فى المحرم كان غطان النصارى (^٢)؛ فضربت الخيام والمضارب والأشرعة فى عدة مواضع من شاطئ النيل؛ ونصبت أسرّة للرئيس فهد بن ابراهيم وأوقدت له الشموع والمشاعل؛ وحضر المغنون والملهون (^٣)، وجلس مع أهله يشرب إلى أن جاء وقت الغطاس فغطس وانصرف.
وورد سابق الحاج لثمان خلون منه.
وخلع على أبى الحارث فحل بن إسماعيل بن تميم بن فحل الكتامى، وقيد بين يديه، وحمل إليه، وقلّد صور (^٤)
وخلع على أبى سعيد، وقلّد الحسبة. وخلع على أبى الحسن يانس الخادم الصقلبى، وقلّد بسيف ودفع إليه رمح وحمل على فرس بمركب ذهب ثقيل، وحمل إليه خمسة آلاف دينار وعدّة من الخيل والثياب ومائة غلام، وسار لولاية برقة.
وخلع على خود الصقلبى وقلّد بسيف، وحمل، وقيد بين يديه فرس، وحمل إليه ثياب، وقلّد الشرطة السفلى. وخلع على قيد الخادم الأسود بشرطة القاهرة (^٥).
_________________
(١) ويوافق أول المحرم منها الثالث من يناير سنة ٩٩٨.
(٢) وهو من أعياد النصارى، ويقع فى الحادى عشر من شهر طوبة. ويحتفل به المسلمون والنصارى على السواء، وكان للاحتفال به أيام الفاطميين أهمية خاصة إذ كان يحضره الخليفة بنفسه ومعه رجال الدولة، وتوقد فيه المشاعل والشموع، وتتكاثر فيه أنواع المأكولات والمشروبات. وكان من رسوم الدولة أنه يفرق على سائر أهل الدولة الترنج والنارنج والليمون وأطنان القصب والسمك برسوم مقررة لكل واحد من أرباب السيوف والأقلام: الخطط: ٤٩٤:٢ - ٤٩٥.
(٣) فى الأصل الملهيون، وهى كذلك فى الخطط لنفس المؤلف.
(٤) من ثغور الشام الساحلية، يصف ياقوت مناعتها فيقول إنها داخلة فى البحر مثل الكف على الساعد، تحيط بها مياه البحر من جميع جوانبها إلا الجانب الرابع الذى منه شروع بابها، بينها وبين عكا ستة فراسخ. معجم البلدان: ٣٩٧:٥ - ٣٩٨.
(٥) كانت شرطة مصر منذ زمن الخلفاء الراشدين بالفسطاط، فلما تأسست مدينة العسكر، أيام العباسيين الأوائل، أنشئت بها دار أخرى للشرطة عرفت بالشرطة العليا، ولم تلبث هذه أن انتقلت إلى داخل القاهرة بعد استقرار الفاطميين، وامتد نشاط شرطة الفسطاط، الشرطة السفلى، ليشمل العسكر والقطائع أيضا. صبح الأعشى: ٤.
[ ٢ / ١٧ ]
ووصلت قافلة الحاج سابع عشر صفر. وسار ميسور الخادم الصقلبى والياعلى طرابلس وخلع على فائق الخادم الصقلبى وجعل على الأسطول.
وفى سادس عشر ربيع الأول كان نوروز الفرس (^١)، فأهدى الأتراك وقوادهم وجماعة الأولياء إلى الحاكم الخيل والسلاح الكثير، فقبل يسيرا منه وشكر ذلك لهم، وردّ الباقى إليهم.
وفى أول ربيع الآخر قدم سلمان بن فلاح وأخوه من الرّملة.
وفى سادس عشر كان فصح النصارى، فخلع على فهد بن إبراهيم خلعة حملت إلى داره ومعها بغلتان (^٢) بمركبيهما وألف دينار. وخلع على أبى سعادة أيمن الخادم، أخى برجوان، وقلّد غزّة وعسقلان فى سادس جمادى الأولى.
