نتائج هذه المقارنة، وبعض المراجع التى أخذ عنها المقريزى موجودة كتاريخ الأمم والملوك للطبرى، والفهرست لابن النديم، والكامل لابن الأثير، والعبر وديوان المبتدأ والخبر ومقدمته لابن خلدون، والمواعظ والاعتبار للمقريزى نفسه؛ والبعض الآخر مفقود، كسيرة المعز لدين الله للحسن بن زولاق، والطعن على أنساب الخلفاء الفاطميين لأخى محسن، وتاريخ إفريقية والمغرب لعبد العزيز بن شداد، والخطط لابن عبد الظاهر … الخ.
وقد كان المقريزى يصرح أحيانا بأخذه عن هذه المراجع، وينقل عنها - دون الإشارة إليها - فى معظم الأحايين، ولكننى تتبعته فى المراجع الموجودة، وأثبت نقوله عنها ما استطعت إلى ذلك سبيلا، ثم تتبعته مرة أخرى فى المراجع المفقودة بطريق غير مباشر، فإن الكثير من نصوص هذه المراجع قد نقلها المؤرخون اللاحقون فى كتبهم، فكنت أقارن بين ما جاء فى اتعاظ الحنفا من هذه النصوص وبين ما جاء منها فى كتب هؤلاء المؤرخين المتأخرين كلما عثرت على شيء منها.
وقد لاحظت كذلك أن المقريزى - فى الجزء الذى تضمنته الطبعة الأولى التى ظهرت فى سنة ١٩٤٨ - قد اعتمد اعتمادا كبيرا على كتاب الكامل لابن الأثير، مما يرجح أنه كان ينقل عنه مع تصرف يسير، أو أن المؤرخين كانا ينقلان عن أصل واحد لا نعرفه.
-٦ -
ظهرت طبعتي الأولى لهذا الكتاب - المعتمدة على مخطوطة جوتا الناقصة التى تنتهى بالحديث عن دخول المعز لدين الله إلى مصر - فى سنة ١٩٤٨، وسرعان ما وصلنى من المستشرق كلود كاهن Claude Cahen أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة ستراسبورج خطاب ينبئنى بوجود نسخة كاملة وحيدة من هذا الكتاب فى مكتبة سراى أحمد الثالث باستانبول، وكان رجال الجامعة العربية - لحسن الحظ - يعملون فى ذلك الوقت لتصوير المخطوطات العربية الهامة الموجودة فى مكتبات
[ مقدمة 1 / ٢٦ ]
استانبول، فأرسلت أرجرهم العناية بتصوير هذه المخطوطة النادرة، فتفضلوا - مشكورين - بتحقيق الرجاء، وبعد وصول الفيلم صورت لنفسى نسخة كبيرة من هذه المخطوطة وعكفت منذ ذلك الوقت على قراءتها ودراستها، فتبين لى أنها تضم بين دفتيها ثروة علمية قيمة نادرة، لأنها النسخة الوحيدة الكاملة من هذا الكتاب فى العالم كله، ولأنها تشتمل على التاريخ الحقيقى لمصر والشرق الأدنى فى العصر الفاطمى.
ولا يمكن المقارنة - بأية حال من الأحوال - بين النشرتين السابقتين - نشرة بونز ونشرتى لهذا الكتاب - وبين نسخته الكاملة المخطوطة لا كما ولا كيفا، فإن مخطوطة جوتا التى اعتمدت عليها النشرتان تنتهى بدخول الخليفة الفاطمى الرابع المعز لدين الله مصر، أى أنها تحتوى على الجزء الذى يؤرخ لنشأة الدولة الفاطمية وقيامها فى المغرب فقط، أما الجزء الكبير والهام الذى يؤرخ للدولة الفاطمية مدى قرنين من الزمان منذ انتقالها إلى مصر حتى زوالها فلا وجود له فى هذا الجزء الصغير المنشور.
وبمقارنة هذا الجزء بالمخطوطة الكاملة تبين لى أنه يشغل ما يقابل ٣١ ورقة منها (أى ٦٢ صفحة) فى حين أن المخطوطة الكاملة تشتمل على ١٧٢ ورقة (٣٤٤ صفحة) أى أن ما نشر من الكتاب يساوى نحو السدس فقط من النص الكامل.
ويضاف إلى هذا أن النص الكامل الذى لم ينشر يتضمن تاريخا مفصلا وافيا وممتعا لخلفاء الفاطميين فى مصر، ولوزرائهم وقضاتهم وقواد جيشهم ورجال دولتهم، وبالكتاب كذلك معلومات قيمة نادرة عن الحياة العلمية والأدبية، وعن نظم الحكم وعلاقات مصر الخارجية فى العصر الفاطمى، كما أن به تفصيلات وافية عن الحركات الصليبية الأولى وموقف الفاطميين منها.
