فيها ذكر المسبّحى خبر أبى ركوة الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الأموى (^٢) ولد بالأندلس وقدم القيروان، فانتصب يعلّم الصّبيان بها القرآن، ثم دخل إلى مصر فأقام بها وبأريافها يعلم الصّبيان مدّة، ثم خرج إلى الإسكندرية وقد أكثر الحاكم من الإيقاع ببنى قرّة وأكثر من قتلهم وتحريقهم بالنار، فخلعوا طاعته. وسبب ذلك أن بنى قرّة كان شيخهم مختار بن القاسم، فلما بعث الحاكم يحيى بن على الأندلسى يخرج فلفول بن سعيد بن خزرون بطرابلس على صنهاجة ساروا معه إلى طرابلس، وجرت الهزيمة عليه ورجعوا إلى برقة. فتنكر لهم الحاكم، فامتنعوا عليه، فبعث لهم بالأمان؛ فقدم وفدهم إلى الإسكندرية فقتلهم عن آخرهم سنة أربع وتسعين. وكان عندهم معلّم القرآن واسمه الوليد بن هشام، ينسب إلى المغيرة بن عبد الرحمن من بنى أمية؛ وكان يزعم أن له أثارة من علم، ويخبر بأنه سيملك ما ملكه آباؤه، وكان يقال له أبو ركوة. فدعاهم إلى نفسه فبايعوه، وتلقب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله.
ثم بعث إلى لواتة ومزانة وزناتة فاستجابوا له؛ ورحل إلى برقة، والناس يباكرونه فى كلّ يوم فيسلّمون عليه بالخلافة ويقبّلون له الأرض، فيجلس فى وسطهم ويقول:
أنا واحد منكم وما أريد شيئا من هذه الدّنيا، ولا أطلبها إلاّ لكم، وليس معى مال أعطيكم
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها الثامن من أكتوبر سنة ١٠٠٥.
(٢) وكنى أبا ركوة لركوة كان يحملها فى أسفاره على طريقة الصوفية. ابن الأثير: ٦٨:٩. «وقد تعاظم أمره على الحاكم حتى عزم على الخروج إلى الشام وبرز إلى بلبيس بالعساكر والأموال، فأشير عليه بالعود إلى مصر، فعاد». النجوم الزاهرة: ٢١٢:٤. ويذكر ابن القلانسى أن أبا ركوة كتب بأبيات شعرية إلى الحاكم وأرسلها مع ختكين الداعى استهلها بقوله: يا أمير المؤمنين إن الذنوب عظيمة، والدماء حرام ما لم يحلها سخطك، وقد أحسنت وأسأت، وما ظلمت إلا نفسى. وسلم ختكين الرقعة إلى القائد الحسين بن جوهر الذى رفعها إلى الحاكم. ولكن ذلك لم ينجه من مصيره. ذيل تاريخ دمشق: ٦٥ - ٦٦.
[ ٢ / ٦٠ ]
وإنّما لى عليكم طاعة، وإن نصرتمونى نصرتم أنفسكم، وإن قاتلتم معى أخذتم حقكم بأيديكم فيقولون له: يا أمير المؤمنين نحن مبايعون لأمرك مطيعون لك، فمرنا بأمرك.
فلم يزل معهم يطوف قرى برقة ويأخذ البيعة، إلى أن عظم أمره وهو فيما بين الإسكندرية وبرقة. فبعث إليه الحاكم جيشا عليه ينال الطويل التركى فى نصف شعبان سنة خمس وتسعين، فواقعه أبو ركوة وقتله ومعظم عسكره، وظفر من الأموال والخيل والسّلاح والنّعم الجليلة بما قوى به، واشتدّ بأسه.
وكان فى ظهور أبى ركوة طلع كوكب الذؤابة، فكان يضيء كالقمر وله بريق ولمعان، ويقوى ويكثر نوره وأمر أبى ركوة يشتد ويعظم. فأقام هذا الكوكب شهورا، ثم اضمحلّ نوره وضعف لمعانه وأخذ أمر أبى ركوة ينقص ويضعف إلى أن أخذا أسيرا، فغاب الكوكب ولم ير بعد ذلك؛ فكان شأن هذا الكوكب فى دلالته على أبى ركوة من أعجب العجب.
