«لما استقرّ العزيز فى الملك أطاعه العسكر واجتمعوا عليه، وكان هو يدبّر الأمر منذ مات والده إلى أن أظهره؛ ثم سيّر إلى المغرب دنانير عليها اسمه فرّقت فى الناس؛ وأقرّ يوسف ابن بلكّين على ولاية إفريقيّة، وأضاف إليه ما كان أبوه استعمل عليه غير يوسف، وهى
_________________
(١) ما بين الحاصرتين عن (ابن ميسر: تاريخ مصر، ص ٤٨)
(٢) النص عند ابن ميسر: «فقبلت يديه»
[ ١ / ٢٣٧ ]
طرابلس وغيرها (^١)، فاستعمل عليها يوسف عمّاله، وعظم أمره، وأمن ناحية العزيز، واستبدّ بالملك، وكان يظهر الطاعة مجاملة لا طائل تحتها».
وخطب للعزيز بمكة بعد أن أرسل إليها جيشا فحصرها، وضيقوا على أهلها ومنعوهم الميرة، فغلت الأسعار بها، ولقى أهلها شدة شديدة.
وأما أخبار الشام: فإن أفتكين (^٢) لم يزل طول مقامه بدمشق يكاتب القرامطة ويكاتبونه بأنهم سائرون إلى الشام، إلى أن وافوا دمشق بعد موت المعز فى هذه السنة، وكان الذى وافى منهم: إسحاق، وكسرى (^٣)، وجعفر، فنزلوا على ظاهر دمشق، ومعهم كثير من العجم أصحاب أفتكين الذين تشتتوا فى البلاد وقت وقعته مع الدّيلم، لقوهم بالكوفة فى الموقعات، فأركبوهم الإبل، وساروا بهم إلى دمشق، فكساهم أفتكين وأركبهم الجبل؛ فقوى عسكره بهم وتلقى (^٤) أفتكين القرامطة وحمل إليهم وأكرمهم وفرح بهم، وأمن من الخوف؛ فأقاموا على دمشق أياما ثم ساروا إلى الرملة - وبها أبو محمود إبراهيم بن جعفر - فالتجأ إلى يافا، ونزل القرامطة الرّملة، ونصبوا القتال على يافا حتى ملّ كلّ من الفريقين القتال، وصار يحدّث بعضهم بعضا.
وجبى القرامطة المال فأمن أفتكين من مصر، وظنّ أن القرامطة قد كفوه ذلك الوجه، وعمل على أخذ الساحل، فسار بمن اجتمع إليه، ونزل على صيدا، وبها ابن الشيخ، ورؤساء المغاربة (^٥)، ومعهم ظالم بن موهوب العقيلى، فقاتلوه قتالا شديدا، فانهزم عنهم أميالا،
_________________
(١) عند (ابن الأثير: الكامل، ج ٨، ص ٢٦٤): «وهى طرابلس وسرت واجد ابيه».
(٢) كذا فى الأصل، وهو عند (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق) و(ابن الأثير: الكامل): «الفتكين».
(٣) أضيف فى هامش الأصل أمام هذا الاسم تعليق هذا نصه: «كسرى بن أبى طاهر سليمان بن أبى سعيد الجنابى، طالب أصحابه بتسليم الأمر للمعز لدين الله، لما كان يسمعه من أبيه وعمومته أنه الامام وصاحب الأمر والقائم والمهدى وصاحب الزمان، فاجتمع عمومته ودعوه للمناظرة فى هذا فلما حضر معهم فى الدار خبطوه بسيوفهم حتى قتلوه».
(٤) الأصل: (وتلقا».
(٥) المؤلف ينقل هنا عن (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق) مع بعض التصرف، ونفس هذه الجملة عند ابن القلانسى: «فكان بها ابن الشيخ واليا ومعه رءوس من المغاربة ومعهم ظالم .. الخ».
[ ١ / ٢٣٨ ]
فخرجوا إليه، فواقعهم وهزمهم وقتل منهم، وصار ظالم إلى صور؛ فيقال إنه قتل يومئذ أربعة آلاف من [عساكر] (^١) المغاربة، قطعت أيمانهم وحملت إلى دمشق، فطيف بها.
ونزل أفتكين على عكّا، وبها جمع من المغاربة، فقاتلوه، فسيّر العزيز القائد جوهر بخزائن السلاح والأموال إلى بلاد الشام فى عسكر عظيم لم يخرج قبله مثله إلى الشام من كثرة الكراع (^٢) والسلاح والمال والرجال، بلغت عدّتهم عشرين ألفا بين فارس وراجل، فبلغ ذلك أفتكين وهو على عكّا، والقرامطة بالرّملة، فسار أفتكين من عكا ونزل طبرية، وخرج القرامطة من الرّملة، ونزلها جوهر.
