ففى المحرم قدّر جوهر قيمة الدنانير، فجعل الأبيض بثمانية دراهم.
ولخمس بقين منه توفى سعادة بن حيّان، فحضر جوهر جنازته، وصلى عليه الشريف مسلم.
وفى ربيع الأول عزل سليمان بن عزّة المحتسب جماعة من الصيارفة، فشغب طائفة منهم، وصاحوا:
«معاوية خال على بن أبى طلب».
فهمّ جوهر بإحراق رحبة الصيارفة، لولا خوفه على الجامع.
وفيه أمر ألا يظهر يهودىّ إلا بالغيار (^١).
ودخل الحسن بن عمّار ببضع وتسعين أسيرا، وشهّروا.
ودخل عبد الله بن طاهر الحسينى على جوهر بطيلسان (^٢) كحلى - وفى مجلسه القضاة والعلماء والشهود - فأنكر الطيلسان الكحلى، ومدّ يده فشقّه، فغضب ابن طاهر وتكلم، فأمر جوهر بتمزيقه فمزّق، وجوهر يضحك، وبقى حاسرا بغير رداء، فقام جوهر وأخرج له عمامة، ورداء أخضر، وألبسه وعمّمه بيده.
وفى يوم الثلاثاء رابع المحرم المذكور زلزلت دمشق وأعمالها زلزلة عظيمة وقتا من الزمان، ثم هدأ، وانهدم بها من أنطاكية عدة أبرجة.
_________________
(١) الغيار الملابس التى كان يتميز بها أهل الذمة عن المسلمين فى العصور الوسطى، وهذا ما يفهم من مدلول اللفظ، أى الملابس التى تغاير ملابس المسلمين. انظر: (محيط المحيط) و(Dozy:Supp.Dict.Arab) و(السلوك، ج ١، ص ١٣٥، هامش ٤).
(٢) الطيلسان - بفتح اللام وكسرها وضمها، والفتح أرجح - لفظ فارسى معرب، ويقال فيه أيضا الطيلس والطالسان، وجمعه طيالسة، وهو فى المراجع المختلفة ثوب يحيط بالبدن خال من التفصيل والخياطة، وكان يختص بلبسه فى العالم الاسلامى فى العصور الوسطى الفقهاء والعلماء والقضاة، وفى النصوص ما يفيد أنه كان ينسج من ألوان مختلفة، انظر: (الجواليقى: المعرب، ص ٢٢٧) و(اللسان) و(Dozy:Dict.des Vets)
[ ١ / ١٣٢ ]
وفى شهر ربيع الآخر تواترت الأخبار بمسير المعز إلى مصر، وورد كتابه من قابس فتأهّب جوهر لذلك، وأخذ فى عمارة القصر والزيادة فيه.
وفى النصف من جمادى الأولى مات عبد العزيز بن هيج فسلخ وصلب.
وفى أول رجب كدّ جوهر الناس للقاء المعز، فتأهبوا لذلك، وخرج أبو طاهر القاضى، وسائر الشهود والفقهاء ووجوه التجار إلى الجيزة مبرزين للقاء المعز، فأقاموا بها أربعين يوما حتى ورد الكتاب بوصول المعز إلى برقة، فسار القاضى ومن معه.
وسار الحسن بن عمار إلى الحوف فى عشرة آلاف فواقعوا القرامطة هناك.
ولخمس بقين من شعبان ورد الخبر بوصول المعز إلى الاسكندرية، ولقيه أبو طاهر القاضى ومن معه، فخاطبهم بخطاب طويل، وأخبرهم أنه لم يسر لازدياد فى ملك ولا رجال، ولا سار إلا رغبة فى الجهاد ونصرة للمسلمين؛ وخلع على القاضى وأجازه وحمله.
ولقيه أبو جعفر مسلم فى جماعة الأشراف، ومعهم وجوه البلد بنواحى محلة حفص، وترجلوا له كلّهم - وكان سائرا فوقف -، وتقدّم إليه أولا أبو جعفر مسلم، ثم الناس على طبقاتهم، وقبّلوا له الأرض وهو واقف، حتى فرغ الناس من السلام عليه، ثم سار وسايره أبو جعفر مسلم - وهو يحادثه - وسأل عن الأشراف، فتقدّم إليه أكابرهم:
أبو الحسن محمد بن أحمد الأدرع.
وأبو إسماعيل الرسى.
وعيسى أخو مسلم.
وعبد الله بن يحيى بن طاهر بن السويح (^١)
ثم عزم على الشريف مسلم، وأمره بركوب قبة لأن الحرّ كان شديدا وكان الصوم، فقدمت إليه قبة محلاة على ناقة، وعادله غلام له، ونزل المعز إلى الجيزة، فكانت مدة القائد أبى الحسن جوهر أربع سنين وتسعة عشر يوما.
_________________
(١) كذا فى النسختين، ولعلها «الشويخ».
[ ١ / ١٣٣ ]