما تاسع شعبان، فركب ابن عمّار فى عاشره بآلة الحرب وقد حفّت به المغاربة؛ وتبادر إليه الاتراك؛ فاقتتل الفريقان وقتل منهما جماعة وجرح كثير.
وجئ لابن عمّار بعدّة رءوس طرحت بين يديه، فأنكر ذلك وظهر له الخطأ فى ركوبه، فعاد إلى داره.
وجاء برجوان ليصلح الأمر، فثار الغلمان وركبوا دار ابن عمّار للفتك به، فأركب
_________________
(١) الأحداث: رجال الشرطة المكلفون بإخماد الفتن والاضطرابات وعقاب مثيرى الشغب، وهم أيضا رجال الحرس الإقليمى. انظر Dozy;Supp.Dict.Ar وكذلك Reinaud;J.A;١٨٤٨.II .
(٢) فى الأصل: أن يأخذوا.
(٣) المصاف جمع مصف وهو الموقف فى الحرب، وموضع الصف فى القتال. لسان العرب، انظر أيضا: Dozy:supp.Dict.Ar .
[ ٢ / ١٢ ]
برجوان إلى القصر وانبسطت أيدى المغاربة وأحداث الغلمان والنهابة، فانتهبوا دار ابن عمار واسطبلاته، ودار رشا غلامه، وأخذوا ما لا يحصى كثرة (^١).
وانعزل لثلاث بقين منه، وتحوّل من القاهرة إلى داره بمصر. فكانت أيام نظره أحد عشر شهرا غير خمسة أيام. فأقام بمصر سبعة وعشرين يوما، ثم عاد إلى القاهرة بأمر الحاكم فأقام بها لا يركب ولا يجتمع به سوى خدمه؛ وأطلقت له رسومه وجراياته وجرايات حشمه على رتبه فى أيام نظره.
وتقدم [الحاكم] إلى برجوان أن ينظر فى التّدبير على ما كان ابن عمار، فنظر فى ذلك لثلاث بقين من رمضان، وسار إلى القصر وجمع الغلمان الأتراك ونهاهم عن التعرض لأحد من الكتاميين والمغاربة. وقبض على عريف الباطلية (^٢)، فإنهم كانوا قد نهبوا شيئا كثيرا لابن عمّار، وألزمه بإحضار ما نهب أصحابه. وأجرى الرّسوم والرواتب التى قطعها ابن عمّار، وأجرى لابن عمّار ما كان يجرى له فى أيام العزيز، ولآله وحرمه؛ ومبلغ ذلك من اللحم والتوابل والفاكهة خمسمائة دينار فى كل شهر، يزيد على ذلك تارة وينقص أخرى على قدر الأسعار، مع ما كان له من الفاكهة، وهو فى كل يوم سلة بدينار، وعشرة أرطال شمع كل يوم، وحمل ثلج عن يومين؛ فأجرى له ذلك مدة حياته.
_________________
(١) يذكر ابن القلانسى أن برجوان خشى على نفسه من ابن عمار والكتاميين، فانتهز فرصة غيبة كثير من الكتاميين فى الشام مع سلمان بن جعفر بن فلاح فاتفق مع شكر العضدى على الإيقاع بابن عمار «وقررا أن يركبا ويركب على أثرهما جماعة من الغلمان، فإن أحسوا وأحسسنا ما يريبنا رجعنا وفى ظهورنا من يمنع منا». فلما وصلا دار ابن عمار أحسا بما كان يدبره هو أيضا للإيقاع بهما فرجعا، وجرد غلمانهما السيوف لحمايتهما. ثم دخل برجوان وشكر قصر الحاكم يبكيان، وثارت الفتنة واجتمع الأتراك والديلم والمشارقة وعبيد الشراء بالسلاح … ثم دار قتال عنيف بين الفريقين فى الصحراء فهزم ابن عمار ونهبت داره ودور رجاله. ذيل تاريخ دمشق: ٤٨ - ٤٩. ويشرك النويرى معهما منجوتكين.