وسار إسحاق وكسرى من القرامطة بمن معهم إلى الأحساء، لقلة من معهم من الرجال الذين يلقون بها جوهر، وتأخر جعفر من القرامطة فلحق بأفتكين وهو بطبرية، وقد بعث فجمع فى حوران والبثنية؛ وسار جوهر من الرملة يريد طبرية، فرحل أفتكين، واستحثّ الناس فى حمل الغلّة من حوران والبثنية إلى دمشق، وصار أفتكين إلى دمشق، ومعه جعفر القرمطى، فنزل جوهر على دمشق لثمان بقين من ذى القعدة فيما بين داريا والشّماسية، فجمع أفتكين أحداث (^٣) البلد، وأمّن من كان قد فزع منه، فاجتمع حمّال السلاح والذعّار إليه، ورئيسهم قسّام.
_________________
(١) هذا اللفظ وارد فى الهامش بالأصل، وفى المتن علامة تشير اليه.
(٢) الكراع السلاح، وقيل هو اسم يجمع الخيل والسلاح (اللسان).
(٣) الأحداث جمع حدث، ومعناها هنا الشبان الصغار، وقد كان الأحداث يكونون نوعا من الحرس الوطنى، ولعبوا دورا هاما فى مدن سوريا وبلاد الجزيرة فى المدة ما بين القرنين الرابع والسادس الهجريين، وخاصة فى مدينتى حلب ودمشق، وكان عملهم الرسمى يشبه فى كثير عمل رجال الشرطة فقد كانوا مكلفين بحفظ النظام واطفاء الحريق وما أشبه ذلك من أعمال، وعند الضرورة كانوا يسهمون فى اعمال الدفاع الحربى كأمداد لفرق الجيش العاملة. وكان الحدث يمنح راتبا من حصيلة بعض المكوس المدنية، والفارق الوحيد بين «الاحداث» ورجال الشرطة هو طريقه تجنيدهم المحلية غير الرسمية التى جعلت لهم أثرا فعالا فى سير الحوادث، فقد كانوا يكونون - كرجال مسلحين من أهل البلد - قوة مدنية فعالة لمواجهة السلطات السياسية - التى كانت فى معظم الأحوال تمثل أجانب عن البلد - أو لمواجهة أى عدو خارجى بصفة عامه. وكان يتولى قيادتهم فى الأوقات الحرجة (وعلى سبيل المثال فى دمشق بعد الفتح الفاطمى) عناصر وطنية من أهل البلد، وكانوا فى غالب الأحوال ينقادون لزعامة الطبقة البورجوازية، -
[ ١ / ٢٣٩ ]
وأخذ جوهر فى حفر خندق عظيم على عسكره، وجعل له أبوابا، وكان ظالم بن موهوب معه، فأنزله بعسكره خارج الخندق، وصار أفتكين فيمن جمع من الدعّار، وأجرى لكبيرهم قسّام رزقا.
ووقع النفير على قبة الجامع والمنابر، وساروا فجرى بينهم وبين جوهر وقائع وحروب شديدة وقتال عظيم، وقتل بينهم خلق كثير من يوم عرفة، فجرى بينهم اثنتا عشرة وقيعة إلى سلخ ذى الحجة.
ولم يزل إلى الحادى عشر من ربيع الأول سنة ست وستين فكانت بين الفريقين وقعة عظيمة، انهزم فيها أفتكين بمن معه، وهمّ بالهرب إلى أنطاكية، ثم إنه استظهر.
ورأى جوهر أن الأموال قد تلفت، والرجال قد قتلت والشتاء قد هجم، فأرسل فى الصلح، فلم يجب أفتكين، وذلك أن الحسين بن أحمد الأعصم القرمطى بعث إلى ابن عمه جعفر المقيم عند أفتكين بدمشق: «إنى سائر إلى الشام»، وبلغ ذلك جوهر، فترددت الرسل بينه وبين أفتكين حتى تقرّر الأمر أن جوهر يرحل، ولا يتبع عسكره أحد، فسرّ أفتكين بذلك، وبعث إلى جوهر بجمال ليحمل عليها ثقله لقلة الظهر عنده؛ وبقى من السلاح والخزائن ما لم يقدر جوهر على حمله فأحرقه، ورحل عن دمشق فى ثالث جمادى الأولى.
