وفى المحرم أنفذ بشير (^١) الإخشيدى من تنّيس نحو مائة وخمسين رجلا طيف بهم.
وكثر الفساد فى الطرق فضرب جوهر أعناق جماعة وصلبهم فى السكك.
ولاثنتى عشرة بقيت منه سار جعفر بن فلاح بن أبى مرزوق إلى الشام، وقاتل القرامطة بالرملة وهزمهم، وأسر الحسين بن عبيد الله بن طغج وجماعة، وبعثهم فى القيود إلى جوهر.
وسيّر جوهر إلى الصعيد فى البر والبحر.
وفى ربيع الأول قبض على دواب الإخشيدية والكافورية، وصرفهم مشاة، وأمرهم بطلب المعيشة.
وسيّر الهديّة جعفر بن الفضل بن الفرات مع ابنه أحمد فى ربيع الآخر.
وفى سلخ ربيع الآخر زاد الغلاء، ونزعت الأسعار؛ وتوفى أبو جعفر المحتسب، فردّ جوهر أمر الحسبة إلى سليمان بن عزّة. فضبط الساحل، وجمع القماحين فى موضع واحد؛ ولم يدع كف قمح يجمع إلا بحضرته؛ وضرب أحد عشر رجلا من الطحانين وطيف بهم.
وفى يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الأولى صلى جوهر الجمعة فى جامع ابن طولون، وأذّن المؤذنون بحى على خير العمل، وهو أول ما أذن به بمصر (^٢)، وصلى به عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة: و«إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ» وقنت (^٣) فى الركعة الثانية، وانحطّ إلى
_________________
(١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «تبر»
(٢) ذكر (المقريزى: الخطط، ج ٤، ص ٤٤ - ٤٩) تأريخا للأذان فى مصر منذ دخلها الاسلام، فقال انه كان بها أولا كأذان أهل المدينة الى أن دخل جوهر، فأمر فى التاريخ المذكور فى المتن فأذن بحى على خير العمل، ثم ذكر هناك تفصيلات وافية عن تطور الأذان بعد ذلك الى عهده.
(٣) جاء فى هامش نسخة (ج) أمام هذا اللفظ ما يلى: «عن طاوس وابراهيم قالا: القنوت فى الجمعة بدعة، وكان مكحول يكرهه، ولا يوجد عن أحد من الصحابة أنه قنت فى الجمعة، وقال أبو بكر بن أبى شيبة: نا يحيى بن أبى بكير قال جد أبى قال: «أدركت الناس قبل عمر بن عبد العزيز يقنتون فى الجمعة، فلما كان زمن عمر ابن عبد العزيز ترك القنوت فى الجمعة».
[ ١ / ١٢٠ ]
السجود، ونسى الركوع، فصاح به على بن الوليد - قاضى عسكر جوهر -: «بطلت الصلاة، أعد ظهرا أربعا».
ثم أذن بحى على خير العمل فى سائر مساجد العسكر، وأنكر جوهر على عبد السميع أنه لم يقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» فى كل سورة، ولا قرأها فى الخطبة، فصلى به الجمعة الأخرى وفعل ذلك، وكان قد دعا لجوهر فى الجمعة الأولى فى الخطبة، فأنكر ذلك ومنعه.
وقبض جوهر الأحباس من القاضى أبى طاهر، وردها إلى غيره.
ولأربع بقين منه أذّن فى الجامع العتيق بحى على خير العمل، وجهر فيه بالبسملة فى الصلاة ولسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة أنفذ جوهر هديته إلى المعز ومعها المعتقلون فى القيود (¬*)، فكان فيما أهداه تسع وتسعون (^١) بختية، وإحدى وعشرون (^٢) قبة عليها الديباج المنسوج بالذهب، ولها مناطق من ذهب مكللة بالجوهر، ومائة وعشرون ناقة بأجلّة (^٣) الديباج، وأعنّة محلاة بالفضة، وخمسمائة جمل عرابا، وستة وخمسون جلاّ، وثمانية وأربعون دابة منها بغلة واحدة، وسبعة وأربعون فرسا بأجلّة حرير منقوش، وسروج كلها ما بين ذهب وفضة، ولجمها كذلك؛ وعودان كأطول ما يكون العود الذى يتبخر به.