وورد الخبر بفتح صور. وذلك أن أهل صور ثاروا على من عندهم من المغاربة وقتلوا منهم جماعة، وقتلوا من بقى؛ وغلب على البلد رجل من البجوية يقال له العلاقة وأرسل إلى الروم (^٣)، فسيّروا إليه بمراكب فيها رجال، فخرج إليهم عسكره، وسارت إليها المراكب من مصر فقاتلوا من بها من الروم فانهزموا عنها فى مراكبهم، وبدت أهل البلد فألحّ القتال عليهم حتى ملكت منهم. وامتنع العلاقة ومعه طائفه فى بعض الأبرجة؛ ثم طلبوا الأمان.
فانتهبت المدينة وأخذ منها ما لا يعر قدره كثرة فى الرابع عشر من جمادى الآخرة. وحمل
_________________
(١) النوروز من المواسم الفارسية القديمة التى كان يحتفل بها عند ابتداء فصل الربيع. وقد أبطل المسلمون الاحتفال به فى أيامهم الأولى حتى جاء العباسيون وأعادوه إلى ما كان عليه. وفى مصر كان الاحتفال بالنوروز القبطى من أجمل أعياد الفاطميين يلعبون فيه الألعاب النارية ويطوفون بالأسواق ويوقدون النيران، وكانت تطلق فيه الأعطيات والهبات على نطاق واسع من الدنانير والدراهم والكسى والعصائب وأنواع الثياب، وكذلك من الرمان والبطيخ والبسر والتمر والسفرجل والعناب والهريسة المعمولة من لحم الدجاج ولحم الضأن ولحم البقر وغيرها. الخطط: ٤٩٣:١ - ٤٩٤؛ الفاطميون فى مصر: ٢٨٥.
(٢) فى الأصل: ومعها بغلتين.
(٣) على زمن الإمبراطور باسيل الثانى.
[ ٢ / ١٨ ]
العلاقة مقيّدا، وسيق فى جماعة معهم إلى القاهرة فشهّروا، وقد ألبس العلاقة طرطورا من رصاص له عظم وثقل على رأسه، وكاد أن يغوص على رقبته؛ ثم قتل وصلب وقتلت أصحابه (^١).
وفى شعبان ورد الخبر من جيش بمواقعة الروم على فامية (^٢) وأنطاكية. وذلك أن جيشا نزل على دمشق، ونزل بشارة إلى طبرية أيضا، لأربع خلون من رجب؛ وكتب إلى بشارة بولاية دمشق فأقرّ عليها واليا من قبله؛ وسار بعساكره، هو وجيش، فى رابع عشره إلى فامية وبها الروم. فاشتدّ القتال بينهم وبين الروم، فواقعوهم، فانهزم المسلمون ومل كالروم سوادهم.
ثم غابوا وعادوا إلى محاربة الروم، فواقعوهم، فانهزم الروم وقتل منهم نحو خمسة آلاف وقتل مقدّمهم؛ وذلك لتسع بقين من رجب. ورجع المنهزمون إلى جيش ابن الصمصامة وقد خافوه، فسار بهم إلى نحو مرعش (^٣)، فأحرقوا، وهدموا ولم يلقهم أحد ونزل على أنطاكية فقاتل أهلها أياما؛ ثم رحل عنها إلى شيزر (^٤).
وسار بشارة إلى دمشق، فنزلها للنّصف من شوّال على أنه قد ولى البلد؛ فأقبل إليه جيش فنزل ظاهر المزة (^٥)، لسبع بقين من ذى القعدة، وقد هجم الشتاء؛ فوافى (^٦) الكتاب
_________________
(١) وكان على رأس الجيش الذى سار من مصر لحرب العلاقة أبو عبد الله الحسن بن ناصر الدولة وياقوت الخادم، وفى الجيش جماعة من عبيد الشراء. وفى القاهرة سلخ جلد العلاقة وهو حى، وحشى جلده تبنا وصلب. وكان العلاقة قد سك نقودا فى صور وكتب عليها: «عز بعد فاقة، وشطارة بلباقة، للأمير العلاقة». نهاية الأرب للنويرى.