وقدم البشير من الحسن بن أحمد القرمطى إلى عمه جعفر بمجيئه، وبلغ ذلك جوهر، فجدّ فى السير، وكان قد هلك من عسكره ناس كثير من الثلج، فأسرع بالمسير من طبرية،
_________________
(١) = - ويكونون من أنفسهم هيئة من المؤيدين لأسرة أو أسرتين من كبار الأسر فى المدينة، ومنها يختار قائدهم الذى كان يلقب بلقب «الرئيس»، وكان هذا الرئيس يفرض على السلطات الرسمية أن تعترف به «كرئيس للبلد» وهو نوع من العمدة أو المحافظ، وكان نفوذه يماثل أو يفوق أحيانا نفوذ القاضى وقد اضمحل نظام الأحداث وانتهى عند ما أسس السلاجقة وخلفاؤهم من الأتابكة نظام الشحنة أو الشحنكية، وعينوا لكل مدينة شحنة تعاونه حامية من جنود الجيش النظاميين. هذا وقد وردت نصوص كثيرة تشير الى «الأحداث» فى: (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق، نشر آمدروز، وانظر المقدمة التى كتبها جب للترجمة الانجليزية لهذا الكتاب) و(ابن العديم زبدة الطلب فى تاريخ حلب، نشر سامى الدهان) و(ابن الأثير: الكامل) و(سبط ابن الجوزى: مرآة الزمان) .. الخ وانظر كذلك: (C.Cahen:art:Ahdath.in Enc.Isl.٢ nd edition) .
[ ١ / ٢٤٠ ]
ووافى (^١) الحسن بن أحمد من البرية إلى طبرية، فوجد جوهر قد سار عنها، فبعث خلفه سرية أدركته، فقابلهم جوهر، وقتل منهم جماعة، وسار فنزل ظاهر الرملة، وتبعه القرمطى، وقد لحقه أفتكين، فسارا إلى الرملة؛ ودخل جوهر زيتون الرملة، فتحصّن به، فلما نزل الحسن بن أحمد القرمطى الرملة هلك فيها، وقام من بعده بأمر القرامطة ابن عمه أبو جعفر، فكانت بينه وبين جوهر حروب كثيرة.
ثم إن أفتكين فسد ما بينه وبين أبى جعفر القرمطى، فرجع عنه إلى الأحساء، وكان حسّان ابن على بن مفرّج بن دغفل بن الجرّاح الطائى أيضا مع أفتكين على محاربة جوهر، فلم ير منه ما يحب، وراسله العزيز فانصرف عن أفتكين، وقدم القاهرة على العزيز، واشتدّ الأمر على جوهر، وخاف على رجاله، فسار يريد عسقلان، فتبعه أفتكين.
واستولى قسّام على دمشق وخطب للعزيز، فسار أبو تغلب بن حمدان إلى دمشق، فقاتله قسّام ومنعه، فسار إلى طبرية.
وأدرك أفتكين جوهر، فكانت بينهما وقعة امتدت ثلاثة أيام انهزم فى آخرها جوهر، وأخذ أصحابه السيف، فجلوا عما معهم، والتحقوا بعسقلان، فظفر أفتكين من عسكر جوهر بما يعظم قدره، واستغنى به ناس كثيرون.
ونزل أفتكين على عسقلان، فجدّ جوهر حتى بلغ من الضر والجهد مبلغا عظيما، وغلت عنده الأسعار، فبلغ قفيز القمح أربعين دينارا، وأخذت كتامة تسبّ جوهر وتنتقصه، وكانوا قد كايدوه فى قتالهم، فراسل أفتكين يسأله: ماذا يريد بهذا الحصار، فبعث إليه:
«لا يزول هذا الحصار إلا بمال تؤدّيه إلىّ عن أنفسكم».
فأجابه إلى ذلك؛ وكان المال قد بقى منه شيء يسير، فجمع من كان معه من كتامة، وجمع منهم مالا؛ وبعث إليه أفتكين يقول:
«إذا أمّنتكم لا بد أن تخرجوا من هذا الحصن من تحت السيف»
وأمّنهم، وعلّق السيف على باب عسقلان، فخرجوا من تحته.
_________________
(١) الأصل: وافا.
[ ١ / ٢٤١ ]
وسار جوهر إلى مصر، فكان مدة قتالهم على الزيتون وقفلتهم إلى عسقلان حتى خرجوا منها نحوا من سبعة عشر شهرا - بقيّة سنة ست إلى أن دنا خروج سنة سبع وستين -.