وكان الأسرى: الحسن بن عبيد الله بن طغج، وابن غزوان - صاحب القرامطة - وفاتك الهنكرى، والحسن بن جابر الرياحى - كاتب الحسن بن عبيد الله بن طغج -، ونحرير شويزان، ومفلح الوهبانى، ودرى الخازن، وفرقيك، وقيلغ التركى الكافورى، وأبو منحل،
_________________
(١) (¬*) هذه الفقرة الطويلة الواردة بين نجمتين وردت فى الأصل بعد تفصيل الهدية مما يفهم منه أن هذه الأشياء وهى مما أهداه جعفر بن الفرات، ولكن الصحيح أن هذه تفصيلات الهدية التى أهداها جوهر الى المعز، وهكذا ورد النص فى نسخة (ج) فالتزمناه هنا لأفضليته.
(٢) فى النسختين: «تسعا وتسعين».
(٣) الأصل: «احدى وعشرين»
(٤) جاء فى (اللسان): «جل الدابة وجلها، بضم الجيم وفتحها» الذى تلبسه لتصان به، والجمع جلال واجلال» ثم قال: «وجمع الجلال اجلة، وجلال كل شيء عطاؤه، وتجليل الفرس أن تلبسه الجل».
[ ١ / ١٢١ ]
وحكل الإخشيدى، وفرح الحكمى، ولؤلؤ الطويل، وقنك الطويل [الخادم]، فحملوا فى المراكب إلى الإسكندرية، وساروا منها إلى القيروان فى البر.
ونافق بشير (^١) الإخشيدى بأسفل الأرض، فاستعطفه جوهر، فلم يجب، فسيّر إليه العساكر، فحاربها بصهرجت (^٢) ونهبها، ومضى منهزما إلى الشام فى البحر، فأخذ بصور. وأدخل به على فيل ومعه جماعة، وبعث به جعفر بن فلاح.
وفى رمضان حفر جوهر سوارى الجامع العتيق الخشب (^٣).
وفى ذى القعدة ردّت الحسبة إلى سليمان بن عزّة المغربى، فجمع سماسرة الغلات فى مكان.
وسدّ الطرق إلا طريقا واحدا، فكان البيع كله هناك، ولا يخرج قدح غلة حتى يقف عليه.
ومنع جوهر من الدينار الأبيض (^٤)، وكان بعشرة دراهم، فأمر أن يكون الراضى بخمسة عشر درهما، والمعزى بخمسة وعشرين درهما ونصف، فلم يفعل الناس ذلك. فردّ الأبيض إلى ستة دراهم، فتلف وافتقر خلق.
وضربت أعناق عدة من أصحاب تبر والإخشيدية، وصلبوا حتى دخل المعز من المغرب.
وأنفذ المعز عسكرا وأحمال مال - علتها عشرون حملا - للحرمين، وعدة أحمال متاع.
وورد الخبر بفتح جعفر بن فلاح دمشق ودخولها، وكان من خبر جعفر بن فلاح:
أنه لما سار من القاهرة فى عسكره كان على الرملة ودمشق الحسن بن عبيد الله بن طغج، فلما بلغه دخول جوهر القائد إلى مصر بعساكر المعز سار عن دمشق فى شهر رمضان، واستخلف
_________________
(١) كذا فى الأصل، وفى (ج): «تبر»
(٢) صهرجت احدى قرى مديرية الدقهلية الحالية، وهى الآن قريتان: صهرجت الصغرى وتتبع مركز أجا، وصهرجت الكبرى وتتبع مركز ميت غمر. انظر: (فهرس مواقع الأمكنة).
(٣) هذا السطر غير موجود فى (ج)
(٤) لم أعثر فى المراجع التى بين يدى على تعريف للدينار الأبيض ولم سمى بهذا الاسم أو فى عهد من ضرب، وانما ورد فى كتاب (النقود للمقريزى، ص ٤٢، نشر الكرملى) ذكر للدراهم البيض، وأنها مما ضرب الحجاج، هذا ويتضح من المتن أن هذا الدينار كان قليل القيمة جدا، فلعله كان يشتمل على كمية كبيرة من الفضة مما اتضعت به قيمته، ومما جعل القوم يسمونه بالأبيض.
[ ١ / ١٢٢ ]
عليه شمول الإخشيدى، وكان شمول يحقد فى نفسه منه، ويكاتب جوهر القائد، فنزل ابن طغج الرملة، وتأهب لحرب من يسير إليه من مصر. فوردت عليه الأخبار بمسير القرامطة إليه، ووافوه بالرملة، فلقيهم وحاربهم، فانهزم منهم، ثم صالحهم وصاهرهم فى ذى الحجة.
