خرج الناس فى لياليه على رسمهم فى الليل، ليالى الجمعة وليالى النصف إلى جامع (^١) القاهرة عوضا عن القرافة، فزيد فى الوقيد.
وفى يوم الجمعة عشرة شهر رمضان ركب العزيز إلى جامع القاهرة بالمظلّة فخطب وصلى.
وفيه خطّ أساس الجامع الجديد مما يلى باب الفتوح وبدئ بالبناء فيه، وتحلّق الفقهاء الذين يتحلّقون بجامع القاهرة فيه، وخطب به العزيز وصلى يوم الجمعة النصف منه، وحمل يانس الصقلى صاحب الشرطة السفلى السماط، وبنيت مصاطب ما بين القصر والمصلى ظاهر باب النصر يكون عليها المؤذنون والفقهاء، حتى يتصل التكبير من المصلى إلى القصر، وتقدّم أمر القاضى محمد بن النعمان بإحضار المتفقهة والمؤمنين، وأمرهم بالجلوس يوم العيد عليها، وركب العزيز فصلى وخطب.
وفى ذى القعدة ورد من دمشق مال الموسم وهو ستون حملا.
وفى النصف منه سارت قافلة الحاج فى البر بالكسوة للكعبة والطيب والصلات، فجلس العزيز للنظر إليهم، وكانت قافلة عظيمة.
_________________
(١) المقصود «جامع الازهر»، ولاحظ أنه كان يسمى حتى عصر العزيز بجامع القاهرة.
[ ١ / ٢٦٧ ]
وفيها مات الوزير يعقوب بن كلّس (^١) يوم الخامس من ذى الحجة، فكفّن فى خمسين ثوبا ما بين وشى، ومثقل (^٢)، وشرب دبيقى مذهّب، وجفت كافور، وقارورتين من مسك، وخمسين منّا ماء ورد، وصلى عليه العزيز، فكان ما كفن به وحنّط به عشرة آلاف دينار.
_________________
(١) أورد (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق، ص ٣٢) ترجمة وافية ليعقوب بن كلس، نجملها فيما يلى تبيانا لمكانة هذا الوزير وللدور الخطير الذى لعبه، قال «وكان الوزير ابن كلس يهوديا من أهل بغداد خبيثا ذا مكر وحيلة ودهاء وذكاء وفطنة وكان فى قديم أمره خرج الى الشام فنزل بالرملة فجلس وكيلا للتجار، فلما اجتمعت الاموال التى للتجار كسرها وهرب الى مصر فى أيام كافور الإخشيدي صاحب مصر؛ فتاجره وحمل اليه متاعا كثيرا؛ ويحال بماله على ضياع مصر، وكان اذا دخل ضيعة عرف غلتها وارتفاعها وظاهر أمرها وباطنها، وكان ماهرا فى اشغاله لا يسأل عن شيء من أمورها الا أخبر به عن صحة، فكبرت حاله، وخبر كافور بخبره وما فيه من الفطنة والسياسة، فقال: «لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا»؛ فبلغه ما قال كافور، فطمع فى الوزارة؛ فدخل جامع مصر فى يوم الجمعة، وقال: «أنا أسلم على يد كافور»، فبلغ الوزير ابن حنزابة - وزير كافور - ما هو وما طمع فيه، فقصده، وخاف منه، فهرب الى المغرب؛ وقصد يهودا كانوا هناك مع أبى تميم المعز لدين الله - أصحاب أمره - فصارت له عندهم حرمة، فلم يزل معهم الى ان أخذ المعز مصر؛ فسار معه اليها. فلما توفى المعز وأصحابه اليهود، وولى العزيز بالله استوزره فى سنة ٣٦٥، وكان هذا الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس كبير الهمة قوى النفس والمنة؛ عظيم الهيبة، فاستولى على أمر العزيز، وقام به، واستصحه؛ فعول عليه وفوض أمره اليه، وكانت أموره مستقيمة بتدبيره فلما اعتل علة الوفاة ركب اليه العزيز عائدا، فشاهده على حال اليأس، فغمه أمره وقال له: «وددت بأنك تباع فأبتاعك بملكى؛ أو تفتدى وافديك بولدى، فهل من حاجة توصى بها يا يعقوب؟» فبكى وقبل يده وتركها على عينه، وقال: - «أما ما يخصنى يا أمير المؤمنين فلا، لأنك أرعى بحقى من أن أسترعيك اياه، وأرأف على من أخلفه من أن أوصيك به، لكنى أنصح لك فيما يتعلق بدولتك» قال: «قل يا يعقوب، فقولك مسموع؛ ورأيك مقبول». قال: «سالم يا أمير المؤمنين الروم ما سالموك، واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة ولا تبق على المفرج بن دغفل بن الجراح متى عرضت لك فيه فرصة». وتوفى فى ذى الحجة سنة ٣٨٠، فأمر العزيز أن يدفن فى داره بالقاهرة فى قبة كان بناها لنفسه، وحضر جنازته وصلى عليه وألحده بيده فى قبره، وانصرف عنه حزينا بفقده؛ وأغلق الدواوين، وعطل الأعمال أياما، واستوزر أبا عبد الله الموصلى بعده مديدة؛ ثم صرفه، وقلد عيسى ابن نسطوروس وكان نصرانيا من أقباط مصر .. الخ» انظر كذلك: (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٤؛ ص ١٥٨).
