«إن جوهر القائد لما كان على عسقلان، وهجم عليه العدو، وأحرقوا خيمته وما قدروا عليه، وقاتل الناس إلى أن كشفوا العدو وعادوا إلى مكانهم، ترجّل جوهر وقبّل الأرض وقال:
_________________
(١) هذه نظرة نقدية هامة للمؤلف - المقريزى - للمراجع التى أرخت للفاطميين.
[ ١ / ٢٣٢ ]
«حذرنى مولانا المعز بالمغرب، وقال لى: احذر النار فى عسكرك ببرقة» فلما جزت بها تحفظت من النار، فلما صرت فى مصر: قلت الحق ما يقول مولانا، وما هو إلا أن أعود إلى المغرب، فيكون ذلك فيها، فلما نزلت هذا المنزل عرفت أنه يقال له برقة، وكنت - والله - خائفا من قول مولانا حتى رأيته عيانا.
قال:
«ولما بلغ المعز أن يوسف بن زيرى خليفته على المغرب قبض على صاحب خراجه بالمغرب غضب واستدعى إسماعيل بن اسباط، ودفع إليه كتابا مختوما، وقال له:
«أنت عندى موثوق به، غير مستراب بك، قل له يا يوسف، تغير ما أمرتك به، وتنسب ما فعلته لى؟ والله لئن هممت بالعود إليك لآتينك، ولئن أتيتك لا تركت من آل مناد أحدا، بل من بلكانة، لا بل من صنهاجة؛ أخرج ابن الأديم فاردده إلى النظر فى الخراج على رسمه، وامتثل جميع ما أمرتك به، ولا تخالف شيئا منه».
قال: «فسرت بأحسن حال حتى دخلت القيروان فلم أجده، فسرت إليه، فلما رآنى نزل وقبّل الأرض لما ترجلت له، وقبّل بين عينىّ، وقال:
«هذه العين الذى رأت مولانا».
وأوصلت إليه السجل، فقرأه سرا مع كاتبه وترجمانه، وأديت إليه الرسالة بينى وبينه، فعهدى به يرتعد وينتفخ ويسودّ، ويقول: نفعل والله، وكتب بردّ زيادة الله بن الأديم إلى نظره، وأقمنا مدة.
قال ابن أسباط: «فأنا راكب معه ذات يوم إذ ورد إليه نجّاب بكتاب لطيف، فقرأه عليه راكبا الترجمان، فرأيته ضرب الفرس وحرّكه فأقامه وأقعده، وهزّ رمحه فى وجوه رجاله يمينا وشمالا، وجعل يقول: «أبلكين، أمليح اسم أمه؟ أزيرى، أمليح اسم أبيه؟ أمناد، أمليح اسم جده؟».
قال: «فقلت فى نفسى: خبر ورد إليه سرّه، وأدرت فكرى فوقف فى أن مولانا المعز مات».
[ ١ / ٢٣٣ ]
فنظر إلى وجهى متغيرا، فأخذنى ونزل إلى دار إمارته، فأدار إلىّ وجهه، وقال:
«مالك تغيّر وجهك؟».
فقلت له:
«مات مولانا المعز، فأحسن الله عزاك عنه».
فقال:
«من أخبرك؟».
قلت:
«أنت أخبرتنى».
قال:
«وكيف!».
قلت:
«رأيتك قد عملت بعد قراءة الكتاب عليك ما لا أعرفه منك».
فقال:
«قد صدقت، قد مات مولانا المعز».
قلت له:
«فيقدر أن أحدا لا يقوى من بعده فى مجلسه».
فقال:
«لا بد من ذلك».
فقلت له:
«ينبغى أن تنتظر كتاب ولده الذى أتى من بعده، فسيأتيك ما تحب».
قال:
«صدقت، واكتم ما جرى، ولكن يا ابن اسباط بعدت مصر من المغرب، وقد صار المغرب والله فى أيدينا إلى دهر طويل».
[ ١ / ٢٣٤ ]
وأقمت، فورد كتاب العزيز إليه يعزيه ويوليه، فسرّ وخلع علىّ، وسيّرنى».
قال ابن سعيد عن كتاب «سيرة الأئمة» لابن العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن مهذب.
وأورد ليوسف بن زيرى خطبة كتب بها إلى العزيز بن المعز جوابا عن كتابه يقول فيها:
«وأعوذ بالله أن أقول ما شنّعه أهل الزور والجحود، بل أنا عبد من عبيده، أيّدنى بنور هدايته، وألبسنى قميص حكمته، وتوّجنى بعزّ سلطانه، وحمّلنى أثقال علم ربوبيته، واختصنى بنفس كلايته، وذكر أنه ولى عهده بعد ابنه الشاعر تميما ثم عزله، وولى ابنه عبد الله إفريقية، ثم ولى ابنه بمصر العزيز الذى صحّت له الخلافة بعده».
قال ابن سعيد:
«وهذا أعجب ما سمعته فى تولية العهد، لا أعلم لهذه الكائنة نظيرا».
وقال ابن الطوير:
«لما دخل المعز قرأ أحد القراء عند دخوله - وكان منجما -:
«وحمله وفصاله ثلاثون شهرا».
فقال المعز: «العاقبة».
فقال «حميدة».
قال المعز: «الحمد لله».
ومن أحسن ما مدح به المعز قول الحسن بن هانى فيه:
إذا أنت لم تعلم حقيقة فضله … فسائل عليه الوحى المنزّل تعلم
فأقسم لو لم يأخذ الناس فضله … عن الله، لم يعلم ولم يتوهّم
وأىّ قوافى الشعر فيك أجولها … وهل ترك القرآن من يترنّم
وكان نقش خاتمه: «بنصر العزيز العلم ينتصر الإمام أبو تميم».
وكان يشبّه فى بنى العباس بالمأمون فى سفره من القيروان.
[ ١ / ٢٣٥ ]