ورحل عنه القرمطى بعد ما أقام بظاهر الرملة ثلاثين يوما، فبعث إلى شمول بالمسير إليه لمحاربة من تقدّم من مصر، وأنفذ إلى الصباحى - والى بيت المقدس - بالقدوم عليه، فتقاعد عنه شمول، وقرب منه جعفر بن فلاح، وقد انتشرت كتبه إلى ولاة الأعمال يعدهم الإحسان، ويدعوهم إلى طاعة المعز، فالتقى مع ابن طغج وحاربه، فانهزم منه واحتوى على عسكره، فقتل كثيرا من أصحابه، وأخذه أسيرا فى النصف من رجب سنة تسع، فأقام بالرملة يتبع ما كان لابن طغج ولأصحابه، وسار إلى طبرية فبنى قصرا عند الجسر ليحارب فاتك غلام ملهم - وكان عليها من قبل كافور الإخشيدى - فلم يعرض له ملهم، وملك [جعفر] طبرية.
وكان بحوران (^١) والبثنيّة (^٢) بنو عقيل - من قبل الإخشيد - وهم: شبيب، وظالم بن موهوب، وملهم بن … (^٣) قد ملكوا تلك الديار، فأخذ جعفر بن فلاح يستميل إليه من العرب فزارة ومرّة، وباطنهم على قتل ملهم، فرتبوا له رجالا قتلوه على حين غفلة، وأظهر جعفر أن ذلك من غير علمه، وقبض على من قتله وبعث بهم إلى ملهم، فعفا (^٤) عنهم.
وسار من دمشق مشايخ أهلها إلى طبرية للقاء جعفر، فاتفق وصولهم إليها يوم قتل فاتك، قد ثارت بها فتنة، فأخذوا وسلبوا ما عليهم، فلقوا جعفر بن فلاح. وعادوا إلى دمشق وهم غير شاكرين ولا راضين، فبسطوا ألسنتهم بذم المغاربة حتى استوحش أهل دمشق منهم.
_________________
(١) ذكر (ياقوت: معجم البلدان) أنها كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى كثيرة ومزارع وقصبتها بصرى.
(٢) هكذا ضبطها ياقوت، وذكر أنها قرية من نواحى دمشق.
(٣) بياض بالاصل.
(٤) الاصل: «مغفى» والمعنى فى هذه الفقرة مضطرب، اذ كيف يتفق أن يقتل رجال جعفر ملهما ثم يرسل جعفر هؤلاء الرجال الى ملهم - المقتول - فيعفو عنهم؟!
[ ١ / ١٢٣ ]
وكان شمول قد خرج منها إلى جعفر، فلقيه بطبرية، وصار البلد خاليا من السلطان، فطمع الطامع، وكثر الذعّار (^١) وحمال السلاح به وجهّز جعفر من طبرية من استمالهم من مرة وفزارة لحرب بنى عقيل بحوران والبثنيّة، وأردفهم بعسكر من أصحابه، فواقعو بنى عقيل، وهزموهم إلى أرض حمص وهم خلفهم؛ ثم رجعوا إلى الغوطة (^٢)، وامتدت أيهديهم إلى أخذ الأموال - وهم سائرون - حتى نزلوا بظاهر دمشق، فثار عليهم أهل البلد، وقاتلوهم وقتلوا منهم كثيرا من العرب، فانهزموا عنها، وذلك لثمان خلون من ذى الحجة، فلحقوا بطلائع جعفر، فساروا معها إلى دمشق، وخرج إليهم الناس مستعدين لمحاربتهم - فى خيل ورجل - فاقتتلوا يومهم ثم انصرفوا، وأصبحوا يوم الجمعة فاقتتلوا، وصاح الناس فى الجامع بعد الصلاة: «النفير»، فخرج النفير، واشتد القتال إلى آخر النهار.