وقدم جوهر على العزيز، فأخبره بتخاذل كتامة، فغضب غضبا شديدا، وعذر جوهر فى باطنه، وأظهر التنكير له، وعزله عن الوزارة، وولّى يعقوب بن كلّس عوضه فى المحرّم سنة ثمان وستين.
وخرج العزيز فضربت له خيمة ديباج رومىّ عليها صفريّة (^١) فضة، فخرج إليه أهل البلد كلّهم حتى غلّقت الأبواب، وسألوه فى التوقف عن السفر، فقال:
«إنما أخرج للذبّ عنكم، وما أريد ازديادا (^٢) فى مال ولا رجال».
وصرفهم.
ومنع العزيز فى هذه السنة - وهى سنة سبع وستين - النصارى من إظهار ما كانوا يفعلونه فى الغطاس (^٣): من الاجتماع، ونزول الماء، وإظهار الملاهى، وحذّر من ذلك.
وسار العزيز، وعلى مقدمته حسّان بن على بن مفرج بن دغفل بن الجرّاح الطائى، فتنحّى (^٤) أفتكين عن الرملة، ونزل طبرية.
واتفق أن عضد الدولة أبا شجاع فنّاخسرو بن ركن الدين أبى يحيى الحسن بن بويه أخذ بغداد من ابن عمه بختيار بن أحمد بن بويه، فسار بختيار إلى الموصل، واتفق مع أبى تغلب الغضنفر بن ناصر الدولة ابن حمدان على قتال فنّاخسرو، فسار إليهم فنّاخسرو وأوقع بهم، فانهزموا، وأسر بختيار وقتله، وفرّ حينئذ من أولاد بختيار إعزاز الدولة المرزبان، وأبو كاليجار وعمّاه (^٥): عمدة الدولة أبو إسحاق، وأبو طاهر محمد، ابنا معز الدولة أحمد بن بويه، وساروا
_________________
(١) الصفرية اناء من النحاس الأصفر؛ قدر أو دست، ويبدو أن معناها هنا كرة من النحاس الأصفر تعلو الخيمة. انظر (Dozy;Supp.Dict.Arab .)
(٢) الأصل: «ازدياد».
(٣) ليلة الغطاس هى الليلة الحادية عشرة من طوبة، انظر الكلام عن الاحتفال بالغطاس فى مصر الاسلامية فى: (المسعودى: مروج الذهب) و(المقريزى: الخطط، ج ٢ ص ٣٩١ - ٣٩٢).
(٤) الأصل: «فتنحا».
(٥) الأصل: «وعماده» وما أثبتناه تصحيح يقتضيه السياق.
[ ١ / ٢٤٢ ]
إلى دمشق فى عسكر، فأكرمهم خليفة أفتكين، وأنفق فيهم، وحملهم وصيّرهم إلى أفتكين بطبرية، فقوى بهم، وصار فى اثنى عشر ألفا، فسار بهم إلى الرملة، ووافى (^١) بها طليعة العزيز، فحمل عليها أفتكين مرارا، وقتل منها نحو مائة رجل، فأقبل عسكر العزيز فى زهاء سبعين ألفا، فلم يكن غير ساعة حتى أحيط بعسكر أفتكين، وأخذوا رجاله، فصاح الدّيلم الذين كانوا معه:
«زنهار، زنهار (^٢)»، يريدون: «الأمان، الأمان».
واستأمن إليه أبو إسحاق إبراهيم بن معز الدولة، وابن أخيه إعزاز الدولة، والمرزبان بن بختيار؛ وقتل أبو طاهر محمد بن معز الدولة، وأخذ أكثرهم أسرى، ولم يكن فيهم كبير قتلى، وأخذ هفتكين (^٣) نحو القدس، فأخذ وجئ به إلى [حسّان بن على بن] (^٤) مفرج ابن دغفل بن الجرّاح، فشدّ عمامته فى عنقه، وساقه إلى العزيز، فشهّر فى العسكر، وأسنيت الجائزة لابن الجرّاح.
_________________
(١) الأصل: «ووافا».
(٢) زنهار كلمة فارسية بمعنى الدفاع أو الحماية أو الأمان. راجع أيضا: (Dozy:Supp.Dict Arab .)
(٣) هكذا ورد الاسم فى الأصل، مرة «أفتكين» وأخرى «هفتكين».
(٤) أضفنا ما بين الحاصرتين لتصحيح الاسم.
[ ١ / ٢٤٣ ]