(٢) وبالهمزة أيضا، مدينة وكورة من سواحل الشام، كانت تعد من أعمال حمص. معجم البلدان: ٢٩٨:١، ٣٣٤:٦ - ٣٣٥.
(٣) من مدن الثغور التى كانت تحجز بين البلاد الإسلامية وبلاد الروم فى منطقة الشام. بها حصن بناه مروان بن محمد ثم أكمل الرشيد بناء المدينة. وهى مدينة حصينة لها سوران وخندق. معجم البلدان: ٢٥:٨ - ٢٦.
(٤) قرب معرة النعمان، بينها وبين حماة، وكانت تعد من أعمال حمص؛ ويمر نهر الأردن بوسطها. معجم البلدان: ٣٢٤:٥ - ٣٢٥؛ وانظر أيضا: الاعتبار لأسامة ابن منقذ؛ تهذيب تاريخ ابن عساكر؛ مقدمة كتاب لباب الآداب.
(٥) قرية كبيرة وسط بساتين دمشق، بينها وبين المدينة نحو نصف فرسخ. معجم البلدان: ٤٧:٨. وهى بكسر الميم ثم التشديد.
(٦) رسمت فى الأصل: فوافا.
[ ٢ / ١٩ ]
من مصر بعزل بشارة عن دمشق وولايته طبرية، واستقرار جيش على ولاية دمشق، فدخلها واستقر بها.
وفى شهر رمضان صلى الحاكم بجامع القاهرة بالنّاس بعد ما خطب وعليه رداء، وهو متقلّد سيفا وبيده قضيب، وزرّر عليه جلال القبة لما خطب، وقال خطبة مختصرة سمعها من قرب منه. وهى أوّل جمعة صلاّها؛ ثم صلى جمعة أخرى (^١)؛ وصلى (^٢) صلاة عيد الفطر فى المصلّى، وخطب على الرسم المعتاد، وحضر السماط.
وأحضرت امرأة من الشام فى علبة طولها ذراع واحد من غير زيادة، وافت من خراسان، ومعها أخ لها فى قدّ الرجال، فأنزلت بالقصر وأقيم لها ولمن معها الأنزال، وكانوا عدة، وقطع لها فى وقت واحد مائة ثوب مثقل وحرير. وكانت مليحة الكلام نظيفة، ولبثت بضعة وثلاثين يوما وماتت، فكانت لها جنازة عظيمة.
وسارت قافلة الحاج فى ثالث عشر ذى القعدة بالكسوة والصّلات على العادة. وصلّى الحاكم يوم عيد النحر بالمصلّى وخطب.
ووصل خود من قبل جيش بن الصمصامة فى عشرى ذى القعدة ومعه عدة أسارى ورءوس كثيرة، فطيف بهم في البلد، ثم عفى عن الأسرى وأطلقوا.
_________________
(١) جاء فى النجوم الزاهرة، نقلا عن ابن عبد الظاهر، بشأن خطبة الجمعة أنه كان من عادة الخليفة أن «يخطب فى شهر رمضان ثلاث خطب، ويستريح فيه جمعة، وكانوا يسمونها جمعة الراحة». ولصلاة الجمعة وخطبتها مراسم خاصة تجد تفصيلها فى النجوم الزاهرة: ١٠٢:٤ - ١٠٤. وعن صلاة الجمعة انظر أيضا: الخطط: ٢٨٠:٢ - ٢٨٢.
(٢) فى الأصل: وصلا.
[ ٢ / ٢٠ ]