(٢) بدأ ظهور الباطلية جماعة متميزة - على ما يبدو - زمن المعز لدين الله، ذلك أنه قسم العطاء فى إحدى المناسبات على الناس، فجاءت إليه طائفة وسألته نصيبها فى العطاء، فقال: فرغ المال. فقالوا: رحنا نحن فى الباطل. فسموا الباطلية. ويهم تعرف الحارة المعروفة فى منطقة الأزهر، وتسمى أيضا الباطنية. النجوم الزاهرة: ٤٦:٤؛ الخطط: ٨:٢.
[ ٢ / ١٣ ]
وجعل برجوان أبا العلا، فهد بن إبراهيم [النّصرانى]؛ كاتبه، يوقّع عنه، فنظر فى قصص الرافعين وظلاماتهم، وطالعه بما يحتاج إليه، فرتّب الغلمان فى القصر وأكّد عليهم فى ملازمة الخدمة، وتفقّد أحوالهم. وأزاح علل أولياء الدولة، وتفقّد أمور الناس وأزال ضروراتهم، ومنع من التّرجّل له. وكان الناس يلقونه فى داره، فإذا تكاملوا ركب وهم بين يديه إلى القصر. ولقّب كاتبه فهد بن إبراهيم بالرئيس، فكان يخاطب بذلك ويكاتب به، ويركب أكثر الناس إلى داره حتى يخرج برجوان إلى القصر فيجلس فيه فى آخر دهاليزه، ويجلس فهد فى الدّهليز الأول يوقّع وينظر ويطالع برجوان بما يحتاج له، فيخرج الأمر بما يكون. فلم يزل الأمر على ذلك حتى انتهت مدّتهما.
وكان الحاكم يركب كلّ يوم إلى الميدان (^١)، فيجلس على سريره بالطّارمة (^٢) فتعرض عليه الخيل، والقرّاء بين يديه، وربما أنشده الشعراء؛ ثم ينصرف إلى القصر فيجلس برجوان وكاتبه لأخذ رقاع المتظلمين وأرباب الحاجات، فلا يزالان (^٣) حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يدخلان (^٤). فإذا فرغ الحاكم من غدائه ورفعت المائدة تقدّم أبو العلا فجلس بين يديه وبرجوان قائم على رأسه، حتى يقرأ جميع تلك الرقاع ويوقع عليها الحاكم فى أعلاها بما يراه، ثم يخرج بها فتفرّق كلها ويمضى بها إلى الديوان، فتنفّذ من غير مراجعة.
وكان الحاكم إذا جلس فى الطّارمة وأنشده الشعراء تناول برجوان قصائدهم فجعلها فى كمه؛
_________________
(١) كان فى مصر والقاهرة عدة ميادين منها ميادين ابن طولون، الإخشيذ، قراقوش، بركة الفيل، القصر، وغيرها ولعل المقصود هنا ميدان القصر ويقول عنه المقريزى إنه عمل عند بناء القاهرة بجوار البستان الكافورى وموضعه الآن حى الخرنشف، ولم يزل ميدانا للخلفاء الفاطميين إلى أن زالت دولتهم فتعطل. الخطط: ١٩٧:٢.
(٢) الطارمة: بيت من خشب، فارسى معرب. مختار الصحاح. وكان بالقاهرة حى يعرف باسم خط اصطبل الطارمة يحدد المقريزى موقعه بأنه بين رحبة قصر الشوك ورحبة الجامع الأزهر، ويقول: وكانت فيه طارمة يجلس الخليفة تحتها. الخطط: ٣٥:٢.
(٣) فى الأصل: فلا يزالا.
(٤) فى الأصل: ثم يدخلا.
[ ٢ / ١٤ ]
فإذا عرض رقاع الناس وفرغ من التّوقيع قرأ القصائد وقد حضر من له تمييز ومعرفة بالشعر.
وكان الحاكم له من الحذق بذلك ما ليس لغيره، فإذا أنشده الشاعر أو أنشد له أبو الحسن لا ينشد ويمرّ بالبيت النادر أو المعنى الحسن إلاّ نبّه برجوان عليه واستعاده مرارا، ثم يوقع لكل واحد منهم بقدر استحقاقه ومبلغه من صناعته، فتخرج صلاتهم بحسب ذلك.