وابتدأ الحاكم فى تجريد العساكر شيئا بعد شيء، ونزل أبو ركوة بعد ظفره على برقة فحاصرها، وصندل الحاكم أميرها يقاتله، حتى اشتد الحصار ومنع أهل برقة من الميرة، ففرّ صندل، ومعه شيوخ البلد، إلى الحاكم، وحثّه على بعث الجيوش، وأعلمه بقوة أبى ركوة واستفحال أمره. ودخل أبو ركوة إلى مدينة برقة واستخرج الأموال، وأقطع بنى قرّة أعمال مصر، مثل دمياط وتنّيس والمحلة وغيرها، وكتب خطه بذلك؛ وأقطع دور القواد والأكابر التى بالقاهرة ومصر؛ وجدّد البيعة لنفسه. فندب الحاكم لقتاله القائد أبا الفتوح فضل بن صالح (^١) فى ربيع الأول سنة ستّ وتسعين، وأتبعه بالعساكر فاجتمعت
_________________
(١) هو الفضل بن عبد الله بن صالح من الأمراء الذين كانوا يسيرون فى ركاب العزيز بالله، وقد أصبح من القواد الكبار على زمن الحاكم، نظم فيه أبو القاسم عبد الغفار، شاعر الحاكم، أبياتا ضمن قصيدة فى مدح الحاكم، منها: إنما الفضل غرة … فى وجوه المدائح أريحى، رياحه … عبقات الروائح كعبة الجود كفه … بين غاد ورائح إنما تصلح الأمور … وبرأى ابن صالح انظر: الفاطميون فى مصر: ١٥٨ - ١٥٩.
[ ٢ / ٦١ ]
بالإسكندرية، وسار بها، فلقيه أبو ركوة بذات الحمام (^١). وكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة العسكر والاحتواء على ما فيه من مال وسلاح؛ فعظم شأن أبى ركوة.
ووردت الجند على الحاكم بذلك للنّصف من رمضان، فكان من تدبير الحاكم أن دعا بوجوه رجاله وقوّاده، فأمرهم أن يكاتبوا أبا ركوة ويعرّفوه أنّهم على مذهبه ورأيه، وأنه إن توجّه إليهم وقرب منهم صاروا فى جملته وقاتلوا معه؛ وذكروا ما يقاسونه من قتل وجوههم وأكابرهم، وأنهم لا يأمنون فى ليلهم ولا نهارهم، مع ما يسمعونه من انتقاص الشرف ونحو هذا. فكتبوا بذلك وأنفذوا إليه عدّة كتب من كل واحد منهم كتابا مع رسوله.
فلما تواتر ذلك عليه وثق به ولم يشكّ فيه، وحشد جموعه ووعدهم بأموال مصر ونعمها، وسار. فخلع الحاكم على أبى الحسن علىّ بن فلاح، وسيّره إلى ضبط بركة الحبش فى عسكر، فأقام بها أياما؛ ثم عدّى إلى الجيزة، وتلاحقت به العساكر برّا وبحرا.
واضطربت الأسعار بمصر، وعدم الخبز وبيع مبلولا ستّة أرطال بدرهم، وكان يباع عشرة أرطال بدرهم، وأنفق فى العساكر المتوجهة لكلّ واحد أربعة وعشرين دينارا.
وكوتب على بن صفوح بن دغفل بن الجراح الطائى، فحضر فى سابع عشر شوال، وخلع عليه، وطوّق بطوق من ذهب، وحمل.
وتزايد سعر الدقيق والخبز وروايا الماء، وازدحم الناس عليها.