ويكفى للدلالة على قيمة هذه المخطوطة الكاملة وأهميتها أن أذكر أنها أوفى ما وصلنا عن تاريخ الدولة الفاطمية، وتؤيدنى فى رأيى هذا مقارنة بسيطة بين نص ابن تغرى بردى فى النجوم
[ مقدمة 1 / ٢٧ ]
الزاهرة - وهو أوسع نص مطبوع عن تاريخ الدولة الفاطمية - وبين نص المقريزى فى هذه المخطوطة الكاملة:
- فترجمة الخليفة الحاكم بأمر الله - على سبيل المثال - تقع عند ابن تغرى بردى فى ٢٠ صفحة (والصفحة بها ١٦ سطرا فى المتوسط والسطر به ١٣ كلمة)، فى حين أن هذه الترجمة تقع فى ٤٦ صفحة من صفحات المخطوطة الكاملة من اتعاظ الحنفا (والصفحة بها ٣٠ سطرا، والسطر به ٢١ كلمة)، أى أن هذه الترجمة تقع فى ما يقابل ١٤٠ صفحة من صفحات كتاب النجوم الزاهرة.
- وكذلك ترجمة ابن تغرى بردى للخليفة المستنصر تقع فى ١٦ صفحة من نفس الحجم، فى حين أن المقريزى قد ترجم له فى المخطوطة الكاملة للاتعاظ فى ٥٦ صفحة من نفس الحجم المذكور سابقا، أى أن هذه الترجمة تقع فى ما يقابل ١٧٥ صفحة من صفحات النجوم الزاهرة.
ويزيد فى أهمية هذه المخطوطة الكاملة أن المقريزى قد استوعب فيها خلاصة ما أورده جمهرة المؤرخين الذين أرخوا للدولة الفاطمية فى كتبهم، ممن عاصروا الدولة وممن أتوا بعدها، ومعظم هذه الكتب ضاع مع الزمن ولم يصلنا منه شيء للأسف الشديد، اللهم إلا هذه الفقرات والاقتباسات التى أثبتها المقريزى فى مؤلفه هذا وفى مؤلفاته الأخرى، وخاصة كتاب الخطط، ويكفى أن نشير هنا إلى عدد من هؤلاء المؤرخين ومؤلفاتهم المفقودة التى نقل عنها المقريزى فى هذا الجزء الأول الذى نقدم له، وسنشير فى مقومات الأجزاء التالية إلى عدد آخر منهم:
- الحسن بن زولاق - إتمام أخبار أمراء مصر للكندى
- سيرة المعز لدين الله.
- ابن شداد (الأمير أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن باديس)
- تاريخ إفريقية والمغرب.
- ابن الطوير - تاريخه
[ مقدمة 1 / ٢٨ ]
- ابن عبد الظاهر - الروضة البهية الزاهرة فى خطط المعزية القاهرة.
- أخو محسن - الطعن على أنساب الخلفاء الفاطميين.
- ابن حزم - الجماهير فى أنساب المشاهير.
- ابن مهذب (ابن العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين).
- سيرة الأئمة.
- عبد الجبار بن عبد الجبار البصرى
- تثبيت نبوة نبينا ﷺ.
الصابى (أبو الحسن هلال بن الحسين بن إبراهيم، وابنه غرس الدولة)
- كتابهما فى التاريخ
- عبد الله بن رزام - الرد على الإسماعيلية. إلخ … إلخ.
وقد رجع المقريزى فى مؤلفه هذا - إلى جانب المراجع المفقودة سالفة الذكر - إلى عدد كبير من المؤلفات التاريخية وغير التاريخية التى لا تزال موجودة، ومنها على سبيل المثال كتاب العبر ومقدمته لابن خلدون، وكتاب المغرب فى حلى المغرب لابن سعيد، وكتاب الفهرست لابن النديم وكتاب الكامل لابن الأثير .. الخ.
ولكنا نحب أن نلفت الأنظار إلى أن المقريزى لم يكن - ككثيرين من المورخين غيره - ناقلا وحسب، بل كان مؤرخا ممتازا، يحسن اختيار نصوصه والتنسيق بينها وعرضها، كما كان يخضع النصوص للمقارنة والتحليل والنقد، سعيا وراء الحقيقة، ويقدم بين يدى هذا كله المنهج السليم الذى يجب على المؤرخ اتباعه للتفرقة بين الخطإ والصواب فى أقوال سابقيه ممن يأخذ عنهم، وعنده أن مؤرخى كل بلد أعرف من غيرهم بتاريخ بلدهم، فرأيهم أولى بالتصديق إذا اختلفت الآراء، ومن الأمثلة الواضحة على هذا ما أورده فى الفصل الخاص بالمعز لدين الله، فقد نقل عن ابن الأثير نصا يقول بأن المعز اختفى مدة - قبل وفاته بسنة - فى سرداب أنشأه،
[ مقدمة 1 / ٢٩ ]