(٢) المثقل من الثياب ما كان منسوجا بالذهب.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وحزن عليه العزيز حزنا شديدا، ولم يأكل ذلك اليوم على مائدة، ولا حضر أحد للخدمة وأقام كذلك ثلاثا، وأقيم العزاء على قبره مدة شهر، وأوفى العزيز عنه دينه، وهو ستة عشر ألف دينار.
وكان إقطاعه فى كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، سوى الرباع.
واشتملت تركته على أربعة آلاف ألف دينار، سوى ما سوّى لابنته، وهو مائتا ألف دينار.
وفى يوم عرفة حمل يانس [ص ٤٥ ب] السماط، وصلّى العزيز، وخطب يوم النحر، ونحر النوق بيده، ومضى إلى القصر، ونصب له السماط والموائد، وفرّق الضحايا على أهل الدولة.
وطمع بكجور فى أخذ حلب، فسار، وجمع له أبو المعالى ابن حمدان، وواقعه أول صفر، فانهزم بكجور، فبعث إليه وسيق له، فضرب عنقه ثانى صفر وصلبه، وسار فملك الرقّة، وأخذ ما كان فيها، وملك الرّحبة وعاد.
وبلغ العزيز أن منير يكاتب صاحب بغداد، فجهّز عسكرا عليه منجوتكين فيمن اصطنعه من الأتراك، وأعطاه مالا وسلاحا، وولاّه الشام، فبرز إلى منية الأصبغ (^١) فى صفر سنة إحدى وثمانين، وخلع عليه، وحمل إليه مائة ألف دينار ومائة قطعة من الثياب الملونة، وعشر قباب بأغشية،. ومناطق مثقلة، وأهلّة وفرش، وخمسين بندا، وعشر منجوقات (^٢)، وعشرة أفراس، فأقام بمنية الأصبغ شهرين وسبعة عشر يوما يخرج إليه العزيز فى كل غدوة وعشية، وينفذ إليه فى كل يوم الجوائز والخلع، ورفع من منية الأصبغ فى رابع عشرين جمادى الأولى، وخلع على ابن الجرّاح وحمل، وسار مع منجوتكين فلم يزل بالقصور إلى ثالث شعبان، فسار وودعه العزيز، وجدّ فى السير، وكان ما أنفق عليه العزيز ألف ألف دينار ونيف، وقدم قبل مسير ابن أبى العود الصغير، وكان على الخراج بدمشق، وكاشف بالعصيان، فسار العسكر إلى الرملة، ولقيه بشارة والى طبرية، وكتب إلى والى طرابلس نزال، وجمع منير رجاله،
_________________
(١) عرفها ياقوت بأنها فى شرقى مصر، وأنها تنسب الى الاصبغ بن عبد العزيز بن مروان أخى عمر بن عبد العزيز بن مروان.
(٢) المنجوقات نوع من الاعلام والبنود: (Dozy;Supp،Dict،Arab .) والمفرد «منجوق».
[ ١ / ٢٦٩ ]
واعتدّ للحرب، وسار إليه، فالتقى مع منير بمرج عذرا، وكانت الحرب، فانهزم منير فى تاسع عشر رمضان، وأخذ فحمل إلى منجوتكين، فشهّره على جمل ومعه قرد يصفعه فى مائة من أصحابه، وقائل ينادى:
«هذا منير لعنه الله، أصبحت دياره خالية، وكلابه عاوية، ونساؤه صائحة، طاعنته الرماة، ونازلته الحماة، هذا جزاء من نافق على الله ﷿، وعلى مولانا العزيز بالله».
وأقام منجوتكين فى دمشق ومعه ثلاثة عشر ألفا فساءت سيرتهم فى الناس.
ومات أبو المعالى بن حمدان فى رمضان، فسار منجوتكين يريد أخذ حلب من الحمدانية، ونزل عليها وبها أبو الفضل بن أبى المعالى، فقاتله أشدّ قتال، وأقام نحو الشهرين، ثم عاد إلى دمشق، وترك معضاد على حمص.
وفى سنة ثمانين وثلاثمائة طمع باد صاحب ديار بكر فى أبى طاهر إبراهيم وأبى عبد الله الحسين ابنى ناصر الدولة بن حمدان، وقاتلهما، فقتل باذ، فسار بن أخته أبو على بن مروان إلى حصن كيفا، وبه امرأة خاله باد وأهله، فخدعها حتى صعد إليها، وملك الحصن وغيره من بلاد خاله، وجرت بينه وبين ابنى ناصر الدولة عدّة حروب، وقدم القاهرة على العزيز بالله، فقلّده تلك النواحى، وعاد إليها حتى ثار به عبد البر شيخ آمد، وقتله عند خروجه بالسكاكين شخص يقال له ابن دمنة، واستولى عبد البر على ما بيده، وزوّج ابن دمنة بابنته، فوثب ابن دمنة على عبد البر وقتله، وملك آمد.
وكان ممهّد الدولة أخو أبى على بن مروان لما قتل أخوه أبو على سار إلى ميّافارقين وملكها فى عدة من بلاد أخيه، فثار عليه سروة أحد أكابر أصحابه وقتله، وقتل غالب بنى مروان، وذلك فى سنة اثنتين وأربعمائة.
[ ١ / ٢٧٠ ]