وفى يوم الثلاثاء تاسع شعبان أهدت ست الملوك (^١) إلى أخيها الحاكم بأمر الله ثلاثين فرسا مسرجة، أحدها مرصع وآخر بلور، وبقيتها ذهب؛ وعشرين بغلة مسرجة ملجمة؛ وخمسين خادما منها عشرة صقالبة، ومائة تخت (^٢) ثياب، وتاجا مرصعا، وشاشية (^٣) مرصعة وأسفاطا كثيرة من طيب، وبستانا من الفضة مزروعا من أنواع الشجر.
وفى رمضان سومح أهل القلزم بما عليهم من مكوس المراكب.
وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد الفطر بالمصلى وخطب، وأصعد معه المنبر الحسين بن جوهر والقاضى والأستاذ برجوان وجماعة.
وسارت قافلة الحاج من بركة الجب (^٤) بالكسوة للكعبة، والزّيت والدقيق والقمح والشمع والطّيب لمكة والمدينة، فى تاسع ذى القعدة. وفيه خرج جيش بن الصمصامة إلى الشام مكان سلمان بن جعفر بن فلاح، فرحل ابن فلاح عن دمشق فى يوم الثلاثاء سابع عشر ذى الحجة بعسكره وسار إلى الرّملة.
_________________
(١) ورد هذا اللقب فى الأصل بعدة صور: ست الملك، سيدة الملك، ست الملوك.
(٢) التخت: وعاء تصان فيه الثياب. القاموس المحيط.
(٣) الشاشية ما يلبس على الرأس دون عمامة، أو ما يدار حوله العمامة، من قماش الشاش المعروف.
(٤) لعل المقصود به جب عميرة الذى ورد ذكره فى الخطط، وهو المكان الذى كان الحجاج يخرجون إليه ويجتمعون فيه فى المرحلة الأولى استعدادا للسفر للحج، وهو فى الشمال الشرقى من القاهرة. وجب عميرة نسبة إلى عميرة بن تميم التجيبى: الخطط: ٤٨٩:١، ١٦٣:٢ - ١٦٤؛ النجوم الزاهرة: ١١:٥؛ معجم البلدان: ٤٦:٣ - ٤٧؛ قوانين الدواوين: ١١٠.
[ ٢ / ١٥ ]
وفيها صلّى الحاكم بالمصلّى صلاة العيد يوم النّحر بالناس وخطب على رسمه.
وورد الخبر من مدينة قوص بأنّ شدّة نزلت بهم من برق ورعد ومطر وحجارة نزلت من السماء، منها ما لم يسمع بمثله، وأنهم زلزلوا زلزلة شديدة قصفت النخل والجميز، واقتلعت خمسمائة نخلة من أصولها. وانبثق بقوص وأعمالها زرقة خضراء على ظهر الأرض، وغرقت عدة مراكب مشحونة بغلال تساوى أموالا كثيرة.
وفيها كتب الحاكم بأمر الله مع الشريف الداعى علىّ بن عبد الله سجلّين لأبى مناد باديس ابن يوسف بن زيرى (^١)، أحدهما بولايته المغرب وتلقيبه نصير دولة الحاكم، والثانى بوفاة العزيز بالله وخلافة الحاكم وأخذه العهد على بنى مناد. فأنزل وأكرم وأخذ العهد على جميع قبائل صنهاجة وعمومهم بالبيعة للحاكم فى جمادى الآخرة، ثم عاد، فقدم إلى القاهرة يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة بعد أن وصله نصير الدولة بمال جليل وثياب وخيول.
_________________
(١) ولد فى ربيع الأول سنة ٣٧٤، وبهذا نجده حين ولاه الحاكم بأمر الله ولاية المغرب شابا حدثا فى الرابعة عشرة من عمره، ولعل سر ذلك أنه من أسرة بدأت مجدها فى طاعة الفاطميين، وتولى رجالها الحكم فى صنهاجة والمغرب الأوسط، وكانت عاصمتهم القيروان، انظر معجم الأنساب لزامباور.
[ ٢ / ١٦ ]