وخلع على القائد فضل بن صالح ثوب ديباج مثقل طميم أحمر ومنديل ذهب، وقلّد بسيف وحمل على فرس بمركب ذهب، وبين يديه تسعة من الخيل وثلاثون بندا مذهبة
_________________
(١) هناك عدة قرى تحمل اسم الحمام، منها واحدة بقسم أبنوب شرقى النيل على مسافة ساعة منه وجنوب أبنوب على مسافة نصف ساعة، ولذا يقال أبنوب الحمام؟ وقرية أخرى جنوب مدينة أدفو من أعمال إسنا، وثالثة فى أول بلاد الفيوم. الخطط التوفيقية: ٧٥:١. وفى القاموس المحيط: ذات الحمام قرية بين الإسكندرية وإفريقية.
[ ٢ / ٦٢ ]
وأربعة عشر سفطا فيها أنواع الثياب. وسار إلى الجيزة، وأكمل لكلّ واحد من العساكر السّائرة خمسون دينارا. ونزلت إليه خزانة السلاح (^١).
وورد الخبر بنهب الفيّوم؛ فجهزت إليها سرية، فأوقعوا بأصحاب أبى ركوة وبعثوا إلى القاهرة بعدّة رءوس طيف بها.
وسار القائد فضل من الجيزة فى رابع ذى القعدة والغلاء بالعسكر، فبيعت الويبة من الشعير بخمسة دراهم والخبز ثلاثة أرطال بدرهم.
وأقام على بن فلاح فى مضاربه بالجيزة، وحمل إليه خيمة وخمسة أفراس بمراكبها، وسيف، وألفا دينار وثلاثون ثوبا، فأنفق فى أصحابه.
فلما كان فى ثامن عشر ذى القعدة وقع فى الناس خوف فى اللّيل وضجيج، فنزلت العساكر طائفة بعد طائفة، والناس جلوس فى الشوارع وعلى أبواب الدّور ليلهم كلّه، يبتهلون بالدعاء بالنّصر، فلحقت هذه العساكر بابن فلاح وهو بالجيزة؛ فسيّر عسكرا إلى الفيّوم، وأقام على خوف ووجل. فبلغ أبا ركوة إقامة علىّ بن فلاح بالجيزة، فأسرع إليه وكبس عسكره ونهب سواده؛ وأخذت خزائن السلاح؛ ووقع القتال الشديد فقتل خلق كثير من أصحابه وجرح خلق لا يحصى. ولما نزلت خزائن السلاح من عند الحاكم مع قائد القوّاد، وعظم البكاء والضّجيج على شاطئ النيل لكثرة القتلى فى العسكر، منع ابن فلاح من حمل الموتى إلى مصر، وأمر بدفنهم فى الجيزة. وافتقد كثير من العسكر فلم يعلم لهم خبر، ولم يسلم من العسكر إلاّ القليل؛ فغلّقت الأسواق، وجلس الناس بالشوارع
_________________
(١) خزانة السلاح كانت بالقصر الكبير فى صدر الشباك الذى يجلس فيه الخليفة تحت القبة. الخطط: ٤٠٧:١. وكان الخلفاء يقومون بتفتيشها من وقت لآخر، كما كانوا يقومون بتفتيش سائر الخزائن، وفى مناسبات التفتيش يعطى لأمين الخزائن مبلغ معين تفضلا من الخليفة، فكان أمين خزائن السلاح يحصل على خمسة وعشرين دينارا. الفاطميون فى مصر: ٢٦٥ نقلا عن خطط المقريزى.
[ ٢ / ٦٣ ]
غمّا لما جرى على العسكر؛ وتزايد البكاء من الناس على فقد آبائهم ومعارفهم. وباتوا وأصبحوا يوم السبت العشرين منه، فورد الخبر بدخول أبى ركوة فى جموعه إلى الفيّوم؛ وسار فضل بن صالح لقتاله، فالتقى معه فى ثالث ذى الحجة وحاربه، فكانت وقعة عظيمة قتل فيها ما لا يحصى كثرة. وانهزم أبو ركوة، واستأمن بنو كلاب وغيرهم من العرب.
فسارت العساكر فى طلب أبى ركوة، وحضرت الرءوس من الفيوم ومعها الأسرى، وهى تجاوز ستة آلاف رأس ومائة أسير، فطيف بها بالبلد، وقتل الأسرى بالسّيوف بعد ما لحقهم أنواع البلاء بيد العامة، يصفعون أقفيتهم وينتفون لحاهم، ويضربونهم، حتى تفتّحت أكتاف كثير منهم، فكان أمرا مهولا. وتواتر مجئ من أخذ من عسكر أبى ركوة فجئ بخلق كثير وعدّة رءوس.