ونزل جعفر يوم السبت لعشر خلون منه بالشماسيّة، وأصبح الناس للقتال، ولم يصلوا ذلك اليوم فى المصلى صلاة العيد، فاستمروا طول النهار ومعهم الجند الذين كانوا مع شمول، فكلوا، وحملت معهم المغاربة فانهزموا، وتمكن السيف منهم وهم منهزمون إلى أرض عاتكة (^٣) وقصر حجاج، فقتل خلق كثير؛ وكان رئيس أهل الشام فى هذه الحروب أبو القاسم ابن أبى يعلى العباسى، ومحمد بن عصودا وصدقة الشوا.
فلما ملك المغاربة ظاهر البلد طرحوا النار فيما هنالك من الأسواق وغيرها، وصاروا إلى باب الجابية، وأصبحوا وقد ضبط الرعية أبواب البلد، فاستمرت [الحرب] (^٤) طول النهار مما يلى المصلى، ثم كفوا عن القتال وباتوا؛ فلما أصبح النهار خرج قوم من مشايخ البلد لمخاطبة جعفر - وهو بالشماسيّة - فى إصلاح أمر البلد، فأخذهم قوم من المغاربة، وسلبوهم
_________________
(١) الزعار والزعرة والزعر جمع زاعر وهو اللص المحتال والعيار والحرفوش والمتشرد (Filou،Vaurien) انظر: (Dozy:Supp.Dict.Arab)
(٢) الغوطة فى اللغة الأرض المطمئنة، وهى هنا - كما ورد عند ياقوت - الكورة التى منها دمشق.
(٣) توجد فى النسختين بالهامش حاشية أمام هذا اللفظ نصها: «أرض عاتكة خارج باب الجابية من دمشق، تنسب الى عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وكان لها بها قصر فيه مات زوجها عبد الملك بن مروان».
(٤) ما بين الحاصرتين عن (ج).
[ ١ / ١٢٤ ]
ثيابهم، وقتلوا منهم وجرحوا عدة، وعلم بذلك أهل البلد، فصاحوا من أعلى المواذن بالناس يعلمونهم الخبر، ثم قدم المأخوذون فارتاع الناس واشتد خوفهم وتحيروا، ثم جرت بينهم - بعد ذلك - وبين جعفر مراسلة، فخرجوا إليه، فاشتد عليهم وخوّفهم بالنار والسيف، فعادوا وقد ملئوا رعبا، فبلغوا قوله للناس وقد تحيّروا، فاقتضى رأيهم معاودة جعفر فى طلب العفو، فرجع المشايخ إليه، وما زالوا بتضرعون إليه حتى قال:
«ما أعفو عنكم حتى تخرجوا إلىّ ومعكم نساؤكم مكشوفات الشعور فيتمرغن [فى التراب] (^١) بين يدى لطلب العفو».
فقالوا له:
«نفعل ما يقول القائد».
وما برحوا يذلون له حتى انبسط معهم فى الكلام، وتقرر الأمر على أنه يدخل يوم الجمعة إلى الصلاة فى الجامع.
فلما كان يوم الجمعة ركب فى عسكره، ودخل البلد فصلى بالجامع وخرج، فوضع أصحابه أيديهم ينهبون الناس، فثاروا عليهم، وقتلوا منهم كثيرا؛ وخرج إليه المشايخ فأنكر عليهم، وقال لهم: «دخل رجال أمير المؤمنين للصلاة فقتلتموهم» وهددهم، فلطفوا معه القول وداروه، فأومأ إلى مال يأخذه من البلد دية من قتل من رجال أمير المؤمنين، فأجابوه، وكان فى الجماعة أبو القاسم أحمد المعروف بالعقيقى العلوى [وهو أحمد بن الحسن الأشل بن أحمد بن على - الرئيس بالمدينة كان - بن محمد العقيقى بن جعفر بن عبد الله ابن الحسين بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵈] (^٢) فانصرفوا من عنده، وفرضوا له المال، فعمّ الناس البلاء فى جبايته.
ونزل بظاهر سور دمشق فوق نهر يزيد أصحاب جعفر [فبنوا] (^٣) المساكن، وأقاموا بها الأسواق، وصارت شبه المدينة، واتخذ لنفسه قصرا عجيبا من الحجارة، وجعله عظيما
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج)
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة عن (ج).
(٣) أضفنا ما بين الحاصرتين ليتضح المعنى
[ ١ / ١٢٥ ]
شاهقا فى الهواء غريب البناء، وتطلب حمال السلاح فظفر بقوم منهم، وضرب أعناقهم، وصلب جثثهم، وعلّق رءوسهم على الأبواب، وفيها رأس إسحاق بن عصودا.
