ابتدأ القتال مع قسّام، ووقع النفير فى البلد، فلم يخرج مع قسّام إلا حزبه من العيّارين، وقوم من أهل القرى كانوا يأخذون الخفارة، ويطلبون الباطل، وقد كره جمهور الناس قسّاما وأصحابه، فلما تقاصر عنه أهل البلد انكسر قلبه، وأصحابه ثابتون على القتال، وقتلوا جماعة من الجند، وكثر فيهم الجراح من نشاب أصحاب بلتكين، وتبيّن الانكسار على قسّام لتقصير الرعيّة عن معاونته ومقتهم إياه، وقوة أمر السلطان، وكان قد كثر عليه الصلب من أصحابه للمال وقت الحرب، فأمسك عنهم، وشحّ بماله، فقالوا: «على أى شيء نقتل أنفسنا؟» فتفرّقوا عنه إلا وجوه أصحابه وخاصته.
واستمرّ القتال أياما، فاجتمع الخلق إلى قسّام فى أن يخرج إلى بلتكين ويصلحوا الأمر معه، فلان وذلّ بعد تجبّره، وقال: «افعلوا ما شئتم».
وكان العسكر قد قارب أن يأخذ البلد فخرجوا إلى بلتكين وكلّموه فى ذلك، فأمر بكفّ العسكر عن القتال، وأمر قسّاما وأصحابه فعاد القوم إليه وأخبروه وهو ساكت حائر قد تبيّن الذلّ فى وجهه، واجتمع أكثر الناس، فصاح من كان قد احترقت داره - وهم كثير - بقسّام:
«انتقم الله ممن أذلّنا وأحرق دورنا، وشتتنا، وتركنا مطرحين على الطرق».
فعجب قلبه من سماع صياحهم، وقال: «أسلّم البلد».
فولى بلتكين حاجبا يقال له خطلخ، فدخل المدينة فى خيل ورجل، فلم يعرض لقسّام ولا لمن معه، فتفرق عن قسّام أصحابه، فمنهم من استأمن، ومنهم من هرب، ومنهم من أخذ، واختفى (^١) قسّام بعد يومين، فأصبح القوم أول صفر وقد علموا باختفائه، فأحاطوا
_________________
(١) الأصل: «واختفا».
[ ١ / ٢٥٧ ]
بداره، وأخذوا ما فيها، ونزلوها وما حولها من دور أصحابه، وبعثوا الخيل فى طلبه فلم يوقف له على خبر، ونودى فى البلد.
«من دلّ على قسّام فله خمسون ألف درهم، ومن دلّ على أولاده فله عشرون ألف درهم».
وكان له من الأولاد: أحمد، ومحمد، وبنت.
فظفروا بامرأته وابن لها معها، فحبسا.
فلما مضى لقسّام جمعة وهو مختف قلق وجاء فى الليل إلى منشّا بن الغرار اليهودى، فأوصله إلى بلتكين، فقيّده وحمله إلى مصر، فعفا (^١) عنه العزيز.
وكان قسّام من بطن من العرب يقال لهم «الحارثيون»، من قرى الشام، فنشأ بدمشق وكان يعمل على الدواب فى التراب، ثم إنه صحب رجلا يقال له «ابن الجسطار»، ممن يطلب الباطل (^٢) ويحمل السلاح، فصار من حزبه، وترقى إلى ما تقدم ذكره.
وكتب بكجور إلى العزيز يسأله فى إرسال جيش ليأخذ به حلب، فأنفذ إليه عسكرا من دمشق، وجمع بنى كلاب فسار بهم إلى حلب وحاصرها، فقدم دمستق (^٣) الروم إلى أنطاكية، وقصد أن يكبس بكجور، فكتب إليه ابن الجرّاح يحذره، فارتحل عن حلب، فسار عسكر الروم خلفه، ونزلت حمص، وبعث بأمواله إلى بعلبك، وارتحل إلى جوسيّة.
_________________
(١) الأصل: «فعفى».
(٢) لاحظ هذا الوصف، و(ابن القلانسى ص ٢٧) يصف ابن الجسطار بأنه كان «من مقدمى الأحداث وحملة السلاح وطالبى الشر»
(٣) الدمستق هو أكبر البطارقة، ورئيسهم هو خليفة الملك (الخوارزمى: مفاتيح العلوم، ص ١٢٩) ويقابل هذا اللفظ Domesticus ويطلق عادة على قائد قوات اللواء، وتطلق عبارة Domestic of the Grand Scholae أو Grand Domestic على القائد الأعلى للجيش. انظر (Camb.Med.Hist.vol.IV.PP .٧٣١ - ٧٣٩) و«والسيد الباز العرينى: ضبط وتحقيق الألفاظ الاصطلاحية التاريخية الواردة فى كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمى، المجلة التاريخية المصرية، المجلد السابع، ١٩٥٨، ص ٢٧٥).
[ ١ / ٢٥٨ ]
ودخل ملك الروم إلى حمص فلم يعرض لأحد، ورحل يريد طرابلس، وسيّر يريد مالا من حمص، فامتنع أهلها، فرجع ونهب، وسبا، وأحرق الجامع وغيره، فاحترق كثير من الناس، وذلك فى تاسع عشر جمادى الأولى، وهى دخلة الروم الثانية حمص.