ودخل ابن فلاح من الجيزة فخلع عليه. واستمر القائد فضل فى طلب أبى ركوة وهو يبعث بمن قبض عليه من الرجال وبرءوس من يقتلهم شيئا بعد شيء. وعاد علىّ بن الجراح من عند القائد فضل فخلع عليه.
وفى الثانى من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ورد الخبر من القائد الفضل بن صالح بحصول أبى ركوة ووقوعه فى يده، فابتهج الناس لذلك؛ وخلع على قائد القواد وعلى أولاده وعلى البدوىّ الذى خرج فى طلب أبى ركوة حتى أدركه ببلد النوبة؛ وعلى أبى القاسم علىّ بن القائد فضل، وعلى ابنه. وذلك أن أبا ركوة دخل بعد هزيمته إلى بلد النوبة، فتبعه القائد فضل وبعث إلى ملك النوبة بالقبض على أبى ركوة، وسيّر إليه عسكرا مع الكتاب. فلما بلغوا أطراف النّوبة وجدوا أبا ركوة قد اختفى بدير هناك وله فيه أربعة عشر يوما؛ فدلّهم عليه رجل من العرب (^١)، فقبضوا عليه فى ربيع الأول منها
_________________
(١) واسم هذا الدير دير أبى شنودة فى أطراف النوبة وكان المساعد على القبض عليه الشيخ أبو المكارم هبة الله. ويذكر النويرى، نقلا عن بعض المؤرخين، أنه اعتبرت الأكياس التى خرجت مع القائد فضل لما خرج للقاء أبى ركوة فكانت زنتها فوارغ خمسة وعشرين قنطارا، وأن جملة ما أنفق فى هذه الفتنة ألف ألف دينار. نهاية الأرب.
[ ٢ / ٦٤ ]
وأتوا به إلى القائد فضل. فسار به إلى مصر ونزل بركة الحبش (^١) يوم الجمعة للنصف من جمادى الآخرة، فخرج إليه قائد القواد بسائر [رجال] الدولة، وسلم عليه، وأبو ركوة فى مضرب ومعه القائد فضل؛ فأقام هناك إلى بكرة يوم الأحد سابع عشره؛ فسار من بركة الحبش بعساكره وأبو ركوة على جمل فوق سرير، وعليه ثوب مشهّر، وفوق رأسه طرطور طويل ومعه رجل يمسكه. وذلك أنه لما ألبس الطرطور صاح: يا فضل، يا أبا الفتوح، ما كذا ضمنت لى. فصفع صفعة منكرة وأمسك يديه هذا القائد خلفه، وقد اجتمع الناس من كل جهة، فكان جمعا لم ير مثله كثرة، وأوجرت الدور والحوانيت بحمله (^٢) وبات الناس على الطرقات حتى وصل به إلى القصر، فأوقف ساعة على باب القصر وهو يشير بإصبعه ويطلب العفو، والصفع فى قفاه؛ ويقال له قبّل الأرض فيقبّل؛ ثم سير به إلى مسجد تبر. فلما خرج من باب القاهرة أشار إلى الناس يرجمونه بالحجر والآجرّ، ويصفعونه وينتفون لحيته، حتى عاين الموت مرارا، إلى أن بلغ مسجد تبر، فضرب عنقه وصلب جسده؛ وحمل رأسه إلى الحاكم؛ فخلع على القائد فضل وغيره من القوّاد والعرفاء الذين كانوا معه، وخلع على قائد القواد. فكان يوما عظيما مهولا لكثرة اجتماع الناس.