وكان ابن أبى يعلى لما انهزم خرج إلى الغوطة يريد بغداد، فقبض عليه ابن عليان العدوى عند تدمر، وجاء به إلى جعفر بن فلاح، فشهّره على جمل، وفوق رأسه قلنسوة (^١) وفى لحيته ريش وبيده قصبة، ثم بعث به إلى مصر.
وأما محمد بن عصودا فإنه لحق بالقرامطة فى الأحساء (^٢) - هو وظالم بن موهوب العقيلى - لما انهزم بنو عقيل عن حوران والبثنيّة، فحثوهم على المسير إلى دمشق.
فلما كان فى ربيع الأول سنة ستين أنفذ جعفر غلامه فتوح على عسكر إلى أنطاكية، وكان لها فى أيدى الروم نحو من ثلاث سنين، وسيّر إلى أعمال دمشق وطبرية وفلسطين فجمع منها الرجال، وبعث عسكرا بعد عسكر إلى أنطاكية، وكان الوقت شتاء، فنازلوها حتى انصرم الشتاء، وسارت القوافل وهم ملحون فى القتال، فأردفهم جعفر بعساكر فى نحو أربعة آلاف مددا لهم، فظفروا بنحو مائتى بغل تحمل علوفة لأهل أنطاكية فأخذوها وقد أشرفوا على اسكندرونة وعليها عساكر الروم فواقعوهم، فانهزم العسكر، وقتلوا منهم كثيرا.
وورد على ابن فلاح خبر هزيمة عسكره، وخبر مسير القرامطة إلى الشام، وأنهم وردوا الكوفة. فأمدهم صاحب بغداد بالسلاح، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبى تغلب ابن حمدان، تقوية لهم على حرب المغاربة، فبعث إلى غلامه فتوح برحيله عن أنطاكية ومصيره إليه، فوافاه ذلك أول رمضان، فسار بمن معه، وتركوا كثيرا من العلف والطعام، وأتوه إلى دمشق، فصار كل قوم منهم إلى أماكنهم.
_________________
(١) القلنسوة والقلنسية ما يلف على الرأس تكويرا مثل العمامة. انظر: (Dozy:Dict.des Vets) .
(٢) الاحساء لغة جمع حسى وهو الماء الذى تنشقه الأرض من الرمل فاذا صار الى صلابة أمسكته، فتحفر العرب عند الرمل فتستخرجه، والاحساء (كما ذكر ياقوت فى معجم البلدان): «مدينة بالبحرين كان أول من عمرها وحصنها وجعلها قصبة هجر أبو طاهر الحسن بن أبى سعيد الجنابى القرمطى، وهى الى الآن - أى القرن السابع الهجرى - مدينة مشهورة عامرة»!
[ ١ / ١٢٦ ]
وقدم القرمطى إلى الرحبة، فأمده أبو تغلب بالمال، وبمن كان عنده من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين، صاروا إليه لما انهزموا من المغاربة، وصار بهم القرمطى حتى قرب من دمشق، فخرج إليهم جعفر بن فلاح - وقد استهان بهم - وواقعهم، فانهزم منهم، وأخذ السيف أصحابه، وقتل - فلم يدر قاتله - لست خلون من ذى القعدة سنة ستين، ووجد مطروحا على الطريق خارج دمشق، فجاءه محمد بن عصودا فقطع رأسه، وصلبه على حائط داره؛ أراد بذلك أخذ ثأر أخيه إسحاق لما قتله جعفر وصلبه. وملك القرامطة دمشق، وأمنوا أهلها، ثم ساروا إلى الرملة فملكوها، واجتمع إليهم كثير من الإخشيدية.
وفيها اصطلح قرعويه - مولى سيف الدولة بن حمدان - متولى حلب، وأبو المعالى شريف ابن سيف الدولة، فخطب له قرعويه بحلب، وخطبا جميعا فى معاملتيهما للإمام المعز بحلب وحمص (^١).
_________________
(١) يوجد بهامش نسخة الأصل أمام هذا اللفظ: «بياض ثلثى صفحة» مما يدل على أن هذه النسخة نقلت عن نسخة المؤلف التى كانت لا تزال فى مرحلة التأليف والاستيفاء، وسترد فيما يلى ملاحظات مشابهة كثيرة سنشير اليها فى مواضعها.
[ ١ / ١٢٧ ]