ولأربع خلون من صفر ورد حاج البرّ، وقد كان البر أقام سنين (^١) لم يسلك.
وفيه حضر على بن النعمان القاضى جامع القاهرة (^٢)، وأملى مختصر أبيه فى الفقه عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر «بالاقتصار»، وكان جمعا عظيما.
وفى ربيع الآخر وردت رسالة القرامطة بأنهم فى الطاعة.
وفيه أذن المعز لجماعة المصريين فدخلوا عليه وخاطبهم - وهو على سرير الملك -، فصاح به رجل منهم:
_________________
(١) الأصل: «سنينا».
(٢) لاحظ أن ابن زولاق يسمى الجامع الذى بنى فى القاهرة «جامع القاهرة» ولم يسمه «الجامع الأزهر».
[ ١ / ٢٢٧ ]
«يا أمير المؤمنين»، قال الله ﷿: «وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» (^١). يا أمير المؤمنين لننظر كيف تعملون.
وقال: «صدق الله، كذا قال ﷿، ونسأل الله التوفيق».
واعتلّ المعزّ لثمان خلون من ربيع الأول، فأقام ثمانيا وثلاثين يوما، ووصف له البطيخ البرلسى يؤخذ ماؤه، فطلب بمصر فلم يوجد سوى واحدة اشتريت بخمسة دنانير، ثم وجد منها ثمانى عشرة بطيخة اشتريت بثمانية عشر دينارا، وكان الناس يغدون إلى القصر ويروحون، والذى يمرضه طبيبه موسى بن العازار وعبده جوهر.
فلما كان لأربع عشرة بقيت من ربيع الآخر اشتدت العلّة. وعرّف باجتماع الناس وكثرة الرقاع فى الظلامات والحوائج، وسئل فيمن ينظر فى ذلك، فأمر أن ينظر فيه ولىّ عهده نزار فاستخلفه، وخرج السلام إلى الناس فانصرفوا.
وخرج القائد جوهر وموسى بن العازار الطبيب بالعزيز فأجلسوه، وخرج إليه إخوته وعمومته وسائر أهله (ص ٣٩ ب) فبايعوه، ثم أدخل إليه أكثر الأولياء فبايعوه وسلموا عليه بالإمرة وولاية العهد، فابتهج الناس بذلك.
ودخل عليه من الغد القاضى أبو طاهر وجماعة الشهود والفقهاء فسلموا عليه بولاية العهد، وقبّلوا له الأرض، فردّ عليهم أحسنّ رد، وأخبرهم بأن المعز بخير، قال:
«مولانا - صلوات الله عليه - فى كل عافية وسلامة فى أحواله، وفى رأيه لكم» وانصرفوا.
وكان يوم جمعة، فدعا له عبد العزيز بن عمر العباسى على منبر الجامع العتيق (^٢) بعد أن دعا للمعز، فقال:
«اللهم صلّ على عبدك ووليّك، ثمرة النبوة، ومعدن الفضل والإمامة، عبد الله معدّ أبى تميم الإمام المعز لدين الله، كما صليت على آبائه الطاهرين، وأسلافه المنتخبين من قبله.
_________________
(١) الآيتان ١٣ و١٤، السورة ١٠ (يونس)
(٢) يقصد جامع عمرو بن العاص بالفسطاط
[ ١ / ٢٢٨ ]
اللهم أعنه على ما وليته، وأنجز له ما وعدته، وملّكه مشارق الأرض ومغاربها.
واشدد - اللهم - أزره، وأعزّ نصره بالأمير نزار أبى المنصور ولىّ عهد المسلمين، ابن أمير المؤمنين، الذى جعلته القائم بدعوته، والقائم بحجته.
اللهم أصلح به العباد، ومهد لديه البلاد، وأنجز له به ما وعدته، إنك لا تخلف الميعاد».
وتوفى المعز لدين الله عشيّة هذا اليوم ليلة السبت السادس عشر من شهر ربيع الآخر، وقيل يوم الجمعة حادى عشر، وقيل ثالث عشر، ولم يظهر ذلك ولا نطق به أحد مدة ثمانية أشهر.
وقيل إن السيدة - لما اشتدت علّة المعز - أحضرت القائد جوهر وهو ملتف فى برد من … (^١)
وحضر يعقوب بن يوسف بن كلّس وعسلوج القائد وأفلح الناشب (^٢)، وطارق الصقلبى، فقالوا للمعز:
«نريد أن تبصرنا رشدنا وتعلمنا لمن الأمر».
فلم يجبهم، فقال له جوهر:
«قد كنت سمعت منك قولا فى هذا استغنيت به عن إعادة السؤال، غير أنهم أكرهونى على الدخول».
وقال لهم:
«قابلتمونى بما لا يجب» وبكى.
فخرجوا، فلما كان اليوم الثالث مات، فصار العزيز إذا رفعت إليه الأمور يدخل كأنه يشاوره ويخرج بالأمر.