_________________
(١) بركة الحبش وهى بركة المغافر وبركة حمير وبركة الأشراف، واشتهرت ببركة الحبش، وهى بركة لم تكن عميقة المياه، وإنما كانت حوضا زراعيا يغمره النيل وقت الفيضان عبر خليج يعرف بخليج بنى وائل كان يستمد مياهه من النيل جنوبى الفسطاط، فيتحول الحوض وقت الفيضان إلى ما يشبه البركة. وعرفت ببركة الحبش لأنها كانت من ممتلكات بعض الرهبان الأحباش. النجوم الزاهرة: ٣٨٢:٦. وأول من زرع هذا الحوض قرة بن شريك، والى مصر ٩١ - ٩٦ هـ. وعرفت ببركة الأشراف لأنها صارت بعد الأمويين وقفا على الطالبيين، وكانت من أكبر منتزهات مصر. الخطط: ٤٨٦:١، ١٥٢:٢ - ١٥٧، قوانين الدواوين: ١٠٢.
(٢) هكذا فى الأصل: فقد يكون المعنى: «وأثقلت الدور والحوانيت بحمل هذا الجمع» أو لعل صحة العبارة «وأجرت الدور والحوانيت بجملة».
[ ٢ / ٦٥ ]
وأقاموا ليلتين فى الحوانيت والشوارع وعلى أبواب الدور يظهرون المسرّة والفرح (^١).
وأظهر أبو ركوة فى مواقف الألم صبرا وتجلّدا؛ وكان لا يخاطب القائد الفضل إلا باسمه أو بكنيته. ولما أقام فى بركة الحبش، وخرج الناس ورأوه، كان يسأل من يلقاه عن اسمه وكان يتلو القرآن ويترحّم على السّلف. وكان شابا أسمر تعلوه حمرة، مستنّ الوجه طويل الجبهة، أشهل (^٢) بزرقة، أقنى، صغير اللحية، أصهب (^٣) إلى الشّقرة ظاهر القطوب تبين فيه الجد، لا يكاد يتجاوز ثلاثين سنة يوم قتل. ويقال إنه ولد رجل من موالى بنى أمية.
ولما قتل أبو ركوة نفذت الكتب إلى الأعمال كلها بخبر الفتح. فلما كان فى رجب ورد شيوخ كل ناحية وقضاتها، وقضاة الشام وشيوخه، لتهنئة الحاكم بالظفر وأخذ أبى ركوة. وقدم أبو الفتوح حسن بن جعفر الحسنى أمير مكة فى شعبان لتهنئته، فخلع عليه وأكرمه، وأنزل بدار برجوان.
وفيه أرجف الناس بأن القائد فضل بن صالح ينظر فى أمور الدولة وتدبيرها بدل قائد القواد حسين بن جوهر؛ وكان بينهما فى الباطن تباعد من جهة الرّتبة والحسد عليها:
وكان القائد فضل قد تفاقم وعظم تيهه وترفّعه على قائد القواد فى قوله وفعله: قال المسبحى:
قال لى الحاكم بأمر الله وقد جرى حديث أبى ركوة: ما أردت قتله ولكن جرى فى أمره
_________________
(١) كان بالقاهرة شيخ يقال له الأبزارى إذا خرج خارجى صنع له طرطورا وعمل فيه ألوان الخرق المصبوغة، وأخذ قردا وجعل فى يده درة يعلمه أن يضرب بها الخارجى من ورائه، ويعطى فى سبيل ذلك مائة دينار وعشر قطع ثياب. وقد اشترك هذا الأبزارى مع قرده فى موكب التشهير بأبى ركوة. النجوم الزاهرة: ٢١٦:٤. ويذكر صاحب النجوم الزاهرة فى موته أن الحاكم أمر به أن يحمل إلى ظاهر القاهرة ويضرب عنقه على تل بإزاء مسجد ريدان، فحمل إلى هناك، ولما أنزل فإذا به ميت فقطع رأسه وحمل إلى الحاكم فأمر بصلب جسده. النجوم الزاهرة: ٢١٧:٤.
(٢) الشهلة فى العين أن يشوب سوادها زرقة.
(٣) الصهبة والصهوبة احمرار الشعر.
[ ٢ / ٦٦ ]
ما لم يكن عن اختيارى، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما قصّر عبدك الفضل بن صالح فى خدمته، قال: وإيش تظن أن فضل أخذ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، هذا قول الناس.