ويقال إن أبا المعالى بن حمدان لخوفه من بكجور سيّر إلى برديس ملك الروم أن يخرّب حمص، وفارق أصحاب بلتكين بكجور، وصاروا إلى دمشق، فبعث بكجور إلى العزيز يسأله ولاية دمشق، فورد جوابه: «إنا قد وليناك»، فبعث إلى بعلبك واليا، وإلى بعلبك غلامه وصيف، فأبى عليه بلتكين، لكتاب ورد عليه من الوزير يعقوب بن كلّس، فتحيّر بكجور، وما زال بشارة والى طبرية يتوسط لبكجور فى ولاية دمشق حتى أمسك عنه الوزير، فسار إلى القابون، ثم تسلّم البلد بعد أمور.
ورحل بلتكين أول رجب وفى نفسه حقد على الوزير يعقوب بن كلّس لمعارضته له فى ولاية دمشق، فعمل على كاتبه ابن أبى العود اليهودى حتى قتله بعض الأحداث (^١) الذين كانوا مع قسّام فى غيبته عن دمشق ببلاد حوران، فعظم ذلك على الوزير، وأخذ بكجور فى ظلم الناس، وجمع الأموال، ومخالفة ما يأمر به من مصر، وبعث غلامه وصيف فأخذ الرّقّة فى سنة ست وسبعين، فعصى عليه بها.
وأخذ الوزير فى قتل بكجور فبعث إلى دمشق فهمّوا به، فلم يتم لهم، وظفر بهم بكجور، وقبض على من أراد ذلك، وقتلهم فى شهر رمضان سنة سبع وسبعين، فازداد حنق الوزير، وعلم بكجور بما دبّره الوزير، فأخذ يعارضه فى ضياعه، ويهين عماله، وتحزّق بابن أبى العود الصغير، وكان قد ولى بعد قتل أخيه.
واشتدّ جور بكجور وكثر قتله وصلبه للناس والبناء عليهم، وكثرت مخالفته لما يرد عليه من العزيز، فخرج إليه منير الخادم من مصر فى سنة ثمان وسبعين بعسكر كبير، وكتب إلى أهل الأعمال بالمسير معه إلى دمشق لحرب ابن الجرّاح، فنزل الرملة وقد اختلف بكجور مع بشارة والى طبرية، وأنزل ابن الجرّاح السواد وأطمعه فى ضياع الوزير، وجعله ضد البشارة، وكاشف بالعصيان
_________________
(١) عن «الأحداث» انظر ما فات هنا ص ٢٣٩ هامش ٣
[ ١ / ٢٥٩ ]
فجمع منير العرب من قيس وعقيل وفزارة، وسار إلى عمّان، فسار إليه منير، وصاروا جميعا إلى عمل دمشق، فجمع بكجور بنى كلاب، وبعث منير سريّة إلى ابن الجرّاح وهو فى طرف عمل دمشق، فأوقعوا بقومه، وغنموهم، فانهزم.
وكتب منير إلى بكجور:
«إنا لم نجئ لقتالك، وإنما جئنا لنخرج ابن الجرّاح من العمل، لأنه أفسد وعصى، فتكون معينا لنا فى هذا الأمر، لنسير إلى حلب وأنطاكية».
فعلم أنّ هذا خداع، وقد اشتدّ خوفه وقلقه من أهل البلد لكثرة إساءته لهم، وجوره وتعديه لئلا يثوروا به، فجمع عسكره وبعثهم إلى قتال منير، وأقام بالبلد، فكانت بينهم وقعة انهزموا فيها، فخاف وبعث إلى منير: «أنى أسلّم البلد وأرحل عنه»، فأجيب إلى ذلك.
ورحل للنصف من رجب ومعه ابن الجرّاح يريد الرّقّة، وتسلّم منير دمشق، وسيّر إلى مصر بذلك، وبثلاثمائة من أصحاب بكجور استأمنوا، فبعث العزيز إلى بكجور على لسان الوزير يقول:
«ما أردنا أن تبرح عن البلد، وإنما بعثنا إلى ابن الجرّاح من يخرجه عن العمل لما أفسد فيه، وما كان لك من الغلات والضياع فهو على رسمه، أفعل فيه ما أحببت، فما لنا فيه من حاجة».
فأقام بكجور على ما كان له بدمشق من الضياع والأهراء من يتولّى أمرها، وبقى بالرقّة يقيم الدعوة للعزيز ويراسله، ويراسل كرديّا قد غلب على ميّافارقين يقال له «باد»، ويكاتب أبا المعالى سعد الدولة، واسمه شريف بن سيف الدولة على بن حمدان بحلب أن يرده إلى حمص، فولاّه حمص، فبعث من يتسلمها، فقلق لذلك الوزير يعقوب بن كلّس، فبعث إلى ناصح الطبّاخ وهو بعمّان أن يسير إلى حمص ويأخذ من بها من أصحاب بكجور، فأسرى إليها وقد حذروا منه، وخرجوا قادمين بأموالهم، فأخذهم وسار إلى دمشق، فبعث بكجور إلى صاحب بغداد فلم ير منه ما يحب، ووقع بينه وبين أبى المعالى.
[ ١ / ٢٦٠ ]