فقال: والله العظيم ما أفلح فضل فى حركته تلك، ولا أنجح ميزاننا. أنفقنا ألف ألف دينار ذهبا صناعا، وإنما أخذه ملك النوبة وأنفذ به إلىّ. فقلت صدقت يا أمير المؤمنين وعلمت أن هذا مما قرّر قائد القوّاد الحسين بن جوهر فى نفسه ليبطل فعل فضل وخدمته، فاستقر.
وأما خبر القاهرة فإنه جرى الأمر فى يوم عاشوراء على العادة من تعطيل الأسواق وخروج المنشدين والنّاحة إلى جامع القاهرة (^١)، فتظاهروا فيه بسبّ السّلف، فقبض على رجل ونودى عليه: هذا جزاء من سب عائشة وزوجها؛ وضربت عنقه. وتقدّم الأمر إلى أصحاب الشرطة ألا يتعرّض أحد لسبّ السّلف، ومن فعل ذلك قبض عليه، فانكفّ الرعاع عن السبّ والتعرّض للحاجّ.
وللنصف من صفر وردت قافلة الحاج.
وفى نصف ربيع الأول جمع الحاكم نحو ألفى باقة نرجس وأتحف بها الأولياء.
واستهل رجب بيوم الأربعاء، فخرج أمر الحاكم إلى أصحاب الدواوين بأن يؤرخوه بيوم الثلاثاء.
وفيه هبّت ريح عاصفة، ثم أرعدت ونزل المطر وفيه برد كهيئة الصفائح إذا سقط إلى الأرض تكسر، فكان فيه ما يبلغ وزنه زيادة على أوقيتين، وفيه ما هو قدر البيضة، فغطى الأرض؛ وأقام الناس أياما يتبعونه فى الأسواق. ولم يعهد مثل ذلك بمصر.
_________________
(١) فى مناسبة ذكرى استشهاد الحسين، ﵁، وكان هذا الاحتفال الحزين يقام فى العراق أيضا على أيام بنى بويه.
[ ٢ / ٦٧ ]
وجرى الرسم فى شهر رمضان كل ليلة على العادة، وصلى الحاكم فيه بالناس صلاة الجمعة وخطب ثلاث مرات. وصلى يوم عيد الفطر بالناس وخطب بالمصلّى على عادته.
وللنصف من ذى القعدة (^١) سارت قافلة الحاج بكسوة الكعبة وصلات الأشراف وغيرها على [ما جرى به الرسم] (^٢).
وفتح الخليج فى السابع والعشرين من مسرى (^٣) والماء على خمس عشرة ذراعا وأصابع، فلم يركب الحاكم لفتحه؛ ولم يوف ست عشرة ذراعا إلى ثامن توت؛ فخلع على ابن أبى الردّاد، وحمل.
واجتمع الناس الذين جرت عادتهم بحضور القصر لسماع ما يقرأ من كتب مجالس الدعوة، فضربوا بأجمعهم، ولم يقرأ عليهم شيء.
وفيها رحل بنو قرّة من البحيرة بأرض مصر إلى ناحية من عمل برقة مع كبيرهم مختار بن قاسم.
_________________
(١) كان الحاكم بأمر الله قد أصدر مرسوما فى سنة ٣٩٤ بأن يسير الحاج أول ذى القعدة بعد أن كانت العادة قد جرت بخروجه فى منتصفه، وبهذا خرج الحاج هذه السنة فى الموعد القديم.
(٢) زيد ما بين الحاصرتين استعانة بما ورد فى السنوات السابقة فى مثل هذه المناسبة وفى الأصل فراغ صغير بعد كلمة «على».
(٣) ويوافق اليوم الثانى والعشرين من ذى القعدة. وكانت الشئون الزراعية تخضع لتوقيت السنة القبطية، وهى ثلاثمائة وستون يوما، ومعها النسئ خمسة أيام وربع يوم تحل بعد انقضاء شهر مسرى، وفى كل أربع سنين تكون النسئ ستة أيام وتسمى عندئذ الكبيس. قوانين الدواوين: ٣٥٨.
[ ٢ / ٦٨ ]